القصواء
محمد بن صالح البليهشي

يا قوم ما كانت القصواء قاصية
يوماً وقد حملت خير النبيين
أقصته عن كل من قد كان يبغضه.
وقربته إلى خير المحبين
رحم الله الشاعر الأستاذ محمد هاشم رشيد رئيس النادي الأدبي الأسبق ذلك الرجل مرهف الحس جزل العبارة نرجسي اللفظ والتصوير الذي قال في القصواء البيتين السابقين ليلة كنا بالنادي الأدبي نتدارس إعداد محاضرة أو ندوة عن القصواء، وقال ساعتها بأنه سوف ينظم قصيدة عن ناقة المصطفى * وصفاً وحباً وإشادة وإعجاباً بخير البرية عليه الصلاة والسلام وبقصوانه التي شرفت بانتمائها إليه وحمله وحبه لها طيلة العشر سنوات التي أمضاها في طيبة الطيبة.
والقصواء رمزنا اليوم بحملها للنبي في هجرته المباركة وبصحبتها له عليه. السلام وتعلقه بها ودفاعه عنها وإطلاق قوله للآخرين (دعوها... فإنها مأمورة اكتسبت صفة ومنزلة ومكانة حباها الله تعالى إياها متفردة بها متخذة موقعاً في السيرة النبوية وفي التاريخ الإسلامي، لا يدانيها أحد على وجه الأرض لأن الأمر الموحى إليها من رب الخلائق سبحانه وتعالى والعارف به نبي الأمة الذي شرفت باعتلائه على ظهرها، والعارف به كذلك هذه الداية التي أوكل إليها. المسير واختيار موقع الشرف والإشعاع والخلود في دنيا البشر ودنيا الإسلام والمسلمين منذ مسيرها من شعاب مكة في السنة الأولى من الهجرة قاصدة طيبة الطيبة إلى قيام الساعة.
وتعود ذاكرة التاريخ بهذه (الناقة) إلى ذلك اليوم الذي أسر فيه نبي الهدى عليه الصلاة والسلام لصاحبه أبي بكر رضي الله عنه بعزمه على الهجرة بوحي من رب العزة والجلال إلى المدينة المنورة الخيرة التي اكتسبت هي الأخرى مكاناً ومكانة في التاريخ والكون بانتسابها إلى هذا النبي العظيم واختيارها منطلقاً جديداً لدعوة الإسلام الخالدة واتخاذها موطناً وإشعاعاً لدينه وتشرفها باحتضان جسده الطاهرية.
ذلك اليوم.. الذي اشترى فيه أبو بكر الصديق رضي الله عنه (القصواء) وصاحبتها بمبلغ 800 درهم من مضارب بني قشير بالجزيرة.
ذلك اليوم.. الذي اشترى عليه الصلاة والسلام القصواء من صاحبه واعتلي ظهرها ويمم نحو المدينة المنورة مهاجراً ومعه الصديق رضي الله عنه ومولاه عامر بن فهيرة لخدمتهما وعبد الله بن أرقط أو أريقط دليل تلك الرحلة المباركة... ذلك اليوم الذي دخلت القصواء فيه التاريخ من أوسع أبوابه يوم خرجت من
أسفل مكة ومرت بعسفان وخيمة أم معبد وقديد والخرار ومجاح والقاحة في طرق وعرة ومسالك مجهولة تعمية عن الطلب وسرعة في إنجاز المهمة مما أثر على صاحبتها الناقة التي يمتطيها الصديق رضي الله عنه وجعلها تقعد عن المسير ولكن القصواء سارت في مهمتها صابرة قوية متحملة المشقة وفي العرج فقدت صاحبتها ووجدت بجانبها جمل أوس بن حجر الأسلمي الذي هداه الله لإسعاف هذا الركب بهذا الجمل الذي سماه صاحبه (ابن الرداء) وأمر غلامه مسعود بن هنيدة بالمرافقة لمواصلة الرحلة حتى وصلت إلى العصبة في قباء في ديار بني عمرو بن عوف الأوسي، هنا رأت القصواء رجالاً متقلدي السيوف فرحين مرحبين بهذا القادم البشير وسارت إلى حيث مسجد قباء وبركت في موقعه ورسم الرسول حدود المسجد وفي يوم الجمعة امتطى نبي الهدى عليه الصلاة والسلام القصواء وسار يحف به خمسمائة من أخواله بني النجار من الخزرج متقلدي السيوف وصلى الجمعة في بني سالم بن عوف من الخزرج ومسك بنو سالم خطام القصواء يتقدمهم عتبان بن مالك قائلين: يا رسول الله أقم عندنا في العدد والعدة والعزة والمنعة فنحن (القواقل) من أجرناه عاش في أمن وسلام نقول له: قوقل حيث شنت ... أي أذهب حيث شنت فلا يقريه أحد، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: (خلوا سبيلها فإنها مأمورة ... وسارت القصواء نحو المدينة بين حوائطها ونخيلها ومرت بديار بني بياضة وديار بني ساعدة وكذلك ديار بني الحارث وكلهم يحيطون بالقصواء في مسيرها يمنة ويسرة ويمسكون بخطامها، هلم إلينا يا نبي الله إلى العزة والمنعة فيقول لهم: اخلوا سبيلها فإنها مأمورة ... وعندما مرت بديار بني عدي بن النجار قالوا يا رسول الله نحن أخوالك ونحن أحق بالبقاء عندنا نحن أهل العزة والمنعة فيردد مقولته لكل حي خلوا سبيلها فإنها مأمورة) وسارت القصواء ونبي الهدى عليه الصلاة والسلام على ظهرها حتى وصلت دار بني مالك بن النجار مبركت في مريد اليتيمين سهل وسهيل ابني عمرو تم وثبت والرسول صلى الله عليه وسلم عليها فسارت غير بعيد ثم التفتت خلفها فرجعت إلى مبركها الأول فبركت فيه ثم التحلحث ) وأرزمت ووضعت جرائها على الأرض أي
رقيتها ونزل عنها رسول الله وقال : هاهنا المنزل إن شاء الله .
