العيد قديما ... في قريتنا
محمد بن صالح البليهشي

في سلسلة رموز.. في الذاكرة التي سرت فيها شوطا للتذكير بلمحات من تاريخ شخصيات في مجتمعنا وأحداث في تاريخنا ومواقف سجلت رمالها تاريخا صادقها لبطولات ارتسمت على أرضها، رأيت أن (العيد) في قرانا في الزمن الماضي يستحق أن يدخل في خيمة رموز الذاكرة ليأخذ موقعه في هذه السلسلة تاريخا وعبرة وذكرى للأجيال اللاحقة فأقول وبالله التوفيق
في قريتنا وهي نموذج للحياة في قرى الحجاز عموما مع اختلافات بسيطة بين قرية وقرية وناحية وناحية، أذكر ونحن صغار أن إشراقات العيد تبسط أضواءها منذ بدايات الشهر الكريم، حيث يسعى رب كل أسرة لإحضار قماش ثياب العيد للرجال والأطفال والنساء والبنات قبل حلول شهر رمضان المبارك فتقوم ربة كل بيت في القرية بتفصيل خياطة الثياب لها ولزوجها وأبنائها، ومن لا تقوم بهذا العمل أو تتهاون فيه تكون (هرجة) انتقاد لها في كل بيت وقد سمعت وأنا صغير محاورة حول اختيار زوجة لأحدهم وقد ورد اسم فتاة معينة صوت ذلك الرجل معترضا وهو يقول: اتركها بنت فلانة والله ما تخيط ثوبها انتقاصا لها ومعرفة بأمها معتبرا أن تلك منقصة فيها.
المهم أن القرية تعيش الأجواء الرمضانية بنكهتها وروحانيتها، ومع الأيام الأخيرة من شهر الصوم المبارك تعيش ربات البيوت حالات استنفار لإتمام خياطة ثياب العيد ونظافة البيوت وتبخيرها ليليا وتتعدى النظافة إلى الشوارع المحيطة بكل بيت في القرية فكل ربة منزل تحرص على نظافة بيتها وكافة الشوارع المحيطة به وفي الليالي الأخيرة قرب العيد تجد شوارع كل حي من الأحياء ويسمونها (النزلة) نظيفة منسقة بفعل النساء وبناتهن ليلا، ويعمد بعضهم بما لديهم من فتوات بإقامة المراجيح) للعيد في الساحات من الحي وكل مرجيحة عبارة عن (جذعين مثبتين في الأرض من جذوع النخل متقابلين ويربط بينهما (حبل) من ليف النخل في أعلاهما متدليا إلى مسافة من الأرض بنصف دائرة في مستوى الأطفال والشباب لتحقيق رغبة الأطفال بلعبهم في العيد نهارا للأبناء وليلا للبنات. وفي ليلة انتظار خبر ليلة العيد كان الناس في القرية ينتظرون (مرسولاً من إمارة المنطقة يخبرهم بثبوت هلال العيد، وكان المرسول يكتفي بإخبار أقرب قرية بالمنطقة في كل ناحية حيث يقوم بعض أهلها بالرمى) على رؤوس الجبال إعلاما للقرى الأخرى، وكل قرية يصلها هذا الصوت الرمي) يقومون بمثله الإعلام من يليهم من قرى وهجر وبوادي وهكذا يصل الخبر ويعلم به الجميع. واذكر أنه في سنة من سنوات السبعينات الهجرية تأخر خبر الإعلام بالعيد ولم يصل إلى قريتنا إلا الساعة الحادية عشرة صباحًا، وبعد وجود جهاز الراديو) صار الخبر ينقل بواسطته وأذكر أيضا أن أحدهم اشترى (راديو وتجمع الرجال حوله لسماع خبر ثبوت العيد وكان جهاز (الراديو) عبارة عن صندوق صغير موصل ببطارية تشبه بطارية السيارة بجانبه وأذاع ذلك الراديو خبر ثبوت العيد ليلتها واعترض على الخبر وثبوته رجلان من كبار السن من الحاضرين مدعين بأن جهاز (الراديو) ليس كاملا بل هو من فئة (ربع) ولذلك فخيره غير دقيق ولا ينقل إلا ربع الخبر وأبوا أن يفطروا إلا بعد محاولات من الآخرين في ضحى ذلك اليوم.
