الأستاذ أنور أبو المجد الحريري
محمد بن صالح البليهشي

بعث إلي الأخ والابن الأستاذ طارق أنور أبو المجد صورة والده الأستاذ الكبير أنور الحريري، فذكرني بذلك الرجل العصامي الذي عاش بيننا في مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم أكثر من أربعة وأربعين عاماً معلماً في مدارس المدينة المنورة ثم مفتشاً في الإدارة العامة للتعليم بمنطقة المدينة المنورة على مستوى المرحلة الابتدائية وعلى مستوى تعليم الكبار حيث كان موجهاً في قسم محو الأمية، وكانت له آثاره الكبيرة في مجال عمله متفهماً له مخلصاً فيه حريصاً على أداء رسالته بالصورة التي تحقق الأهداف المتوخاة من مثل هذا النوع من التعليم.
والأستاذ أنور أبو المجد ولد في (قوص) بشارع الحريري بصعيد مصر الجواني عام 1344هـ وحفظ القرآن الكريم كاملاً في سن مبكرة ونال شهادة المعلمين ودخل سلك التعليم معلماً بالصعيد وفي صعيد مصر حيث ولد هذا الرمز)، الحريري نبغ العديد من العلماء والأدباء كابن دقيق العيد وبهاء الدين زهير وغيرهما كثير، وتعتبر قوص وما حولها أقدم مناطق الصعيد سكناً وقال عنها الأستاذ الحريري: بأن هذه البقعة زارها جميل بثينة وأقام بها خمسة أشهر كما زارها المتنبي وابن خلدون وابن بطوطة. وانتقل الأستاذ الحريري إلى مدينة القصير مديرا للمدرسة هناك وأمضى فيها بضع سنين ومنها تم اختياره مفتشاً عاماً للتعليم واستطاع خلال مدة قصيرة أن ينفذ العديد من المفاهيم التربوية والبرامج الإثرائية في تلك الجهة وقد أفاد مدرسي ومديري المدارس الكثير من الأفكار التربوية الصحيحة وتحقيق المسارات
التربوية المهمة في عالم التربية والتعليم.
لقد كانت هناك أمنية كبيرة تدور في ذهنه وتسيطر على أفكاره طيلة المدة التي عملها وتلك الأمنية هي ممارسة التعليم
والتربية في ربوع المدينة المنورة، وتحققت إثر اختياره من قبل لجنة التعاقد ليكون مفتشاً بتعليم المدينة المنورة في العام الدراسي 1389هـ وما أن وطئت قدماه أرض المدينة المنورة حتى تمت مقابلته من قبل رجل التعليم الأول حينها الأستاذ عبد العزيز الربيع مدير التعليم الأسبق رحمه الله تعالى في هذه المدينة العظيمة حيث رأى في الأستاذ أنور أبو المجد بغيته تربية وثقافة وعلما وأدباً فأصبح مفتشاً لتعليم الكبار ومحو الأمية
بالإدارة العامة للتعليم بمنطقة المدينة المنورة ومن التفتيش
رأى فيه الأستاذ عبد الرحمن أبو العلا رحمه الله تعالى مساعد مدير التعليم الكفاءة والفهم وتقدير المسؤولية فأضاف إليه الاشتراك في حركة وتوزيع المعلمين على مدارس منطقة المدينة المنورة وتسديد العجز مع الأستاذ مخيضير عطية الحجيلي رحمه الله تعالى، فكان الأستاذ (أنور) هو الجندي المجهول الذي يسهر على إعداد قوائم المعلمين وتسديد عجز المدارس فهما وصياغة) ويصدر قوائم أسماء المعلمين كتابة بيده بعد إقرارها من اللجنة التي هو أحد أعضائها وبإشراف الأستاذ مخيضير الحجيلي، وقد قربه الأستاذ (أبو العلا مساعد المدير منه وأصبح من خاصته واستمر في عمله الأساسي بتعليم الكبار والأعمال الإضافية مع اللجان بقسم المعلمين في عهد الأستاذ عبد العزيز الربيع ثم عهد خلفه الأستاذ حسين مصطفى الجوادي رحمه الله تعالى، حتى بلغ الأستاذ أنور السن القانوني للتقاعد فصدر الأمر بذلك واستمر رحمه الله تعالى مع التعليم متعاوناً بعد تقاعده.
ولما رأى فيه الأستاذ الربيع من ثقافة وأدب ولغة سواء في التعليم أو في النادي الأدبي في حضوره لفعاليات النادي الثقافية قربه من دوحة النادي واستعان به في كثير من نشاطاته ومناسباته، وبعد التقاعد وجد جادته إلى النادي الأدبي ميسرة حيث انضم إلى أسرة النادي في إدارته وتسيير أموره وعاصر في إدارة النادي ثلاث إدارات به بدأها برئاسة الربيع ثم رئاسة الأستاذ محمد هاشم رشيد رحمه الله تعالى وأخيراً مع رئاسة الأستاذ الدكتور عبد الله عسيلان حفظه الله تعالى.
