النخلة ...

محمد بن صالح البليهشي

النخلة ... رمز العطاء والتميز
النخلة ... رمز العطاء والتميز

قال نبي الهدى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وهو يتهيأ للهجرة المباركة من مكة إلى المدينة في بداية الدعوة العظيمة: رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة.. يثرب)
وتحقق ما رآه عليه الصلاة والسلام وأمر أصحابه بالهجرة إلى المدينة بعد بيعة العقبة الثانية وخرجوا فرادى وجماعات إلى طيبة الطيبة في مقدمتهم الصحابي الجليل سفير الهادي البشير ( مصعب بن عمير) الذي علم الأنصار تعاليم الإسلام وأم الناس في الصلاة، وبإخلاصه وقوة عقيدته دخل الإسلام إلى كل بيت في هذه البقعة المباركة ولم يلبث المصطفى صلى الله عليه وسلم وبصحبته أبي بكر الصديق رضي الله عنه ودليله عامر بن فهيرة حتى لحقوا بالأصحاب تحفهم عناية الله وتسيرهم إرادته سبحانه وتعالى ورأى عليه السلام مدينة هجرته بلدة مشرقة بوجوده في أعاليها قرية قباء الواقعة في ديار بني عمرو بن عوف من الأوس تلك الديار التي تألقت بها أشجار النخيل وكانت عند قدومه في بدايات نضج ثمرها ورددت أرجاء قباء أصداء ذلك النشيد الخالد طلع البدر علينا...)، وسارع الأنصار إلى الاستقبال لهذا النبي الكريم، وقد دخلت الفرحة إلى قلوبهم ودورهم وذراريهم وتشرف الصحابي الجليل كلثوم بن الهدم والصحابي الآخر سعد بن الخيثمة باستضافة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، وفور نزوله في دار كلثوم بن الهدم ومرافقيه نادى ذلك الصحابي المضياف ابن الهدم على عامله قائلا: يا نجيح .. قال عليه السلام ملتفتا إلى أبي بكر أنجحت أو أنجحنا تفاؤلا بالاسم، قال كلثوم مواصلا مناداته في فرحة غامرة (أطعمنا رطبا من أم جرذان) وأم جرذان هي ما يسمى (الحلية) في الوقت الحاضر وعلى الفور وبسرعة فائقة أتى نجيح (بقنو) فيه رطب منصف وفيه (زهو) فقال الضيف الكريم ما هذا؟ قال: عذق من نخلة أم جرذان وكانت هذه النخلة (مبدارا) وهي التي ينضج ثمرها أولا، وهي كذلك أصبر من غيرها كما وصفها الصحابي الجليل نافع بن أبي نعيم فقال الهادي البشير: اللهم بارك في أم جرذان) وهو يطعم من ثمرها فكان الرطب أول (قرا) يقدم له عليه السلام وهو يطأ أرض وديار بني عمرو من عوف في اللحظات الأولى لمقدمه إليهم، ومنذ تلك الساعات التي تمايلت فيها غابات النخيل في ربوع المدينة المنورة فرحًا وبهجة بذلك القادم الكريم وعلى امتداد عشر من السنوات نالت النخلة حظها من حب المصطفى صلى الله عليه وسلم مادحًا لها وحاثا على اكتناز ثمرها ومرغبا في غرسها ونموها والاهتمام بها والاستبشار بمواقيت نضوج ثمرها، كما قال أبو هريرة رضي الله عنه: كان الناس إذا رأوا أول ثمر جاؤوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا أخذه قال:
اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا .... الحديث.
ومما ورد عنه في النخلة قوله : ( أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم.. وقوله: (لا يجوع أهل بيت عندهم التمر) وقوله: (من تصبح كل يوم سبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سم ولا سحر... إلى غير ذلك من أقواله وأفعاله وتقريراته بشأن هذه الشجرة المباركة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم في سبع وعشرين آية، ومدحها المصطفى صلى الله عليه وسلم وأثنى على ثمرها في أكثر من ثلاثة وعشرين حديثا، فالنخلة عنوان حضارة وأصالة لهذه
