الشيخ الحافظ.. والربيع... ورسالة الوفاء

محمد بن صالح البليهشي

الشيخ الحافظ.. والربيع... ورسالة الوفاء
الشيخ الحافظ.. والربيع... ورسالة الوفاء

الشيخ محمد الحافظ والأستاذ عبد العزيز الربيع رمزان من الرموز الخالدة في سماء المدينة المنورة في منتصف القرن الهجري الماضي عاشا في ربوع المدينة ونهلا من معين مسجدها العظيم دراسة وعلماً وثقافة وصلاة وعبادة وحيا .. لهذه المدينة وكلاهما لم يرغب العيش في سواها حتى ضمهما بقيعها الفرقدي حيث دخل فيه الربيع في عام 1402 هـ والحافظ في عام 1418 هـ رحمهما الله تعالى وغفر لهما وقد تشرفت بالتلمذة على يديهما ورأيت مدى تعلق طلابهما ومحبيهما بهما وكتبت عن كل واحد منهما في سلسلة رموز في الذاكرة، وكل منهما مؤرخ وأديب وصاحب رسالة أدى الشيخ الحافظ رسالته في التدريس ثم في القضاء وأدى الربيع رسالته في التعليم والأدب ويدين الربيع للشيخ الحافظ بالأستاذية والقدوة وبعد وفاة الأستاذ الربيع حققت تراثه في ثمانية كتب صدرت عن النادي الأدبي بالمدينة المنورة...

واليوم وأنا أفتش في أوراق الأستاذ الربيع عثرت على رسالة وفاء منه رحمه الله إلى أستاذه الحافظ) مؤرخة في 1387/9/27هـ وهي مطرزة بآيات الوفاء والعرفان من طالب الأستاذ قرأتها وأعجبت بأسلوبها وما حوته من حب واعتراف وبلاغة وبيان ورأيت أنها رمز من رموز ذلك الزمان الجميل المليء بالوفاء المفعم بالولاء.. بل رأيت تلك الرسالة النموذج الأمثل للاعتراف بالجميل والتعامل السائد بين أولئك الكبار واعتبرت تلك الرسالة وقد مر عليها ستون عاماً رمزاً للوفاء بين رمزين من الرموز الخالدة التي تستحق أن تذكر وتوثق وتعتبر من رموز الأدب بكل معانيه:

قال الأستاذ الربيع في رسالته إلى أستاذه الشيخ الحافظ:

سيدي الأستاذ لا أعرف ذلك اليوم الذي لقيتك فيه لأول مرة وذلك ما أسفت له كثيرا إذ إنه يهمني حقا أن أعرفه لأنه لم يكن يوما عاديا بل كان يوما حاسما في تاريخ حياتي من المؤكد أنه لو لم ألقك لتغير سير حياتي .. صحيح أنني لا أعرف بالضبط ذلك اليوم الذي لقيتك فيه وجلست إليك مجلس التلميذ من أستاذه ولكنني أذكر تماما ذلك المكان الذي لقيتك فيه ولعلني أذكر العام الذي حدث فيه ذلك اللقاء الذي لا ينسى كنت يومها قد حفظت القرآن وتجاوزت العاشرة بقليل وكنت قد بدأت أعشق القراءة ولكنني كنت أضرب في كل اتجاه شأن الحائر الذي لا يعرف غاية ولا يهتدي إلى سبيل وجلست بين زملائي الصغار أستمع إليك ورأيت في حديثك نكهة لم أجدها في حديث غيرك من أساتذتي .. كنت تتحدث بسرعة وكانت هذه السرعة تثير تعليقات زملائي وسخرية زملائك ولكن الغريب في الأمر إنني لم أهتم مطلقا بسخرية هؤلاء أو تعليقات أولئك إذا لم أشعر بهذه السرعة فقد كنت مشدوها بما تقول مشدود الأعصاب يعلمك الذي كان يتدفق كشلال من ضياء ومرت الأيام وأنا أزداد بك تعلقا فقد كشفت لي عن منجم من الذهب الخالص لا ينفذ ولا يتناقص وكنت أنت هذا المنجم

