الأستاذ علي بن محمد الرابغي
محمد بن صالح البليهشي

في اليوم الخامس عشر من شهر ربيع الثاني عام 1447هـ، غادرنا الأستاذ الكاتب الصديق علي بن محمد الرابغي إلى دار البقاء والخلود في مدينة جدة بعد حياة حافلة بالأعمال الدؤوبة والكفاح والعصامية وبذل العطاء في النصح والتوجيه والتفاعل مع أحداث الحياة وإصلاح المجتمع .....
غادر الساحة الثقافية التي تفاعل معها قرابة سبعة عقود في بلادنا، ينثر لآلته ويلمح لمحاته لإصلاح المجتمع واستقامة شبابه وتسليط الأضواء على جوانب السلب والإيجاب في سلم التطوير والحضارة والرقي، من خلال قلمه السيال وأفكاره النيرة المطرزة بالوطنية المخلصة والمعجونة بتراب هذه الأرض....
فمن مدينة رابغ على الساحل الغربي درجت أقدامه منذ ولادته في عام 1359هـ، واصطبغت شخصيته وتكونت معالم نبوغه منذ صباه في هذه المدينة ذات التاريخ المجيد والمواقف المشرفة، وتشرب معالم الصمود والإباء والرجولة منذ سنواته الأولى، من خلال ما استوعبه من تلك المعاني وهو يعيش في أحياء مدينة رابغ وبالذات في حارة الأمير وتعززت تلك المعاني أيضا بوجوده في أسرة محافظة مهتمة بالعلم والثقافة، ومن انتمائه إلى قبيلة ذات أصول شامخة هي قبيلة (الغوانم) من زبيد من حرب....
ومن هنا تفتحت عيناه منذ صباه على مجالس الرجولة في لقاءات والده وجماعته التي زرعت في نفوس الجميع حب الوطن والغيرة عليه والدفاع عنه، وهو ما ظهر في كتاباته وتوجيهاته وملاحظاته عندما أدركته مهنة الكتابة والتعامل مع الصحف والمجلات والوسائل الإعلامية المرئية والمسموعة....
حرص والده على تعليمه وأدخله مدرسة رابغ ودرج فيها بصفوفها الأولية، وما لبث الوالد - رحمه الله - أن صار عمله في جدة في الثكنة العسكرية "القشلة"، حيث انتقل بأسرته إلى هناك، وأدخل ابنه (علياً) بالمدرسة الوزيرية بحي الكندرة، ثم المنصورية في حي العلوي، ونال الشهادة الابتدائية، ثم المتوسطة والثانوية بتفوق. وقاده طموحه لطرق باب جامعة الملك سعود بالرياض، حيث تحصل على الشهادة الجامعية... وهو خلال مراحله التعليمية كان محبا للصحافة، معجبا بسيرها، متابعا لخطوات تطورها، ولذلك كان تفاعله معها منذ المرحلة المتوسطة. وقد حملت له مجلة "المنهل " العديد من المقالات التي كتبها وهو في المرحلتين المتوسطة والثانوية، وكذلك صحيفتا المدينة والبلاد سجلتا له خطوات واثقة فرض خلالها اسمه في عالم الصحافة المتألق في تلك الأيام. وعلى صفحات جريدة البلاد، أثبت الأستاذ علي الرابغي بداية نشاطه الصحفي، ووجدت فيه نضجا صحفيا رياضيا، وأوكلت إليه الإشراف على الصفحات الرياضية، كما سجلت جريدة "عكاظ" اسمه في القسم الرياضي لسنوات عديدة، ورحبت به صحيفة "الشرق الأوسط" في مرحلة من مراحل مساره، ليكون مشرفا على القسم الرياضي بها .....
