الأستاذ علي بن خضران القرني

محمد بن صالح البليهشي

الأستاذ علي بن خضران القرني
الأستاذ علي بن خضران القرني

في يوم الأحد الثاني عشر من شهر رجب عام 1446هـ فقدت الساحة الثقافية علماً من أعلامها ورمزاً من رموزها ذلكم هو الأستاذ علي بن خضران بن عبد الرحمن القرني الذي كان صوتاً مميزاً في ساحات الثقافة والمعرفة وهو أحد رفاق الدرب الذين تشرفت بالسير معهم مع بدايات الثمانينات الهجرية من القرن الماضي حيث عشنا سويا في ظلال (المنهل) تلك المجلة الرائدة التي أنشأها أستاذ الجيل وراعي الثقافة في الحجاز مع بدايات النصف الثاني من القرن الماضي الشيخ عبد القدوس الأنصاري رحمه الله تعالى الذي فتح أبواب المنهل ومد ظلاله لذلك الجيل يوم أن كنا نحن الشباب حينها نستنشق عبير المجلات المصرية التي تأتي إلى الحجاز بعد أشهر من صدورها وتبحث عنها وتشتريها بعد أن يمزق أصحاب المكتبات أغلفتها لإخفاء تاريخها، ومع هذا كنا في الثمانينات الهجرية من القرن الماضي تتسابق إلى اقتنائها وقراءتها وما لبثنا أن وجدنا شيخنا الأنصاري يفتح أبواب المعرفة أمامنا في مجلته (المنهل) قراءة واقتناء بل ورعاية منه رحمه الله تعالى وتشجيعاً للأخذ بيد الشباب الذي يرى فيه بوادر الطموح والثقافة لينشر له في مجلته ما يبعث على الرعاية والتشجيع والمتابعة، ولذلك كانت المنهل مدرسة لنا جميعاً يتحفنا صاحبها باحتوائه لنا في ظلالها وكم كان شعور أحدنا عندما يرى تعليقاً أو دفعاً وتشجيعاً من ذلك الرجل الكبير وينشر له مقالة أو قصيدة أو قصة ولا يكتفي بالنشر بل يعلق في الهامش تعليقاً يدل على الرضا والقبول وفتح أبواب الثقافة والمعرفة أمام الجميع.

من تلك المدرسة الأنصارية كانت زمالتنا نحن ذلك الجيل ومنها كانت الزمالة والصداقة والمعرفة وبقيت معنا طيلة خمسين عاماً توثقت خلالها صداقتنا وتواصلنا ومتابعتنا لنشاطات كل منا في مجاله واتجاهه ...

وأذكر أنه في العدد الصادر في ربيع الأول عام 1386هـ رشح أستاذنا (الأنصاري) زميلنا الأستاذ علي بن خضران القرني وكيلا للمنهل في مدينة الطائف واختياره لهذه المهمة يدل على ثقته فيه واعتماده عليه وهي ثقة غبطناه عليها كما طلب منه إعداد استطلاع عن الكتاب والشعراء من شباب الطائف للمساهمة في العدد السنوي الممتاز لمجلة المنهل التي اعتادت إصداره في نهاية كل عام تنشيطاً للحركة الأدبية وللتعريف بالأدباء والشعراء في الطائف ليكون ذلك حافزاً لمضاعفة الجهد في الدرس والتحصيل ومفتاحاً لدراساتهم الأدبية، فقام زميلنا النشط بالمهمة خير قيام وقدم تعريفاً شاملاً بأربعة وعشرين أديباً وشاعراً تم نشر ذلك في عدد المنهل لشهر ذي الحجة عام 1388هـ وفي آخر استطلاع عن الأدباء الذين قدمهم للمنهل قال عن نفسه في ذلك السن المبكر وفي بدايات خطواته في دروب الثقافة والمعرفة: عنيت منذ فجر حياتي بالشؤون الأدبية مثابراً على الاطلاع وتثقيف نفسي وقد نشر إنتاجي الشعري والنثري في كثير من الصحف المحلية كجريدة المدينة والجزيرة ومجلة قريش وجريدة البلاد والخليج العربي والرائد واليمامة والندوة إضافة إلى بعض الأبواب الثابتة في بعضها وقمت بتمثيل أكثر من صحيفة ولا أزال دائب الكتابة في مجلة المنهل ما بين شعر ونثر علاوة على تمثيلي لها أدبياً في الطائف وسيصدر لي عن دار المنهل مؤلفان الأول قصة عنوانها (كفاح شاب) والأخرى ديوان شعر بعنوان آهات نفس كان هذا قبل ثمانية وخمسين عاماً.