البلاد يجب أن لا ينسى فضلها ولا تستبدل بغيرها. لقد كتب قيصر ملك الروم إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتابا جاء فيه ... إن رسلي أتتني من قبلك فزعمت أن قبلكم شجرة ليست بخليقة لشيء تخرج مثل آذان الحمار ثم تتشقق مثل اللؤلؤ ثم تخضر فتكون مثل الزمرد الأخضر ثم تحمر فتكون كالياقوت الأحمر ثم يتفتح فينضج فيكون كأطيب فالوذج أكل ثم تيبس فتكون عصمة للمقيم وزادًا للمسافر إن تكن رسلي صدقتني فلا أرى هذه الشجرة إلا من شجر الجنة..)
فكتب له أمير المؤمنين جوابا جاء فيه: من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى قيصر ملك الروم.. إن رسلك قد صدقوك وإن هذه الشجرة عندنا هي التي أنبتها الله على مريم حين نفست بعيسى عليه السلام) وتحدث خالد بن صفوان لعبد الملك بن مروان في وصف النخلة فقال ببلاغة كبيرة يا أمير المؤمنين النخل يخرجن أسفاطا كأنما ملئت رباطا ثم يتفلقن عن قضبان الفضة منظومة باللؤلؤ الأبيض ثم تتبدل قضبان الذهب منظومة بالزمرد الأخضر ثم تصير ياقوتا أحمر وأصفر ثم تصير عسلا في شنة من سماء ليست بقربة ولا إناء حولها العذاب ودونها الحراب ولا يقربها الذباب مرفوعة عن التراب ثم تصير ذهبا في كيسة الرجال يستعان بها على العيال
والنخلة لمن تعمق في نشأتها ووجودها وعطائها شبيهة بالإنسان في جميع أطوار حياتها فهي عمتنا كما ورد عن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم تشبه الإنسان في كثير من صفاته إذ متوسط عمرها من الستين إلى الثمانين وقد تعمر إلى مئة وعشرين عاما ولها طفولة وشباب وكهولة وتحمل صغارها نفس صفات أمهاتها خضرة وثمرا وبها ذكورة وأنوثة ولا تصلح إلا بالتلقيح أو التأبير، تعطي عطاءها وتتألق بالعناية والرعاية وتمرض وقد يصيبها الجنون كما يجن بنو البشر وقد تسقط محصولها لظرف يلم بها أو تمسكه إلى حين كما يكون مع المرأة الحامل في كثير من الأحيان وإذا قطع رأسها ماتت وإذا قص جريدها تأثرت كما الإنسان إذا قطع رأسه يموت وإذا قصت أطرافه تأثر وتعثر وتتأثر بجور صاحبها عليها وإهماله لها كما المرأة في التأثر والإهمال وقلة العناية.
كما تتأثر بالغربة عن موطنها وأجوائها وقد لا تثمر في غربتها بحيث تعيش بلا هوية كما الإنسان إذا وجد بأرض وسلبت هويته وهي في موطنها تتحمل الأذى وتقاوم الأمراض وتصبر على الشدائد وقد لا تمنع عطاءها وتجاوبها مع بيئتها كذلك الإنسان يعيش في بيئته رغم صعوبة حياته ويقاوم أعاصير المشاكل ومع ذلك فهو في استجابة مع بيئته وبني قومه يؤثر فيهم ويتأثر بهم ....
وقد سررت جدًا عندما علمت بأن شركة تراث المدينة قد وضعت في برامجها الاهتمام بالنخل ونموها وزيادة كثافتها في المدينة المنورة على أوسع نطاق برعاية صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن سلطان بن عبد العزيز أمير منطقة المدينة المنورة، ولا شك في أن برنامج الاهتمام بالنخيل في طيبة الطيبة من الأعمال التي تدخل في قمة المحافظة على تراث المدينة الذي يؤصل هويتها ويحافظ على تاريخها وتراثها فهي موطن للنخيل المميز الذي أضفى عليه عبق المدينة ما جعل لمنتوجها قبولا ورغبة وروحانية خاصة بها لدى عموم المسلمين في شتى بقاع الأرض.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.