الشيخ أحمد ياسين الخياري
محمد بن صالح البليهشي

رمزنا اليوم الشيخ أحمد بن ياسين بن أحمد الخياري، من مواليد المدينة المنورة في العام الهجري 1321 هـ كان والده من علماء المسجد النبوي الشريف وله حلقة علمية به ولذلك نشأ هذا الرمز في بيت علم وأدب، حيث اتخذ والده المدينة المنورة مقراً له وساهم في التعليم والدرس بهذا المسجد العظيم وحرص على رعاية ابنه الوحيد علماً وأدبا وحسن تربية، وحفظه القرآن الكريم كاملا وهو لم يبلغ العاشرة من العمر، وعلمه أبوه القراءات والمتون وعلم النحو والصرف والفقه الشافعي واختار له كتاب الشيخ محمد خليل ثم كتاب الشيخ محمد بن سالم الحجيلي، وفي العام الهجري 1340 هـ غادر الشيخ أحمد الخياري مع والده إلى مصر للدراسة في الجامع الأزهر متضلع في مختلف العلوم العربية والشرعية وبقي هناك خمس سنوات تحصل فيها على الشهادة العالية وعاد إلى المدينة المنورة وقد نال الكثير مما كان يطمح إليه من العلوم والمعارف وحقق أمنيات والده في ذلك المجال علما وأدبًا وثقافة، وعند عودته دخل مسجد المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث ملأت نفسه وعينه بمنظر هذا المسجد العظيم الذي كانت صورته لا تغيب عن باله ووجدانه طيلة سنوات الدراسة في مصر، ولغزارة علمه وثقافته أدرج اسمه ضمن علماء المسجد النبوي الشريف، واتخذ له مكاناً فيه يعلم طلابه علم القراءات الذي أحبه وتفوق فيه، ونتيجة لتفوقه في العلوم الشرعية والعربية رآه طلاب مدرسة النجاح مدرساً فيها في العام الدراسي 1352 هـ.
ويقول معاصروه بأن الشيخ أحمد الخياري هو المؤسس الحقيقي المكتبة الحرم وقد اجتهد بتزويدها بالكتب وأحضر لها ما يزيد على 300 كتاب ومجلد من مكتبته، ولذلك صار مديراً لها لما أبدى من حماس واطلاع وحرص، وجرى تبليغه ليكون نائباً وسكرتيراً للجان تنظيم مكتبات المدينة المنورة وعندما ترك مكتبة الحرم أسندت إدارتها للشيخ عبد الرحمن الزغيبي.
وعلمت بجدارته وعلمه في حفظ القرآن الكريم وعلم القراءات مديرية المعارف صدر قرارها بإسناد إدارة المدرسة السعودية للقراءات للشيخ الخياري وما لبث أن اقترح على المديرية أن تسمى تلك المدرسة باسم (معهد القراءات فصدر أمر جلالة الملك عبد العزيز رحمه الله في عام 1369 هـ بذلك وبقي الشيخ الخياري في المعهد قرابة 10 سنوات استفاد منه عدد كبير من القراء وحفظة كتاب الله تعالى وبجانب ذلك كانت داره مدرسة للقراءات حيث يجتمع لديه طلابه مساء كل يوم لتدريسهم بنفسه علوم القراءات وذلك لمن لم يستطع الانضمام للمدرسة صباحاً.
وكان الشيخ أبو ياسين محباً للقراءة ولا تمر عليه لحظة إلا بيده كتاب، ويقول الأستاذ محمد سعید دفتردار رحمه الله بأن الشيخ الخياري وهو من معاصريه والمعجبين بدرسه وتحصيله وعلمه بأنه جميل الخط سريع الفهم وله شغف بالقراءة السريعة والفهم العميق وقد استعار منه كتاب (سلك الدرر وهو في مجلدين وأعاده بعد ستة أيام، ولا تكاد تجد كتاباً أو مجلداً في مكتبته الكبيرة إلا وتجد عليه تعليقه، وكان يقفل على نفسه باب مكتبته فلا يخرج منها إلا للصلاة، وأضاف الدفتردار رحمه الله بقوله: بأن الأستاذ الخياري أول من نادى بجمع المكتبات بالمدينة في مكان واحد تحت إشراف الدولة ونتيجة لذلك ظهرت عليه بعض العداوات من بعض ورثة أصحاب المكتبات في ذلك الوقت...