لقد كان ذلك من زميلنا أبو خالد) مفتاحاً وبداية لذلك السفر الموسوعي الذي أصدره لاحقاً والذي وثق فيه لأدباء الطائف والتعريف بهم وقد بلغ عدد الأدباء والشعراء في أسفاره) المميز أكثر من مائة وخمسة عشر شخصية منهم عشر نساء بذل فيه جهداً يشكر عليه لأنه قد أسهم به في النهضة الثقافية التي تعيشها بلادنا وأصبح مرجعاً أدبياً يستفيد منه الباحثون والدارسون وهو دلالة واضحة من خلال استعراض أدباء مدينة واحدة على ازدهار الحركة الأدبية المعاصرة وازدهار المشهد الثقافي السعودي في حقبة زمنية تدعو إلى الإعجاب والتقدير من كل شداة الأدب في العصر الحديث.

وإلى جانب ذلك السفر الأدبي صدر للأستاذ علي القرني كتابه الذي كان في طليعة مطبوعات نادي الطائف في السنوات الأولى من التأسيس عام 1397هـ بعنوان (صور) من المجتمع والحياة وتعريفات وجيزة ببعض قرى ومناطق المملكة العربية السعودية كما صدر له كتاب قراءات عابرة ودراسات أدبية وكتاب قراءة في الأعمال الشعرية للأديب الشاعر الدكتور سعيد عطية أبو عالي.

وقد حفلت أعداد المنهل في أواخر القرن الماضي بصفحته التي تحمل خواطر نفس بيت خلالها ما يعتلج في نفسه وما يجول في خاطره من الحياة والناس وما يرى في السلوك الإنساني في مختلف مراحله وبيناته. كما رأى الأدباء في دراسته النقدية عن ديوان نهر المحبين للشاعر السعودي الدكتور سالم بن رزيق نقداً موضوعياً يدل على عمق في الثقافة وجدارة مميزة في جادة الأدب وثقافة عالية حيث رسم معالم تلك الدراسة الطويلة القوية بقوله : (الشاعر يمتاز في مسيرته الشعرية بالنزاهة والوفاء والعفة والأحاسيس المرهفة في أخيلته وعاطفته وأسلوبه ورؤاه والتزام الشاعر لم يفقده العواطف والجمالية البديعة بعيداً عن النظم الخالي من مقومات الجذب والإبداع الأخاذ ... ويضيف : (ديوان نهر المحبين يمثل أنهرا تفيض بالمعاني السامية والأحاسيس المرهفة يظل يرتوي من معينه العذب كل ظامئ يتوق إلى المعاني الحالمة والمناحي الجاذبة .... لقد ظل كاتبنا المبدع إلى جانب أدبه وإبداعه شاعراً مطبوعاً من شعراء العربية سار مع الشعر في بدايات خطواته الأولى ونظم القصائد والمقطوعات بأعذب الألحان وأغزر المعاني خاصة في قصائده التي نشرها في سيرته الذاتية في كتابه من ادباء الطائف المعاصرين).

وقد امتاز بتفاعله مع الأحداث وحبه لوطنه وقادة بلاده وفرحه بكل بادرة تطور وازدهار الموطن القداسات المملكة العربية السعودية فهو وطني منذ بدايات حياته وتعامله مع الحرف فقلمه سيال وفكره متقد وله الآراء الصائبة في المشهد الثقافي والاجتماعي والمسامرات الثقافية والصوالين الأدبية والملتقيات الفكرية وهو يرحمه الله تعالى مستمع جيد هادئ الطبع دقيق الملاحظة تلازمه ذائقته النقدية وإصغاؤه العجيب وقد ظل إلى آخر حياته وهو يتجاذب مع الأحداث ويضع بلاده وقادته في مراكز الصدارة بشخصية مميزة وأسلوب أدبي رفيع.

ويذكر زملاؤه سواء في تعليم البنات الذي وصل فيه إلى نائب مدير التعليم في الطائف أو في عمله بالنادي الأدبي في الطائف أيضا الذي ارتقى فيه إلى نائب رئيس النادي والمسؤول المالي يذكره زملاؤه بجميل الصفات ودماثة الأخلاق والحب والتواضع ومحاولة مساعدة الآخرين ما استطاع إلى ذلك سبيلا في كل عمل حل به حتى في أثناء دراسته في مكة المكرمة والرياض والطائف وأعماله في الدفاع أو العدل أو تعليم البنات وغيرها.

ولكتاباته ومناقشاته وحواراته طعم مميز وذائقة خاصة وامتاز بالوفاء لكل أصدقائه وعارفيه وقد كانت بيني وبينه منذ زمالتنا على ضفاف (المنهل) حتى آخر حياته الكثير من التواصل والحب والتقدير.

رحمه الله تعالى وأجزل له الأجر والمثوبة
وأسكنه فسيح جناته.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.