وكان طيلة عمله بالنادي مثالاً للمواظبة والفهم والحرص والاستيعاب لكل ما يتصل بالنادي من قريب أو بعيد، وقد جعل من الإخلاص في العمل ومن ثقافته اللغوية الواسعة وسائط لفرض شخصيته على كل الأطياف التي ترتاد هذا النادي وأصبح الأستاذ (أنور أبو المجد) هو النادي الأدبي المتحرك فلا تشذ عنه شاردة ولا واردة في حياة النادي ومنسوبيه يعمل بجد واجتهاد ولا ينتظر شكراً ولا مكافأة ولا إشارة، همه أن يستجيب النادي لكل ما تطلبه منه رئاسة الأندية الأدبية أو يحقق تقدماً له في أي إدارة أو محفل أو مهرجان وكان حضوره رحمه الله تعالى في فعاليات النادي مستمرا وعينه ثاقبة وقلبه يتسع لكل الأطياف الثقافية والاجتماعية والعلمية وفي فترة وجوده بالنادي لم تحتج مطبوعات النادي مصححين لغويين لأن اللغوي (أنور الحريري) موجود داخل النادي ولا يخرج منه إلا بصحبة كتاب يصححه أو منشور يراجعه أو محاضرة أو ندوة يحضر لها أو لقاء يكون تحت
رقابته وتوجيهه.
ولذلك فنادي المدينة المنورة الأدبي كان أبو المجد أحد أركانه المهمة طيلة ثلاثين عاما له وجوده فيه ونشاطه المميز تحت رئاسته ومشرفيه وجميعهم كانوا على ثقة واطمئنان لعمل
وإخلاص ذلك الرجل.
وأشهد أنه كان لي شخصياً نعم العون والعضد عندما تحملت تحقیق تراث الأستاذ الربيع من الكتب التي نثرت الغبار عنها من بعض حصيلته الثقافية والأدبية والاجتماعية في أوراق متناثرة، فقد ساعدني على البعث لموضوعات تلك الكتب وتنظيمها وتصحيحها وإبرازها للطباعة، وكان نتيجة ذلك ستة كتب أضيفت إلى نتاج الأستاذ عبد العزيز الربيع تحت عناوين مناقشات ومناوشات ) (شوقيات وشوكيات) (نظرات تربوية) كتب ومؤلفون) (مقالات وتعليقات) (نص لم يكتمل وقف معي رحمه الله تعالى في التنظيم والتصحيح والمتابعة حتى تمت طباعتها دون أي مقابل مادي لنا جميعاً، ولم نحتج إلى مساعد أو مصحح خارجي كل ذلك من أجل إنصاف ذلك العملاق الأدبي
والثقافي والمربي والناقد عبد العزيز الربيع) رحمه الله تعالى وكان أبو المجد ذا نفس أبيه لا يحب الأضواء ولا الظهور ولا ينظر إلى مكافآت أو ميزات مادية فهو زاهد في كل ذلك عليه رحمة الله تعالى.
ويوم أن مرض الدكتور محمد بن أحمد الرويثي وهو رئيس التحرير لملف العقيق ولم يستطع متابعة الملف، تحملنا مهمته حتى وفاته يرحمه الله تعالى في ذلك الجانب وبعد وفاته وبإلحاح من الأستاذ (أنور) أصبحت رئيساً للتحرير لملف العقيق وعملت على عدم تعثره واستمر وأبو المجد في مساعدتي لمراجعته وإخراجه بنفس المسار الذي كان عليه موضوعاً وهدفاً واختياراً وإخراجاً وطباعة تحت إشراف رئيس النادي الأدبي الدكتور عبد الله عسيلان حفظه الله تعالى
إن ذلك الرجل الأستاذ أنور أبو المجد الحريري واحد من الشخصيات الثقافية الفريدة التي رأيت اليوم أن يكون ضمن الرموز الذين بقوا في ذاكرتي لثقافته الواسعة وإخلاصه المتميز وحبه للمدينة التي بقي في ربوعها أربعة وأربعين عاماً وأتى إليها مهاجرا بأسرته ولم يخرج منها حتى تحققت أمنيته في الوفاة بها في غرة شهر ذي الحجة من عام 1433هـ وتمت الصلاة عليه في المسجد النبوي الشريف عقب صلاة فجر الأربعاء واستقبله بقيع الغرقد الذي طالما وقف فيه مسلما وداعياً لمن فيه ومتطلعاً إلى يوم دخوله معهم رحمه الله رحمة الأبرار وغفر لهم جميعا.