وأقول هنا بأن ما نادى به الخياري من جمع المكتبات في مكان واحد وإدارتها تحت إشراف الدولة قبل ما يقرب من 80 عاماً هو الصواب وهو ما تم تنفيذه في الوقت الحاضر بمجمع الملك عبد العزيز للمكتبات الوقفية الذي ظهر كياناً واقعاً وأسندت إدارته وتنظيمه المركز دراسات وبحوث المدينة المنورة، وهذا هو الصحيح و الأولى للمحافظة على الكتب والاستفادة منها ووجودها في مكان نظيف منظم تحت رعاية جهة رسمية تبعده عن الإهمال والعبث والضياع فرحمة الله على ذلك الجيل الذي سبق بوعيه وإدراكه عصره بعشرات السنين.
والشيخ الخياري بما عرف عنه من سعة أفق وجمال خلق وفهم ووعي اختارته شركة الطبع والنشر عضواً فيها وانتخب سكرتيراً ونائبا للرئيس ثم رئيساً لمشيخة القراء والحفاظ في المسجد النبوي الشريف.
وقد تلقى رئيس تحرير مجلة المنهل في أواخر الخمسينات من القرن الماضي خطاب رئيس طائفة القراء والحفاظ في المدينة المنورة
المرحوم الأستاذ محمد خليل الذي قال فيه:
حضرة الأستاذ الفاضل رئيس تحرير مجلة المنهل الغراء بالمدينة المنورة .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد فبناء على الأوامر الصادرة من المقام السامي بإجراء انتخاب رسمي سنوي لهيئة القراء والحفاظ بالمدينة المنورة فقد أجرينا الانتخاب في الأسبوع الماضي فاستقرت النتيجة عن الأستاذ السيد أحمد ياسين أحمد الخياري 30 صوتاً مع السكرتارية والأستاذ الشيخ حسن إبراهيم الشاعر 27 صوتاً والأستاذ الشيخ مصطفى إبراهيم الفقيه 22 صوتاً والأستاذ الشيخ حسين حسن عويضة 20 صوتاً، وعليه فقد أصبح هؤلاء الأساتذة الأربعة هم أعضاء مجلس رئاسة طائفة القراء والحفاظ بالمدينة المنورة عن هذا العام فلنشر ذلك بمجلتكم رسمياً وتقبلوا عظيم الاحترام .. تحرر في غرة رجب عام 1358 هـ.
كما اختاره المسؤولون في مجلس الأوقاف عضواً فاعلاً بالانتخاب أيضا، ودخل الشيخ الخياري إلى سجلات المحكمة الشرعية بالمدينة المنورة منتدباً للبحث في السجلات عن الأوقاف المغمورة وعهد المسجد النبوي الشريف، واختير أيضا ممثلا للأوقاف في الإشراف على ترميم المسجد ودهان أبوابه وعضواً في مشروع القرش والإسعاف الخيري، ولحبه للمدينة وحرصه على كل ما يستجد فيها عمده الشيخ الأنصاري في عام 1370 هـ ليكون مندوباً لمجلة المنهل بالمدينة وكان اختياره موفقاً لأنه كان بعيداً في طموحه قويا في تعبيره مؤمنًا بشخصيته كريمًا في عطائه وثقافته، ولذلك كله كان منزله مضافةً لكبار الحجاج والزائرين طوال العام ويقيم لهم حفلات التكريم، واكتسب بذلك أصدقاء ومحبين من مختلف أقطار العالم ويتصف الخياري رحمه الله بسرعة بديهته وجهورية صوته وعمقه اللغوي وحفظه للأحاديث النبوية وللكثير من قصائد فحول الشعراء مع معرفته بتراجمهم وعصورهم، ومن هنا نال إعجاب الأدباء والعلماء والمثقفين في عصره وقد وصفه بعضهم بأنه رحمه الله كان مكتبة
متحركة وله أكثر من خمسين كتاباً أكثرها رسائل لإيمانه بتقديم المعلومة في أقصر عبارة وأوجز معنى، حتى يضمن قراءتها كل أحد، ومن أهم تلك الكتب : أمراء المدينة وحكامها - التحفة الشماء في تاريخ العين الزرقاء - الأوائل في تاريخ المدينة - تاريخ المدينة قديما وحديثا - فتح العليم الحكيم في تجويد القرآن العظيم - النور الساطع في قراءة الإمام نافع - تعميم النفع بتبسيط القراءات السبع - حمام الحمى الحجازي - الهجرة النبوية أسبابها وخطتها وطريقها ونتائجها (..
نسيت القول بأن رمزنا اليوم الشيخ أحمد بن ياسين الخياري أسندت إليه إدارة المكتبات العامة بالمدينة المنورة في عام 1379 هـ قبل وفاته بعام، حيث وافاه الأجل المحتوم في ليلة الأربعاء السابع عشر من شهر رجب عام 1380هـ وأقيمت الصلاة عليه بالمسجد النبوي الشريف ودفن في بقيع الغرقد رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.






