الشاعر اللواء علي حسين عويضة
محمد بن صالح البليهشي

في أواخر الثمانينيات الهجرية من القرن الماضي، وكنت في بدايات تعاملي مع الحرف الأدبي، حضرت جلسة من جلسات أسرة الوادي المبارك الأدبية الثقافية في منزل المرحوم الأستاذ عبد العزيز الربيع، وجدت مجموعة من الأدباء والشعراء، وكان من بينهم الشاعر علي حسين عويضة الذي عرفت اسمه من اهتمام الجميع به وعلى رأسهم الأستاذ الربيع - رحمهم الله جميعا. وكان العويضة في تلك الجلسة محل الحفاوة والتقدير من الجميع، و له مركز كبير في السلك العسكري، كما فهمت من الأحاديث، وعرفت أنه يعمل في الطائف، وأنه يحرص عندما يأتي إلى المدينة على حضور جلسة الأسرة الأدبية التي تتعاطى مع أعضائها مختلف الفنون الأدبية، ويمتاز بالتواضع الجم والابتسامة الدائمة والعمق في فهم المعنى وتقدير الكلمة. وله ذوق فني وإحساس مرهف عندما يسمع نصا شعريا يميل إلى الموسيقى ويتناسب مع الألحان في جميع فنونها....
ومع مرور الوقت، عرفت الضابط العسكري (علي عويضة)، وعلمت في جلسة من جلسات النادي الأدبي بالمدينة المنورة، بعد أن تحولت أسرة الوادي المبارك إلى مسمى النادي الأدبي بعد تأسيسه، أن الرمز) علي عويضة قد تم ترقيته إلى رتبة اللواء)، وأنه تشرف بإدارة شرطة الطائف، واتخذ في مقر عمله في مدينة الطائف، جلسة أدبية الثقافية في تلك الربوع الأنيسة، وزاد تعلقه بنادي المدينة المنورة الأدبي باعتبار أن المدينة المنورة في مسقط رأسه، وهي حبه وعشقه الذي لا يغيب عنه ولا يرضى به بديلا...
ومع تحقيقي لتراث الأستاذ عبد العزيز الربيع، الذي نفضت الغبار عنه بعد موته وعاجله الأجل المحتوم، قبل جمعه وإخراجه في كتب الأدب والثقافة.. مع تحقيقي تراثه - يرحمه الله - والذي خرج إلى الوجود بعد وفاته بعشرين عاما في ثمانية كتب صدرت عن نادي المدينة المنورة الأدبي، وجدت مقالين اثنين نشرا في جريدة المدينة المنورة في بدايات التسعينيات من القرن الماضي، عن استعراض (الربيع) لديوان الشاعر اللواء على حسين عويضة تحت عنوان ارحم الله الشاعر اللواء).
واتضح من تحقيقي واطلاعي على الديوان الذي أهداه إليه زميله (العويضة)، والذي كان بعنوان في موكب الأبطال)، أن ذلك التحقيق صدر بعد وفاة صاحب الديوان. الشاعر اللواء على عويضة. وقد أكد الربيع ذلك في قوله: وهو يستعرض الديوان. فقد أفضل مشكورا فأهداني نسخة من الديوان، وكان في نفسي أن أخصه بمقال أدبي... ولكن مشاغل كثيرة حالت بيني وبين ذلك...
وكان - رحمه الله - حريصا على أن يقرأ هذا المقال ولكن الأمور لا تسير دائما كما تشتهي وتزيد فهاهو المقال يظهر ولكن بعد أن أصبح فقيدنا في ذمة الله ... وكان خبر موته مفاجأة عنيفة بالنسبة لي ولكثير من أصدقائه، فقد رأيته قبل أيام من اليوم الذي غادر فيه دنيانا، وقد زارنا في نادي المدينة المنورة الأدبي، وبقي معنا بعض الوقت. وكانت كعادته "فرحاً باشا، يشارك في ألوان الحديث، وخرج على أمل أن يلقانا في وقت قريب، ولم تمض أيام حتى تفاجأنا بخير موته بدون مرض أو وعكة، وكان زيارته لنا زيارة مودع. وهكذا، فقدنا زميلاً فاضلاً من زملاء الصيا، وأنا كريمًا من إخوان الصفا ) .ا.هـ.