كنت مدرسا من نوع فريد ولعلي لا أعدو الحقيقة إذا قلت أنك قد سبقت
زمانك بسنين طويلة

لقد أتيح لي أن أدرس دراسة عالية كما أنني تخصصت بعد ذلك في التربية وعلم النفس على مجموعة من كبار رجال التربية في العالم العربي وحصلت على دبلوم في التربية وعلم النفس ولكنني أستطيع أن أقرر بكل صدق وإخلاص وتجرد إنك كنت تسير بنا في تدريسك على أحدث الأساليب التي تعتبر من مفاخر هذه الأيام لا ... لم أسمع بعد أن تقدمت به الحياة بنظرية تربوية أو فكرة نفسية جديدة إلا وجدتك قد سبقت إليها عندما كنت تدرسنا في المرحلة الابتدائية كنت تحاول دائما أن تتخطى بنا الحدود أو السدود وتقفز بنا إلى آماد المستقبل لم تكن تدرس لنا المنهج المقرر رغم مدى دسامته فحسب بل كنت تدرس لنا أضعاف هذا المنهج كنت تحرص على أن تربطنا بالحياة الواسعة العريضة وعلى أن تصلنا بما يموج في هذا العالم من تيارات فكرية أو اتجاهات أدبية أو تحولات فلسفية ومع ذلك كنت تفتح أمامنا الكنوز العربية القديمة بكل مباهجها .. كنت صديقا للثقافة بمعناها الأوسع وكانت عقليتك المتفتحة على استعداد لتقبل كل ألوان الثقافة القديمة والحديثة وهضمها واستيعابها مع قدرة فائقة على النقد والفرز والتمييز والتمحيص كنت تقرض الشعر وتتذوقه وتحفظ الكثير منه وبكلمة موجزة كنت قد وصلت في عشق العلم إلى درجة الوله والقيام نموذجا من تلك النماذج التي نقرأ عنها في الكتب أبان ازدهار الحضارة الإسلامية حيث كان العالم يجيد العلوم الدينية والعربية والفلسفة والرياضية والاجتماعية وكل ما في عصره من فنون المعرفة ولم أعرف من هذه النماذج إلا أستاذك وأستاذي العلامة الشيخ أمين الطرابلسي أطال الله حياته ولكن أستاذنا العلامة كان حاد المزاج ضيق العطن سريع الغضب ولذلك لم يستطع الاستفادة منه إلا نفر قليل عرفوا طباعه ووطنوا أنفسهم على احتمال ما يصدر منه أما أنت فكنت واسع الحلم طويل الأناة قادرا على التكيف تنزل إلى مستوى تلامذتك لترتفع بهم كنت يا سيدي معلما موهوبا ولكن أهذا كل شيء؟ كلا ...

