الْفِقْرة...
محمد بن صالح البليهشي

أهداني الأخ العزيز الشيخ خالد بن محمد علي بن عساف شيخ قبيلة الصميدات من الأحامدة من بني سالم من حرب كتاب لمحات من الماضي مع وثائق ابن جزاء الأحمدي الحربي والكتاب به صور عدد من الوثائق المحلية التي تمثل جوانب عديدة من حياة الماضي التي تعود لحقبة تمتد من عام 1111هـ جرى اختيارها من بين مئات الوثائق التي تمتلكها أسرة مشيخة ابن جزاء الأحمدي وتعطي نبذة عن تاريخ قبيلة حرب في هذه المنطقة للحقبة المشار إليها.
وأنا هنا لست بصدد استعراض الوثائق ولا المناسبة التي أعد الكتاب من أجلها، فلذلك حديث آخر ومناسبة قادمة ولكنني وجدت مما يحويه الكتاب وثيقة (حمى) الفقرة تلك القرية الجميلة والقلعة الحصينة والجبل الأشَم الذي كان له في يوم من الأيام أدوار بارزة في مسيرة الأحداث في تلك المنطقة يوم أن غزا محمد علي باشا بالجيش العثماني هذه الديار لإخضاعها للسلطة في إسطنبول) ويوم أن عمد قائده أو نائبه في الحجاز بحصار القبائل خاصة الأحامدة في جبل الفقرة وأخذ يبني القلاع لأعوانه لإطالة أمد الحصار والتي قال على أثرها الشاعر الأحمدي:
قولوا لعبد المطلب سيد الجميع
ما همنا جمعه ولا جمع وراه
إن كان بنيه للقلع قصده نطيع
حنا قلعنا الضلع بانيه الإله
هكذا افتخر الأحمدي بهذه الزومالة أو الحداية التي أرسلها للشريف عبد المطلب إبان حصاره للجبل الأشم (الفقرة) في منتصف القرن الثالث عشر الهجري تقريباً، لقد أخذ الشريف عبد المطلب عندما (حنق) على قبيلة الأحامدة وعزم على حصارهم من كل جهات ديرتهم الفقرة بتوجيه من السلطة العثمانية في بناء القلاع الحصينة للحصار وإشعارهم بواسطة تلك القلاع أنه سيخضعهم لامحالة وأن حريه معهم طويلة الأمد. عند ذلك بعث له الشيخ سعد بن جزاء أحد شيوخ الأحامدة هذين البيتين مع كميات كثيرة من الحبوب والتمور وكميات من الرصاص ليشعره بأن لديه ولدى قبيلته من الاكتفاء الذاتي في جبلهم الحصين ما يؤهلهم للصمود أمام الجيوش الغازية مهما طال الأمد. وقال بعض المؤرخين أن باني القلاع هو ما يسمى (الباشا القائد العثماني الذي ترأس الجيوش في ذلك العدوان ولهذا قال بعضهم في شطر البيت الأول:
خبروا الباشا ماهو بسيد للجميع
ماهمنا جمعه ولا جمع وراه ... الخ
المهم أن الرسالة بمضمونها وصلت وهي تحمل في طياتها الشجاعة والموقف الصامد وعدم الاكتراث بجموع الجيوش والقلاع وعدم الاخترات بغضبه وحنقه مهما كان، لأن القبيلة قوية والديار حصينة والاكتفاء الذاتي متوفر لديهم من المياه والحبوب والتمور والسلاح والرجال مما كان له أثره في كسر تلك الجيوش الغازية وتحطيم القلاع والحصون التي بناها الأعداء والانتصار عليهم وهزيمتهم شر هزيمة.
وفي هذا السياق وفي موقف آخر قال أحد كبار قبيلة الأحامدة وهو يستجدي قبيلته ويحثها على كسر العدوان:
بني حمد يا عزوتي يا عقب جدي
عدواننا رزوا بقطع الثابتات إن كان ماحنا عن الباطل تعدي.
