الدكتور علي بن مرشد محمد المرشد
محمد بن صالح البليهشي

رمز من الرموز الذين عرفتهم المدينة المنورة في الفترة من عام 1397هـ إلى عام 1412هـ، أتى إليها محباً لها عاشقاً العمل بها مترسما ذلك الدور الكبير الذي تبوأته هذه البلدة الطيبة منذ أن أشرقت بأنوار النبوة في هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم إليها، عرفه المجتمع المدني بسمته وصلاحه وإخلاصه في عمله واندماجه السريع فيه منذ أن وطنت أقدامه أرض المدينة المقدسة، وفي مدة قصيرة حتى صار على المرشد نسيجاً منها وفردا في مجتمعها، له حب مميز وتقدير خاص لدماثة خلقه وحسن تعامله وتقديره لرجالات المدينة ولكافة فئات مجتمعها وله قدم راسخة مع مشائخها وأدبائها ومسؤوليها حتى صارت المدينة جزءاً من كيانه.
أتاها مديرًا لإدارة التربية الفكرية نقلاً من ديوان المظالم بالرياض وكانت له بصمات موثقة في معهد النور بالمدينة المنورة، وخطا المعهد في عهده خطوات كبيرة لتحقيق أهدافه نحو فاقدي البصر، وأوجد لذلك المعهد صوتا وصورة في مجتمع التربية والتعليم بوسائل عديدة لم تكن موجودة من قبله، كالأجهزة المساعدة في مختلف شؤون المعهد، وكان المدير العام للتعليم الأسبق الأستاذ / عبد العزيز الربيع رحمه الله وهو من هو ثقافة وأدب وإدارة يجل الأستاذ علي المرشد ويقدره ويحفظ له مكانه ومكانته ويسهم إسهاما كبيرا في المجلة التي أحدثها (المرشد) كصوت ناطق في معهد النور بالمدينة، ولا أزال أذكر ذلك الحفل الذي أقامه المعهد بإشراف مديرة الأستاذ على المرشد تحت رعاية سعادة المدير العام الربيع رحمه الله، الذي أبدى إعجابه بالخطوات الكبيرة في تحقيق الأهداف التي رسمها مدير المعهد وقام ليلتها الأستاذ الربيع بإلقاء كلمة أشاد فيها بالدكتور علي المرشد الذي فتح أمام طلاب المعهد الأبواب الواسعة والآمال الكبيرة، وضرب للطلاب والحاضرين الأمثلة بالعديد من الأفذاذ على مر التاريخ من فاقدي البصر، ومما قاله: إن الصورة العجيبة التي رسمها الشاعر الكبير بشار بن برد بمنتهى الدقة والبراعة في بيته المشهور:
كان مثار النقع فوق رؤوسنا
وأسيافنا ليل تهاوت كواكبه
لا تزال هذه الصورة الرائعة تستحوذ على الإعجاب وتبدو كأنها لا يمكن أن يتاح رسمها وتلوينها على هذا المستوى من المقدرة الفنية حتى على الشعراء المبصرين.
وصورة رائعة أخرى لشاعر لم يتح له من وسائل المعرفة غير وسيلة التلقي والسماع أيضا هو الشاعر العملاق أبو العلاء المعري في قوله: وسهيل كوجنة الحب في اللون وقلب المحب في الخفقان إننا نقف معجبين أمامها ونتساءل أحياناً، ترى كيف كان مستوى أبي العلاء لو أنه كان يرى بعينه الصورة التي يرسمها بريشته المبدعة؟ وختم تلك الكلمة بقوله تحية صادقة للزميل العزيز المبدع والمربي القدير الأستاذ علي المرشد محمد المرشد مدير معهد النور على عمله الدائب المخلص في سبيل خدمة الدار ورفع مستوى نشاطاتها الفنية والثقافية إلى هذا المستوى الرفيع.
ومع بداية شهر رمضان من عام 1397هـ صار الدكتور علي المرشد مديرا لفرع الرئاسة بالمدينة ثم صار مديرا عاما التعليم البنات بالمدينة المنورة في عام 1405هـ وتمت ترقيته إلى وكيل الرئيس العام لشؤون الكليات في عام 1415هـ. وما لبث أن صدر الأمر الملكي في عام 1416هـ بتعيينه رئيسًا عامًا لتعليم البنات برتبة وزير، وعندما حان وقت تقاعده ولما أبداه من إخلاص وأمانة وصدق وحسن إدارة جرى تمديد خدماته الأربع سنوات بالأمر الملكي الصادر في الثاني من الشهر الثالث في عام 1420هـ مسيرة حافلة بالإخلاص والمنجزات التطويرية في كل عمل يحل به أبو عبد الله بثقة وجدارة وحسن إدارة وكفاءة، وقد امتاز بثقله الإداري والمعرفي والاجتماعي وحصلت الرئاسة في ظل رئاسته على جائزة محو الأمية الحضاري في عام 1998م التي ترعاها وتمنحها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم وكان له الحضور المميز في كافة اللجان المحلية والدولية والاجتماعية والخيرية التي تختص بالتربية وتعالج شؤون تعليم البنات على امتداد خدمته في هذا المجال.