ولم تقتصر جهوده وكتاباته على الجانب الرياضي رغم ميله له وتفاعله معه، بل تعددت جهوده إلى الكتابة في الصحف في شتى الاتجاهات الأدبية والفكرية والثقافية والاجتماعية حتى صار في يوم من الأيام عضوا في مجلس إدارة جريدة عكاظ من الأعمدة الجاذبة للقراءة بصفة دائمة، حيث يطرح فيها أسبوعيًا آراءه في الأدب والثقافة والاجتماع والنقد، وقد اكتسب ثقافة عميقة في هذه الفنون من خلال قراءته الأدبية والثقافية التي أوجدت له مخزونا من اللغة والبلاغة وفن الكتابة والتعامل معها، إضافة إلى ما امتاز به من حب وقراءة لكتب كبار الأدباء: كيوسف السباعي، ونجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، وأنيس منصور، والعقاد، والرافعي، والعواد، والربيع، وغيرهم. ولما امتاز به من ثقافة عالية وأسلوب مميز ضمته ساحة الإعلام المرئي والمسموع، وسجلت له الإذاعة والتلفزيون خطوات واثقة في برامجها المختلفة، وصار للأستاذ الكاتب المثقف علي محمد الرابغي قدم راسخة في المجال الإعلامي بكافة معالمه وجوانبه. وعرفه الوسط الإعلامي بصوته الجريء، وأخلاقه الحميدة، وتواضعه، وحسن تعامله، وقدرته على الحوار، واختيار الآراء الصائبة، والاقتراحات الهادفة للمسار الإعلامي الصحيح، واعتبره كبار الإعلاميين، بما فيهم بعض وزراء الإعلام، شخصية إعلامية بارزة يعتد برأيها في المسار والتخطيط والتنظير، والهدف لأنه شاهد على العصر في تطور مراحل الإعلام....
وتميزت كتاباته بالصدق، وحب الناس الذين عرفهم وعاشرهم.
وعرض القضايا الاجتماعية والإنسانية والرياضية بأسلوب مقبول بعيد عن الإسهاب والحذلقة، وبرزت العاطفة والعفوية والمشاعر الصادقة فيما يطرحه من أفكار. ولديه تقديس للصحافة، واحترام للآخرين، وإعطاء المكانة لكل الأصدقاء والكتاب والمثقفين وامتاز أسلوبه بالجذب والتشويق للقارئ، مع اختيار العبارات الجزلة التي تلامس مشاعر المستطلع والقارئ على حد سواء. وكدليل على هذا، أستقطع فقرات من مقاله الذي عنونه بقوله: "جدة وعنيزة تودعان الرجل الكبير أبو عبد الوهاب"، والذي نشر في عكاظ يوم السبت 21 مايو عام 2022 ميلادية، قال: استيقظت جدة صباح يوم الجمعة الماضي، وقد صدمت وصدم كل من فيها، ممن يعرفون قيمة الرجل الشهم الراحل عبد الرحمن الثانية الذي غادرنا فجأة، موجعت جدة والقصيم، وكل من كانوا يعرفون قدر هذا الرجل ومكانته. كانوا يقدرونه ويحترمونه، ويعرفون وزنه الاجتماعي، ويدركون حقيقة تاريخ هذا الرجل أبو عبد الوهاب"، إذ كان صديقا للجميع، وكان مرموقا ومحبوبا عند كثير من أعيان جدة، من الأمراء وأصحاب المراكز التي تعرف قدر الرجال. لقد غادرنا أبو عبد الوهاب، تاركا رئة أسى، ترددت أصداؤها في جدة وفي القصيم. يعرف قدر هذا الرجل الكثير كان كريما بلا حدود... إنسانا بلا حدود... أنيقا بلا حدود... في الفترة الأخيرة.
لم يسعفه المرض والموت، إذ كان طريح الفراش، وهاتفه لا يهدأ...) وتقول هنا بأن أبا مروان) رمزنا اليوم، هو كذلك، قد أحدث رحيله صدمة لكل من يعرف أخلاقه وتواضعه وجهوده وعصاميته حيث جمع في كتاباته وتعامله وأخلاقه ووطنيته بين القيم الاجتماعية والدينية والثقافية، وأثر كثيرًا في المجتمع الإعلامي، حتى صار نموذجاً لما يجب أن تكون عليه الصحافة والصحفيون بمهنية راقية وأسلوب مميز مقبول). ولكن لا راد لقضاء الله وقدره، فما كتب عن صديقه أبو عبد الوهاب رحمه الله، يصدق عليه في الأوساط الاجتماعية والإعلامية والثقافية، وفي وسط الأعيان والأمراء وأصحاب المراكز التي تعرف قدر الرجال في جدة ومكة والطائف ورابغ والمدينة وغيرها. رحم الله الكاتب والصديق والإعلامي ورجل المواقف الأستاذ علي محمد الرابغي، وأسكنه فسيح جناته.....
وليت نخبة من أصدقائه وإخوانه وعارفي فضله تكثف جهودها لجمع مقالاته في عموده الشهير في جريدة عكاظ وغيرها. لإخراجها في كتاب يحمل اسمه، ويخلد ذكراه... ويفتح الأبواب للترحم عليه من القراء والأدباء والصحفيين، في ساحة الثقافة والمعرفة.