ومن هنا تحققت مقولة المصطفى .... انها مامورة، مأمورة بالوجهة ومأمورة
بتحديد الموقع ومأمورة وهي تتلجلج وترزم) تخرج صوتاً وتضع رقبتها ورأسها على الأرض، (سبحان الله الذي أوحى إليها وهداها وحدد لها موقعاً معيناً في هذه البلدة المباركة)، وسعدت القصواء بحب النبي - لها لقوتها وسرعتها وطباعها الأصلية وبذلك الحب سماها القصواء) لأنه أقصاها عن العمل. والخدمة ولم يرسلها طوال حياته للمرعي كيفية الإبل لسمو مكانتها عنده وللظل أمام عينيه في كل وقت، ويقول بعض المؤرخين بأنها رافقت النبي - في جميع غزواته وحسينا هنا ذكر بعض محطات في حياة هذه العطية) العجيبة ففي غزوة بدر كانت بجوار العريش الذي بناه الأصحاب لنبيهم تحسباً لكل طارق اثناء المعركة، وفي غزوة الحديبية سارت القصواء في مقدمة الأصحاب. من المهاجرين والأنصار الذين زاد عددهم على 1400 متقلدي السيوف تتقدم. سبعين بدية عبر مسالك وعرة مجهولة من أجل العمرة أو بركت القصواء على مشارف الحديبية فقال الناس: إخلات القصواء..) أو (خزنت) فقال عليه الصلاة والسلام: والله ما ذاك لها يخلق ولكن حبسها دايس الفيل عن مكة) لم زجرها موتيت وسارت حتى نزل بأقصى الحديبية، وفي عمرة القضاء دخلت القصواء مكة من ثنية الحجون ورسول الله : يمثل ويكبر فوقها والمسلمون حولها متوشكي السيوف وأصواتهم تعج بالتلبية وعبد الله بن رواحة رضي الله عنه ماسك بزمامها يرتجز بشعره، وفي فتح مكة طاف المصطفى عليه الصلاة والسلام على القصواء حول الكعبة وحوله عشرة آلاف من المسلمين في منظر مهيب وعزة سامقة ودخل مكة فاتحاً ورافعاً صوته مملكاً ومخبراً على ظهرها.
ورسمت الأرض مواطئ (القصواء) في غزوات ودان والعشيرة والحناكية وبحران واحد وحمراء الأسد ودومة الجندل وحصون خيبر وحنين والطائف وهضاب حائل وسهول تبوك وغيرها من بقية المواقع التي سار إليها الرسول والقائد والنبي عليه الصلاة والسلام لنشر دين الله في الأرض، وفي حجة الوداع شرفت القصواء بسيرها ونبي الهدى عليه الصلاة والسلام عليها ملبياً وفكيراً وداعياً وحولها مائة ألف من المسلمين وامتطاها في عرفات وخطب عليها خطبته الشهيرة التي بين للناس الكثير من أمور دينهم وامتطاها في مزدلفة وفي المشعر الحرام وبقية مناسك الحج، إنها القصواء التي يقول عنها سعيد بن المسيب رضي الله عنه كانت ناقة الرسول - لا تدفع في سباق، بمعنى أنها كانت لا تسبقها ناقة أخرى، كان لونها بين البياض والسواد وأقرب إلى البياض ومكان ولادتها في مضارب بني قشير بالجزيرة.
وبعد وفاة الرسول اهتم بها الأصحاب ورؤي عليها الحزن وفقدت بصرها وربطوا على عينيها عصابة سوداء ولكنها امتنعت عن الأكل والشرب مدة شهر كامل حتى مانت في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعمرها أربعة عشر عاماً.