فالمعلمون الموهوبون موجودون في كل زمان ومكان ولكنك كنت بالإضافة إلى ذلك شيئا آخر كنت تمتاز بإخلاص نادر قل أن تجد له مثيلا كان تلاميذك شغلك الشاغل وكان نشر العلم هو الأمر الذي يملأ عليك أقطار نفسك كنت تدعونا إلى الدرس والمذاكرة في كل لحظات الليل والنهار وكل ما ذكرت جهودك في تعليمنا وفي نشر العرفان ذكرت صنيع العلامة (محمد بن مالك صاحب الألفية الذي كان يقف كل يوم على باب مدرسته ينادي: من يريد تعلم مسائل الفقه أو الدين؟
من يرغب في تعلم النحو أو العربية؟
ويظل ينادي فإذا وجد أحدا أدخله وعلمه وإذا لم يجد أحدا رفع رأسه إلى
السماء وقال: لقد بلغت اللهم فاشهد
كنت كريما في علمك كريما في خلقك كريما في إعارتك كتبك لمن تثق في عقله وحبه للقراءة وكنت تمتاز بالإضافة إلى كل ذلك بروح عالية ونفس نقية بيضاء فلم تحقد على أحد ولم يتسرب الحسد إلى قلبك وأنت تشاهد تلاميذك يشقون طريقهم إلى المناصب الرفيعة بل الأغرب من كل ذلك أنك لم تغضب على أولئك التلاميذ الذين مهدت لهم السبل ودفعت بهم إلى الأمام وكان جزاؤك منهم الإهمال والعقوق والإساءة كنت متجدد الثقافة بصورة تدعو إلى الدهشة لقد أتيح لي و لبعض زملائي أن أذهب في بعثة إلى خارج المملكة وعدنا بعد أن حصلنا على إجازاتنا الجامعية عدنا وغرور الشباب يملأ إهابنا وخيل إلينا أننا قد جزناك في العلم وخلفناك ورأءنا وأصبح بيننا وبينك آماد وآماد ولقيناك بذلك الغرور ولقيتنا بما عهدناه فيك من تواضع وخلق سمح وهزمت غرورنا بتواضعك بل الأفجع من ذلك أنك هزمت علمنا بعلمك لقد شعرنا أنك لم تقف كما توقفنا لقد واصلت سيرك بطاقة أقوى من طاقاتنا رغم تفرقنا للدراسة وانشغالك بمطالب الحياة وأعبائها ووجدنا أنك لا تزال مجليا في كل العلوم

سيدي الأستاذ

أعرف كم قضيت في رحاب أستاذيتك ... شيء لا يكاد يصدقه عقل لقد قضيت ثلاث سنوات فقط ولم أعرف هذه الحقيقة إلا في هذه الأيام وكنت أتصور قبل ذلك أنها سنوات طوال هي ثلاث سنوات ولكنها تعدل بثقلها وآثارها جيلين أو ثلاثة كانت سنوات حافلة بالخصب والنماء والخير فيها وضعت أسس الحياة الفكرية على قواعد من حديد كما كان يعبر أستاذنا الدكتور زكي مبارك

مرت بذهنى كل هذه الخواطر وأنا أجلس على حجر في ركن قصي من أركان البقيع أتأمل وجهك الحزين المجهود وأدقق النظر في أساريرك التي ترفض حزنا وحسرة وأسى وأنت تودع القبر أعز مخلوق لديك وأكرم إنسان عليك ذلك المخلوق الذي كانت حياته حبا غامرا يحيط بك ونورا ساطعا يضيء دربك وعزما باهرا يفتح المغلق أمامك وروحا سامرة يغمرك بالحب والعطف والحنان وذكرت مع هذه الخواطر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما صعد المنبر قال أمين ... أمين ... أمين

قيل يا رسول الله علام تؤمن؟ قال أتاني جبريل قال: يا محمد رغم أنف رجل ذكرت عنده ولم يصل عليك قل أمين فقلت أمين .. ثم قال رغم أنف رجل دخل عليه شهر رمضان ثم خرج فلم يغفر له قل آمين فقلت آمين .. ثم قال رغم أنف رجل أدرك والديه أو أحدهما ولم يدخلاه الجنة قل آمين فقلت آمين ... ذكرت ذلك وذكرت برك بهذا الإنسان برا أصبح مضرب الأمثال وأسبلت عيني وقد فاضت بالدمع ودعوت بالمغفرة وحسن المآب لمن جئنا نودعه مقره الأخير كما دعوت لك بحسن الصبر وجميل العزاء وطول البقاء يا أبا موسى ..

قارني العزيز هذه رسالة خاصة موجهة لصديق عزيز أدين له بالفضل فإذا اكتفيت بقراءتها كما في فذاك وإذا أصررت على معرفة صاحب الرسالة باعتبار أن ذلك من حقك فاعلم أن الرسالة موجهة إلى أستاذنا وصاحب الأيادي علينا... الأديب المؤرخ العلامة القاضي محمد الحافظ موسى

عبد العزيز الربيع

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.