الشيخ عارف علي عباس برادة
محمد بن صالح البليهشي

رحم الله الأخ والصديق الأستاذ فيصل بن عارف براده سكرتير إمارة المدينة المنورة، مع بدايات هذا القرن الحالي، يوم أن كان ذلك الرجل بأخلاقه وأدبه وحسن استقباله يدير مكتب صاحب السمو الملكي الأمير عبد المحسن بن عبد العزيز رحمه الله.... منذ بدايات حياتي كنت محبا للمدينة المنورة، مغرما بتاريخها وآثارها ومكانتها وقداستها، وكنت مشرفا على صفحة أسبوعية عن هذه المدينة الفاضلة في جريدة الندوة بمكة المكرمة، يوم أن كان رئيس تحريرها الأستاذ الفاضل المرحوم حامد مطاوع أستاذ الجيل ورجل الصحافة الأول، وكنت أضمن صفحة المدينة تعريفا ببعض شخصياتها ورجالها المؤثرين في مسار الحياة بها، وكان والد الأستاذ فيصل رحمه الله ممن يلفت الأنظار بوجوده في مالية المدينة المنورة خلال النصف الثاني من القرن الماضي، بإدارته وشموخه وشخصيته المؤثرة، فرأيته وأعجبت به أيما إعجاب وطلبت من الأخ فيصل عليه رحمة الله أن يكتب لي نبذة مختصرة عن تلك الشخصية العجيبة والده الشيخ عارف براده، باعتباره من الشخصيات البارزة والمؤثرة في الوسط الإداري والاجتماعي ويمتاز بالدقة والتدقيق في شتى الأمور المالية، وهو علم بارز من أعلام المال في الإدارة والحرص عليه، ونال بذلك ثقة الدولة، مما أهله في ذلك المنصب، وعرف عنه من حرص في الوسط المدني وفي الوسط المالي على وجه العموم. ومرت الأيام ونسيت ما زودني به المرحوم الأستاذ فيصل براده من ترجمة عن والده، وفي هذه الأيام وأنا أكتب عن بعض الرموز في عالم المدينة المنورة تحت عنوان رموز في الذاكرة"، وأفتش في أوراقي القديمة وجدت ما كتبه الأستاذ فيصل براده عن والده، وفرحت كثيرا لأن الشيخ عارف البرادة من الرموز التي لها قدر معين ومكانة خاصة وأنا شخصيا معجب بذلك الرمز، وهو فعلا يستحق أن يُذكر ويكرم، لأنه من الشخصيات المؤثرة في المجتمع المدني، وله قامته العالية وقدمه الراسخة، وقامته التي يجب ألا تنسى وأن يأخذ مكانه في كتاب الرموز الذي سوف يصدر قريبا إن شاء الله تعالى، والشيخ عارف براده من رجالات المدينة المنورة، ولد بها عام 1329 هـ، وتعطرت قدماه بترابها، وحفظت أزقتها وبساتينها أنفاسه، وسجلت له غدوه ورواحه، ومزجته بعبقها وأنفاسها الزكية، وعاش مع أقرانه في تلك الفترة كالسادة أمين مدني وعبيد مدني ويوسف مدني وعلي مدرس وعلي عامر وغيرهم وحفظ القرآن الكريم في مدارس المشايخ إبراهيم فقيه ومحمد بن سالم وحامد مرشد وحصل على الشهادة الابتدائية في عام 1343 هـ بعد أن درس في المدرسة الحكومية في عهد مدير المدرسة الشيخ أحمد كماخي والشيخ عبد القادر الشلبي وأحمد صقر ومحمود الحمصي، ثم على يد الأساتذة والمشايخ محمد الكتامي والطيب التمبكتي ومحمد سعيد مدرس وأحمد صقر ومحمد حسين زيدان ومحمود الحمصي ومحمد سالم الحجيلي وحسام الدين مصطفى وغيرهم....
ومع ذلك كان المسجد النبوي الشريف وحلقاته قد حرص البرادة على التضلع من علوم اللغة العربية والسيرة النبوية وعلوم الخط والحساب والهندسة والجبر وكافة العلوم الرياضية مما أوجد لديه حصيلة ثقافية مميزة جعلته أكثر ثقة بمخزونه الثقافي الذي جعل منه رجلا مثقفا واسع الاطلاع قوي الحجة حاضر البديهة....
وبناء على ذلك سارت قدماه نحو مالية المدينة المنورة التي رأى المسؤولون فيها جدارته وقوة ثقافته وحسن خطه وعلو قامته في ذلك الشاب الذي تقدم للتوظيف فيها، فكان الأقدر على تحمل المسؤولية، وما لبث أن اعتلى إدارة المالية بالمدينة المنورة، ومنحه الشيخ عبد الله بن زاحم رئيس محاكم منطقة المدينة المنورة قبل الشيخ عبد العزيز بن صالح رحمهما الله شهادته في حسن إدارته وعمق ثقافته، وأعجب به المسؤولون لدقته وحسن خطه ونزاهته، ووقف شامخا على تلك الآثار، وصلت الثقة به إلى أن يكون الشيخ علي والبراده عارف براده ممثل المالية في مجلس الأوقاف بالمدينة عام 1359 هـ، واحتوته هيئة الأدلاء بالمدينة بالانتخاب مرات عديدة، وكان بها شخصية إدارية مؤثرة، واستقطبته هيئة المسجد النبوي الشريف في عام 1365 هـ للمشاركة في تنظيم مسار ماليتها خلال فترة التعمير، كل ذلك إلى جانب عمله في مالية المدينة المنورة، وسجلت مالية المدينة المنورة اسمه سكرتيرًا ماليًا معتبرًا في وزارة المالية والاقتصاد الوطني، ثم صار مفتشا ماليًا من الدرجة الأولى في عام 1375 هـ، ويوم أن عُرفت القوائم المالية بالجامعة الإسلامية تم ترشيح الشيخ البراده ممثلاً ماليا فيها، وصار خبيرا في تدقيق الميزانيات المستقلة في إمارة المدينة، ومصلحة المياه، وإدارة العين الزرقاء، وبلدية المدينة المنورة وغيرها، إضافة إلى عمله الأساسي في المالية....
وبقي رحمه الله شامخًا مخلصًا في عمله، مخلصا في إدارته، نزيها في تعامله حتى تمت إحالته إلى التقاعد في عام 1389 هـ. وقد اتخذ في مسيرته العملية مبادئ الجدية والاجتهاد والنزاهة وحسن الإدارة وحسن الخلق والمعشر، وقد بذلت جهود في تمديد خدماته للاستفادة من خبراته ونقاء تنظيمه، ولكنه آثر التقاعد واتخذ من المسجد النبوي الشريف مقرًا للدراسة وذكر الله حتى أتاه وقت رحيله في يوم السبت 19/10/1392 هـ، حيث تحققت أمنيته بوفاته في دار هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وتمت الصلاة عليه بالمسجد النبوي الشريف، وأخذ مكانه في بقيع الغرقد، رحمه الله رحمة الأبرار وأسكنه فسيح جناته.... ومرة أخرى رحم الله الشيخ عارف علي عباس براده، ورحم الله الصديق العزيز صاحب الخلق النبيل الأستاذ فيصل عارف براده وأسكنهما فسيح جناته، فهما من أسرة كريمة ذات عمق وأصالة رحم الله الأموات ووفق الأحياء وبارك في ذراريهم وربطهم بهذه المدينة المباركة....