في صباح أول أيام العيد يخرج الرجال من كل حي لأداء صلاة العيد في ساحة رملية نظيفة من الوادي بثياب العيد ذات الأكمام الطويلة ويحمل بعضهم البنادق من نوع (المقمع) و (أم فتيل) ويسمونها (المشقص) بفتح الشين وتشديد القاف متقلدي الذخيرة من البارود ونحن الأطفال نسير وراءهم في فرحة غامرة واستبشار بذلك اليوم المشرق المجيد وإذا انتهت صلاة العيد وخطبته تمت المعايدة لأهل القرية جميعهم في موقعهم وتعالت أصوات البنادق) ورددت صداها الجبال المحيطة في صورة جمالية رائعة ويوم بهيج وعاد قاطنوا كل حي إلى حيهم من طريق آخر وهم يرددون الأهازيج فرحًا وابتهاجا بالعيد ومما حفظته منها قولهم:
يا عيد يا عايد على الإسلام
سبحان من حطك علينا
سنة
كم من صبي عايدوه العام
واليوم في البيدا عوضه الجنة
وفي هذا تذكير بسنية العيد وصلاته وفرحه وترحم على من ماتوا ولم يشهدوا هذا العيد ومع الأهازيج تتعالى أصوات البنادق مع عودة كل سكان حي إلى حيهم، وتعيش القرية لحظات فرح في كل أنحائها بصوت البنادق والأهازيج، إنه العيد.
بعد وصول الرجال إلى أحيائهم (نزلهم) يعمدون إلى بيت كبير الحي أو شيخ القبيلة وعلى بابه أو في فناء داره يكثف (الرمي) ويقابلون بالترحيب والاستبشار من قبل ذلك الشيخ وأبنائه وقرابته وتساق) القهوة والشاي وبعد المعايدة في بيت الشيخ يتم تداول الرأي في توزيع (العيد حيث يعمد رب كل اسرة الى شراء ذبيحة العيد وعمل (غداء) العيد بعد صلاة الظهر فيجري التوزيع بينهم بحيث كل مجموعة يعملون عيدهم في يوم معين ثم آخرون مثلهم طيلة الثلاث الأيام للعيد ويكون بيت أحد المكلفين بتقديم غداء العيد هو مقرا لجميع سكان الحي) بتوزيع وتنظيم معين وتتبارى النساء في طبخ طعام العيد لتحظى كل واحدة بالثناء والإشادة لطبخها ونظافته وحسن إعداده.
ويخصصون وجبات (العشاء) في ليالي العيد لمن يسكنون في أطراف القرية من البادية حيث ينضمون إلى أهل القرية في الغداء ويستقبلونهم في المساء على الغشاء).
ويسري التنظيم على مجتمع النساء في أغلب الأحوال فتجد صاحبة البيت في يوم عيدها تعد صحنا مميزا للرجال، يحمله الرجل إلى البيت المتفق عليه مسبقًا والمرأة تحمل صحنا آخر الى البيت المتفق عليه لاجتماع النساء وهكذا.
وتقام الألعاب والاهازيج بعد الغداء ويكون الرقص والفرح طيلة أيام العيد للرجال في موقعهم وللنساء في موقعهن، وفي عصاري أيام العيد يجتمع بعض البواردية ببنادقهم ويضعون (إشارة) عبارة عن عظم أو حجر أبيض أو رأس خروف على بعد معين ويتبارون في إصابتها كوسيلة للتدريب والتسلية والتميز.
أما المعايدة لأهل الحي فتتم بعد خروجهم من بيت الشيخ، إذ لابد أن يقوم كل واحد بدخول بيت الآخر معايدا ومباركا بالعيد السعيد وفي أيام العيد الأخرى يجتمع أهل كل حي (نزلة) ويذهبون للحي الآخر معايدينهم بيتا بيتا بتنظيم خاص وفي الغالب يقوم بعضهم ممن لديهم بنادق بالرمي أمام كل بيت ويباركون في كل بيت باللعب في المجلس بصورة جميلة محببة تدعو إلى الصفاء والإحساس بالعيد ويقفون في صفين متقابلين مرددين القول:
عسى عيدكم ياهل العيد عايد
تعيدون للعيد وتعايدونه
من الدايرة سالمين الفقايد
ولا فيكم اللي هله يفقدونه
وأهازيج أخرى على هذا المنوال، ويعمد بعض من رزقوا بمواليد ذكور بختانهم في صباحات أيام العيد حيث يأتي (الخاتن) ممن لديهم خبرة في هذا الى بيت والد الطفل ويصعد إلى سطح الدار التي هي كبقية بيوت القرية من اللبن ومن دور واحد وفي السطح توجد (صفيحة من الحجر المستوي فيحضر الطفل ويوضع عليها أمام الخاتن ويقوم بعملية الختان بحضور والده وذويه وعند الانتهاء من العملية يرفع أحدهم صوته بقوله: (يا ساعة نوم يا ساعة الرحمن يام الوليد ابشري بسلامته فترتفع (الزغاريد) من داخل المنزل من النساء وتتعالى طلقات من البنادق احتفاء بهذه المناسبة السعيدة وسط الأهازيج والمباركة والاستبشار بسلامته من الرجال.
هذه لمحات من صور عيد قريتنا الذي جعلته عنوانا لرمزنا اليوم أردت تسجيله كمظهر لذلك الصفاء وتلك البهجة الغامرة التي كانت تعيشها قرانا وبوادينا في زمن مضى قد تختلف قليلا بين جهة وأخرى أدركت شيئا منها وسجلته للتاريخ حتى لا يطويه النسيان وتجهله الأجيال، فأين نحن اليوم من كل ذلك ؟!