وأقول هنا بأن رمزنا اليوم، الشاعر اللواء علي عويضة، من مواليد هذه المدينة المنورة. عاش فيها وتعطرت أقدامه من تراها الطاهر، واتخذ مكانه في حلقات كتاتيب مسجدها العظيم، ودرس في مدرسة العلوم الشرعية، وكان شاعرا لتلك المدرسة وهو في المرحلة الابتدائية. ووجد في مدرسيها في ذلك الزمن من أخذ بيده التعليم فنون الشعر وأوزانه وموسيقاه وبلاغته. في موكب ولذلك عرف مكانه في درس الخطابة الأسبوعية. تعلم من منير الشعر طلاقة اللسان، وأدل شيء على ذلك تلك القصيدة التي نظمها بمناسبة ما أشيع بأن الملك عبد العزيز سوف يزور المدينة المنورة في عام 1361 هـ في شهر رمضان، وعندما تأجلت تلك الزيارة، رفعتها إدارة المدرسة باسم شاعر المدرسة على عويضة)، الطالب بالصف السادس الابتدائي، والتي جاء فيها:
حببت با صقر الجزيرة اينما
حلت ركابك أنت نبراس البلاد
يا حاكم العرب الكرام ينجده . ورفعت رايات المهابة للجهاد
وخلال الأعوام من 1360 هـ إلى عام 1374 هـ، سجلت جنيات مدرسة العلوم الشرعية حضور شاعر المدرسة العويضة في قصائد معبرة. تحت العديد من العناوين منها: "أبناء الغد" و"من أجل الجهاد"، و"نشيد النشء الجديد، والمجد أظهر وجهه وتسامي وأعددتم النهضة العليا ببلدتنا"، و"نشيد النصر"، و"نشأة الأدب الرفيع"، وغيرها الكثير من القصائد التي فاخرت بها المدرسة أمام زائريها من الملوك والأمراء والمربين والأدباء والمثقفين.....
وتعدى شعر علي عويضة إلى خارج أسوار المدرسة، حيث رفع الجلالة الملك عبد العزيز في عام 1365 هـ قصيدته التي بعنوان "ما أنت إلا منحة من ربنا، قال في مطلعها:
من للعروبة غير شمس علاها
عبد العزيز هو الذي أعلاها
يا ناصر الحق المبين أما ترى
أرض الجزيرة كيف ضاء سناها .
و تلك القصيدة التي عنونها بقوله "نشيد النصر"، واشترك بها في المسابقة الشعرية في لندن عام 1365 هـ، وقدمها للمفوض البريطاني حينها في جدة... وبمناسبة عيد الجلوس ومرور 50 عاما على استعادة جلالة الملك عبد العزيز الرياض واسترداد ملك آبائه وأجداده.
رفع الشاعر علي عويضة القصيدة التي قال في عنوانها للملك - رحمه الله : "ما أنت
إلا خير فينا كله"، وورد فيها:
من للجزيرة غيره مولاها
عبد العزيز ومن سمى بعلاها.
يا عاهل العرب الكرام أما ترى
أرض العروبة كيف ضاء سناها
من بعد ما ضلت زماناً تشتكي.
الم التفرق في قفار رباها
ورفع العديد من القصائد الأصحاب الجلالة الملك سعود، والملك فيصل، والملك خالد - رحمهم الله - والأمراء الآخرين في مناسبات وطنية عديدة.
وأشاد به معالي وكيل إمارة المدينة المنورة الشيخ عبد الله السديري في العديد من المناسبات التعليمية التي رعاها في مدرسة العلوم الشرعية وغيرها.
ويذكر الشاعر العويضة) أن الشيخ عبد الله بن سعد السديري وكيل الإمارة قد شرفه بزيارته في بيته في عام 1365 هـ فألقى أمامه القصيدة التي قال فيها ...
رددي قيثارتي عذب الغنا
هذه الليلة ميعاد الهنا
هذه الساعة تحوي الزمنا
مطلع كالبدر قد لاح لنا
وفي مواقع العمل في المنطقة الشرقية، ومكة المكرمة، والطائف، كان للرمز الشاعر علي عويضة حضور بقصائده التي عرف بها أمام الملك فيصل عام 1387 هـ وعام 1390 ه - رحمه الله .. وأمام سمو الأمير فواز بن عبد العزيز في زيارته للطائف - رحمه الله -وغيرها. كما كان له حضور مميز في مختلف المناسبات الشخصية والوطنية بالمدينة المنورة، وفي مهرجانات مناصرة الجزائر وفلسطين التي
كان رحمه الله شديد الحب لمدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقد فرضت عليه ظروف العمل التنقل في مختلف المدن، وكان آخرها مدينة الطائف، وقد أبدى رغبته في زياراته لأعضاء النادي الأدبي بالمدينة، الاستقرار بهذه المدينة المقدسة بعد تقاعده، وأخذ في بناء عمارة له في رحابها، وكان فرحا بذلك، وأشرف على إنشائها حتى انتهائها. وهو يمني نفسه بالاستقرار والسكن بقية حياته فيها، ولكن الأجل عاجله، وهو يراقب العمل في تلك العمارة، وكانت ساعة رحيله، وهو على كرسيه في ظلال تلك العمارة، في أواخر التسعينات من القرن الماضي فودع عالمنا الغاني إلى العالم الباقي، وترك حسرة ولوعه في نفوس أهله وأصدقائه ومعارفه وزملائه وفي مجتمع المدينة بأسره وتحقق له ما كان يتمناه، فمات في محبوبته المدينة المنورة، وصلت عليه جموع المسلمين في مسجدها العظيم، ودفن في تراها الظاهر ببقيع الغرقد. رحمه الله وغفر له، وأدخله فسيح جناته
بطال
شعر
أقيمت في رحاب ساحات شارع أبي ذر في طيبة الطيبة.....