والدكتور علي المرشد نتاج تربية لأب كريم وأسرة عريقة من المرشد آل أبو عليان من بني تميم وعرف والده رحمه الله بصلاحه وتقواه، وعرف كذلك بحياته التي عاشها في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طيلة 40 عاماً في بريدة. كان والده حريصًا على تعليمه، فبالإضافة إلى دراسته بالمعهد العلمي ببريدة كان يتلقى دراسات أخرى على يد علماء القصيم في المساجد كأمثال فضيلة الشيخ محمد الصالح المطوع، والشيخ عبدالله محمد بن حميد والشيخ صالح الخريصي وغيرهم. وفي عام 1390هـ كان الدكتور علي المرشد ضمن خريجي كلية الشريعة من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وحصل على الماجستير والدكتوراه في الفقه المقارن من جامعة الأزهر كلية الشريعة والقانون، ودعم معارفه في مجال التربية الفكرية بدورات على طريقة (برايل للمكفوفين وتعليم الكبار ودورة في الإدارة المتقدمة عام 1400هـ
وله مصنفات في عالم البحث والتأليف من بينها: الإمام أحمد بن حنبل وكتابه الأشربة والحرابة في الإسلام - عقيدة التوحيد وموقف علماء السلف، المنهج في تمييز مذهب السلف، تعليم الفتاة بين التفرد والمحاكاة، تعليم البنات في المملكة العربية السعودية، تعليم المرأة على أسس إسلامية، نظام التعليم في المملكة المردود المالي لعمل المرأة داخل المنزل، فعالية عمل المرأة في الرئاسة العامة لتعليم البنات دور المدرسة في تربية النشء وبناء المجتمع، إضافة إلى مشاركات علمية وندوات ومحاضرات عن طريق الإذاعة والتلفزيون ومشاركات في الجمعيات والمؤتمرات داخل المملكة وخارجها.
هذا هو الدكتور علي المرشد الذي عاش بيننا في مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم، في سنوات تركت أثرها فينا حبا وتقديرا وإكبارًا لهذا الرجل الذي لم ينس المدينة بعد انتقاله منها إلى كرسي الوزارة، ولم تنسه المدينة كواحد من الذين تخلقوا بخلقها وتشربوا عبقها التاريخي وعرفوا قدرها ومكانتها في دنيا الإسلام والمسلمين.
في عام 1408هـ نمت في مخيلتي فكرة رموز.. في الذاكرة) هذا العنوان الذي يستعرض في حلقاته اليوم بعض الرموز في طيبة الطيبة ممن عرفتهم ورأيت أنهم يستحقون الذكر والشكر وأعددت من أجل ذلك استمارة وكان من أوائل من ذكرتهم بتعبئة الاستمارة الشيخ الدكتور علي المرشد حفظه الله الذي كانت استجابته سريعة حيث وصلتني الاستمارة وبرفقتها خطاب خاص يقدر تلك الخطوة ويشيد بها ويصاحبها، ومع مشاغلي وتسارع الحياة انزوت تلك الفكرة في ركن قصي من مكتبتي وعدت إليها اليوم بعد مرور ثلث قرن تقريباً لبعثها، وكتبت حتى الآن عن أكثر من مئة وعشرين شخصية تحت هذا العنوان رموز.. في الذاكرة) وسوف تصدر هذه السلسلة في ثلاثة كتب إن شاء الله إن كان في العمر بقية وفاء لتلك الرموز وإشادة بمنجزاتهم وتذكيرا بإسهاماتهم في صورة مختصرة وأسلوب أدبي مشرق مميز وترحما على من غادرنا إلى دار البقاء والخلود.
أتتني استمارة الدكتور (المرشد) حفظه الله وبرفقها خطاب خاص خرج عن خصوصيته وصار من وثائق التاريخ بعد مرور ثمانية وثلاثين عاماً عليه، اعتبرت ذلك الخطاب من وثائقي الغالية وشهاداتي التي احتفظ بها وأفتخر بصاحبها وأعده في قمة الأدباء والمثقفين وأصحاب المعروف الذين لا ينسى فضلهم ولن تمح مكارمهم، أرفقه مع هذه المقالة إشادة وافتخاراً وحباً وتقديراً وسوف يكون مقدمة لذلك الكتاب القيم الذي سيرى النور قريباً إن شاء الله لما تضمنه من إشادة وتشجيع واستشراف للمستقبل من رجل أصيل في معدنه عميق في ثقافته جزل في عباراته أديب في أسلوبه وتعامله جميل في خطه ومقاله، حفظه الله وأطال عمره في طاعته ووفقه لكل خير.