عيب علينا نقلنا للمثمنات
ويردف الآخر بالقول والتأكيد بقوله:
إن كان من عدواننا حاصل تعدي
هم ظنوا إن النار مافيها حياة
والقول بالمفعول برج ما يهدي
من هاب ما ينطح صدور المجهمات
وبالفعل (فالفقرة) كما ذكر البلادي): جبل ضخم متقاد من الشمال إلى الجنوب، يبدأ قرب وادي الصفراء حيث تسيل منه روافد كبيرة في الصفراء مثل طاشا وآلاب ورحقان، ورأسه فرعة كبيرة متسعة طولها مسيرة يومين للماشي وعرضها يقرب من خمسة كيلو مترات، كانت الفقرة ولا تزال قلعة حصينة وهي مجموعة من الجبال المتصلة التي تمتاز بجوها البديع والثقاف جبالها ووديانها وكثرة خيراتها ومياهها يوم أن كانت الأمطار مستمرة والآبار مليئة والأرض خصبة تنبت من كل زوج بهيج فهي في واقعها معلم حضاري حربي حصين بجبالها الشاهقة ووعورة مداخلها وشجاعة رجالها وإحاطة العديد من قبائل حرب بها فهي في عالم الرعي موطن تربية الماشية ورعيها في سفوحها ووهادها وهي في عالم تربية النحل مركز هام من مراكز ومواطن خلايا النحل حيث يعتبر عسل (الفقرة) من أجود أنواع العسل في العالم.
وهي في عالم الزراعة واحة زراعية خصبة تنبت الزروع المختلفة والنخيل في كافة جهاتها، وقد امتاز كثير من نخيلها من عطاء ثمره طوال العام على فترات مختلفة حيث تجد في النخلة الواحدة طلعاً رطباً وطلعاً بسراً وطلعاً لا يزال في أكمامه وهذه ميزة اختصت بها هذه البقعة من العالم. إنها في سالف الأيام كانت قلعة منيفة من قلاع العزة والكرامة ولا تزال مجالاً للفخر والاعتزاز والشموخ والإباء.
فيوم أن عز الأمن وعمت الفوضى أرجاء الجزيرة قبل أن تستظل البلاد بظلال هذه الدولة العزيزة المنصورة الدولة السعودية الشامخة كانت (الفقرة) منيعة بتضاريسها وطبيعتها وخيراتها التي حباها الله سبحانه وتعالى بها مما جعل لقاطنيها من قبيلة الأحامدة من حرب قوة إلى قوتهم وسداً منيعاً في وجه الغزاة والمعتدين على مر العصور والأزمان. واليوم والبلاد تنعم بهذا الرخاء والأمن والاستقرار أصبحت (الفقرة) منتزها بجوها البديع وطبيعتها الخلابة التي تدعو إلى التفكير والإبداع، خاصة بعد أن شملتها الحضارة التي عمت أرجاء بلادنا السعيدة فها هو الطريق (الأسفلتي) الذي يصلها بالمدينة المنورة وها هي الكهرباء قد وصلت إلى قمم جبالها وها هي الاستراحات والمتنزهات قد أشرقت في جنباتها بصورة لم يسبق لها مثيل في تاريخها، ومن هنا صارت منتزه المدينة المنورة الأول الذي يشرق بجمال المنظر واعتدال الأجواء وجمال الطبيعة وعناق السحب بقمم الجبال الشاهقة.
واستقبلت (الفقرة القرية الحالمة سكان مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم بكل أطيافهم وكذلك زوار المدينة من مختلف جهات الدنيا تحت ظلال أمن دولة التوحيد والعقيدة الدولة السعودية التي نشرت الأمن والاستقرار في أرجاء البلاد من أقصاها إلى أقصاها ونالت (الفقرة) ما تستحقه من التطور والحضارة والرقي بصورة لم يسبق لها مثيل في عالم التطور والبناء والرقي والتقدم والازدهار.






