الدكتور أحمد بن ناصر النعماني
محمد بن صالح البليهشي

أهداني الدكتور أحمد بن ناصر النعماني بعض كتبه التي تم إصدارها تباعاً منها محافظة رابغ.. ماض تليد وحاضر مجيد وكتاب المعجم الجغرافي لمحافظة ينبع، والمعجم الجغرافي لمحافظة بدر، وهذه الكتب جميعها يتكون كل كتاب من مجلدين بلغت صفحاتها أكثر من 3200 صفحة مزودة بصور ورسومات وإحداثيات المواقع بدقة مميزة واحتراف خاص وجهد يدل على وصول الباحث الميداني إلى كل موقع أورده في كتبه، وجهود كهذه يستحق الدكتور عليها الشكر والتقدير، لأن عملاً كهذا بهذه الكمية وبهذا الاستقصاء يتطلب العناء الكبير في المجال الميداني وفي مجال البحث والتدوين، ولا يقدر عليه إلا أولو العزم من الرجال الذين قد وضعوا في أذهانهم أن يتركوا آثاراً خالدة للأجيال اللاحقة للتعريف بالمعالم والتاريخ وجغرافية الأماكن والوقوف عليها واستنطاقها وغربلة ما حولها مما كتب في الأزمان الماضية وتقديمها طبقاً شهياً لأجيال البحث الذين سيأتون في حقب التاريخ القادمة.
وأجدها مناسبة وأنا أمام هذا الكم العظيم الذي أقدم عليه الدكتور النعماني للتعريف والبحث والاستقصاء بصورة فردية لثلاث محافظات هي رابغ وبدر وينبع، أن أعيد إلى الأذهان ما سبق أن ناديت به وكتبت عنه قبل خمسة وأربعين عاماً إلى أقسام التاريخ والجغرافيا في جامعاتنا المنتشرة في كل أرجاء الوطن أن تتبنى بل وتفرض على طلاب الماجستير والدكتوراه إعداد رسائلهم في تاريخ وجغرافية وآثار جهاتهم ومناطقهم التي ولدوا فيها وتربوا في جنباتها بصورة موثقة وبحوث مستفيضة، لأن أعمالاً كهذه عندما تتبناها كليات الاجتماعيات والآثار تكون حصيلتها بعد سنوات قليلة إشراقات مميزة لمختلف الأماكن والمواقع في كل أجزاء بلادنا الغالية في ظل نهضتنا المباركة التي ترعاها الدولة أعزها الله وتحث عليها لبيان لغات التاريخ على مستوى المكان والإنسان، وهذا يعتبر من أساسيات أهداف الجامعات في كل نواحي بلادنا العزيزة، إذ لو قامت كل جامعة بتحديد مواقع تاريخية وجغرافية في نطاق حدودها وخدماتها وكلفت طلاب الدراسات العليا بتقديم بحوث فيها تاريخاً وموقعاً وإنساناً وتراثاً وحتى الحيوانات والنباتات لأوجدت في رفوف مكتباتها حصيلة لا يستهان بها من التاريخ والجغرفة والتوثيق التي تحفظ التاريخ لأجيالنا في مستقبل الأيام.
أعود بعد هذا إلى رمزنا) اليوم الدكتور أحمد النعماني الذي أكبرت فيه هذه المهمة وأشفقت عليه من ذلك الجهد الذي بذله والمعاناة التي لاقاها لإبراز
هذه المعاجم في وقت قصير وأثرى رف المكتبة بها في صمت وتواضع وغزير علم وعمق وقد عرفته مع بداية التسعينات الهجرية من القرن الماضي يوم أن كان ضمن العاملين في البنك الزراعي) في المدينة المنورة، فهو منذ ذلك التاريخ من مداعبي الحرف ومن محبي التاريخ والأدب ومن المكافحين في الدراسة والتأهيل حيث نال الشهادة الثانوية من ثانوية أحد بالمدينة المنورة بعد دراسته الابتدائية في مدرسة ابن القيم بالأبواء وسار على الطريق حتى نال شهادة البكالوريوس) في الإدارة العامة من جامعة الملك عبد العزيز بجدة في العام الدراسي 1401هـ، وواصل جهوده وتحصيله حتى نال الماجستير والدكتوراه من أمريكا، وتنقل بخدماته العملية من مندوبية الصحة بجدة إلى وزارة الإعلام إلى البنك الزراعي وبنك التسليف وتحلية المياه المالحة بالساحل الغربي، وهو صاحب فكرة مجلة التحلية التي تصدرها المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة، وأخيراً في عام 1425هـ ألقى عصا الترحال متقاعداً ودعم نفسه بدورات خلال عمله بمعهد الإدارة والحاسبات ونظم التشغيل والإشراف الناجح والحاسب الآلي للكمبيوتر. وفي الجانب الثقافي والأدبي طبعت له أكثر من ثلاثين كتاباً في الفلسفة والتاريخ والآثار منها المعاجم المذكورة المتميزة بعمل (باركود) لكل موقع وهذا يعد جهداً مميزاً وكتاب القول اليقين لإقناع المشككين و كتاب تأمر الشيطان ضد الأديان والإنسان و كتاب دولة ورجال وتراجع في السيرة النبوية لأكثر من ثلاثة آلاف صحابي وكتاب الدر المنظوم من هدي المعصوم وغيرها، وهو فوق ذلك كاتب مميز في مختلف الصحف والمجلات، ويتعاطى الشعر العربي الفصيح ولديه بحوث وقصائد مميزة، وقد رافقته في العديد من المرات ضمن رفقة في منتدى اقتفاء أثر لمسارات ومعالم الطريق النبوي إلى بدر وطريق الهجرة النبوية وطريق القوافل من بغداد إلى مكة المكرمة، ومواقع بعض الغزوات النبوية كبدر وأحد والخندق وفتح مكة وغيرها.
وقد لاحظت فيه الآناة والتعمق والبحث المستفيض وعلو قامته بين أفراد المجموعة ثقافة واستقصاء واستشرافاً وبعد
نظر وحباً وتقديراً من كل عارفيه لثقافته وأناته وتواضعه. بقي القول بأن أبو ناصر النعماني رجل عصامي بنى نفسه وثقافته بنفسه بعد مروره بيتم أبيه وعمره ثلاث سنوات ووفاة أمه وهو في بحر العاشرة من العمر وعاش في كنف عمه وشهدت جنبات (الأبواء) القرية التاريخية طفولته وهو يرعى الغنم وفتوته وهو يغرس النخل ويزرع شتى أنواع المزروعات في قرية ملئت جنباتها بفعاليات وحقب التاريخ الإسلامي فتشعبت نفسه في مسار عقود وأزمان عمره حفظه الله تعالى بالقيم والمثل والأصالة عقيدة ومبادئ والتحف بالبحث في تاريخ الإنسان ومآثره على تلك الأرض ووصل نضجه الثقافي إلى الوقوف أمام كل معلم وأثر وجبل وثنية وجادة في تواضع جم أمامها وأمام عارفيه يستنطق ويسجل ويسخر عوالم الاتصال والإحداثيات الجديدة وهو فن تميز به واستفاد منه وأفاد. بارك الله في عمره وجهوده وجعل كل ذلك في موازين حسناته.






