المؤرخ الأستاذ أحمد أمين مرشد
محمد بن صالح البليهشي

في مساء يوم الخميس الماضي 20 رمضان عام 1446هـ غادرنا إلى دار البقاء والخلود رفيق الدرب والباحث المؤرخ الأستاذ أحمد أمين مرشد رحمه الله ذلك الرجل الذي كان رائداً في التوثيق الشفوي التاريخ المدينة المنورة ورجالاتها وأسرها .. فهو منذ بدايات عمله في المجال التربوي وهو يعشق سماع التاريخ ويسعى لتسجيله من أولئك الرجال الذين يلتقي بهم في مختلف جهات مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم وقد لاقى الكثير من المتاعب في لقاءاته تلك ولكنه أظهر صبراً وجلداً وإصراراً حتى كون له صورة صادقة أمام الذين يلتقي بهم ويخاطب كل شخصية بما يتناسب مع مفهومها وثقافتها ومن ثم يصوغ المادة التراثية أو الثقافية أو الاجتماعية صياغة تتناسب مع منهج السرد التاريخي الذي رسمه في خطته وهو يتعامل مع مادة البحث ليقدمها لقرائه مدعمة بالعفوية والصدق والوضوح ومن هنا أصدر كتابه طيبة وذكريات الأحبة) وهو سلسلة مترابطة ذات أجزاء من الأول إلى الجزء السادس حرص فيها على التاريخ والتراث من أفواه ضيوفه من سكان مدينة خير البرية عليه الصلاة والسلام وقد جعل للعادات والتقاليد والأحداث التاريخية الكبيرة والصغيرة نكهة محلاة تجعل للمادة العلمية والتاريخية قبولا من أفواه أولئك الناس الذين اختارهم للقاءاته ومحاوراته ولم ينس أثناء لقاءاته (فرع) أبواب التاريخ لهذه المدينة المقدسة الكريمة في أحقاب عاصرها أولئك الناس وحتى فئات المجتمع من مزارعين وصناع وحرفيين أعطاهم ما هو جدير بالإشادة بمهنهم والتنظيمات المحلية لحسن سير تلك المهن والأعراف التي كانت منظمة لهم والجزاءات التي كانت تفرض على المخلين بآداب المهن في ظل غياب السلطة المنظمة ...
كل تلك الجوانب لم يغفل عنها مؤرخنا رحمه الله ولذلك ترك لنا وللأجيال اللاحقة تاريخاً ناطقاً من أفواه الرجال مباشرة ولذلك كان (رمزنا) الأستاذ المحقق والمؤرخ أحمد أمين مرشد رائداً في تسجيل التاريخ الشفوي لمجتمع المدينة المنورة .. وعند صدور كتابه الجزء الأول من طيبة وذكريات الأحبة كان والده الشيخ أمين صالح مرشد قد شرف صفحاته الأولى بكلمة بليغة أشاد فيها بهذا المنجز وبارك تلك الخطوة الوفية من ابنه البار بالمدينة وأهلها حيث قال رحمه الله: طيبة .. هذا الاسم مطبوع في قلب كل مؤمن .. ومحبتها نابعة من حب من حل بها عليه الصلاة والسلام ... كيف لا وهي لبلدة التي اختارها الله له مهاجراً ومدفناً ومبعثاً وهي مأرز الإيمان ومهوى أفئدة
المؤمنين وصدق من قال:
منيتي طيبة لا أبغى سواها
فيها الحسن العمري قد تناهى
فاقت الدنيا سناء وسنا
بحبيب الله خير الخلق طه
لا أطيل الشرح أقصى منيتي
أن أراها وأرى تحت ثراها
جعلنا الله ممن يحيا فيها ويموت بها ويبعث منها إن شاء الله وتمنياتي لك أيها الابن العزيز بالتوفيق والسداد ولك مني الرضا بارك الله فيك وسدد خطاك ....
والدك: أمين صالح محمد مرشد
1413/7/5هـ
لقد سبق الأستاذ أحمد أمين مرشد غيره في هذا المجال واستحق الريادة .. وهذه الكتب التي حملت عنوان (طيبة .. وذكريات الأحبة خير شاهد على ريادته في هذا المجال وتعدى نشاطه الثقافي والتاريخي هذه العناوين إلى كتاب مميز ظهر من خلال بحوثه تحت عنوان المدينة في عيون المحبين ... وكتاب المدينة المنورة .. المكانة والتاريخ ... وكتاب أهل المدينة المنورة..) وكتاب المدينة المنورة في العهود الثلاثة..) وكتاب من تاريخ الحركة الرياضية بالمدينة المنورة..) وقدرت دارة الملك عبد العزيز جهود أبو صلاح في تدوين التاريخ الشفوي في وقت مبكر فمنحته الجائزة التقديرية في عام 1424هـ ونال جائزة تدوين التاريخ الشفهي من وزارة التربية والتعليم وكرمته العديد من الجمعيات والهيئات الثقافية في داخل المملكة العربية السعودية ...
والأستاذ أحمد مرشد تشرف بكونه أحد أبناء المدينة المنورة وقد ولد بها عام 1369هـ وتشبعت نفسه بروحانية هذه المدينة العظيمة ورعاه أبوه الشيخ أمين صالح مرشد وهو من هو في ذاكرة المدينة المنورة علماً وأدباً وفقها وورعاً ومكانة اجتماعية في المجتمع المدني في النصف الثاني من القرن الماضي ولذلك فرمزنا اليوم من أبناء طيبة الطيبة الذين تعلموا بها ولم يخرجوا منها من الولادة حتى الوفاة وتخلق بأخلاق جيل المدينة (الحبيبة) الذين ارتووا من تراثها وعبقها فأحبها وسخر جهوده لتراثها وتاريخها وخدمة ساكنيها منذ حصوله على الشهادة الجامعية من جامعة الرياض في عام 1394هـ وقد عرفته مدارس المدينة مدرساً للتاريخ وعرفه الوسط الصحفي منذ عام 1387هـ متعاونًا مع جريدتي المدينة المنورة وعكاظ ثم مديراً المكتب الجزيرة في المدينة المنورة في الفترة من 1395هـ إلى 1408هـ وتميز بمشاركاته في العديد من الموضوعات التاريخية والبحوث الجغرافية والتراجم في صفحات التراث بجريدتي المدينة والبلاد وهو محب للمناقشات ومتميز للبحوث التي تمتاز بالعمق التاريخي خاصة فيما يتعلق بتاريخ المدينة المنورة في العهود الثلاثة العثمانية -وحكومة الأشراف والمملكة العربية السعودية ... ومعظم بيوتات
المدينة مدينة له بتوثيق شيء من تاريخها من خلال لقاءاته ومقابلاته مع كبار السن فيها حيث تكونت لديه حصيلة وثائقية ظهرت في كتبه طيبة وذكريات الأحبة وبقيت جزءاً من تاريخ المدينة المنورة الاجتماعي والثقافي في القرن الرابع عشر وما سجله أولئك الناس من حصيلة تاريخ المدينة في القرون الماضية وما شهدته مدينة المختار عليه الصلاة والسلام من أحداث خلال القرن الثالث عشر من تاريخها ...
ويضاف إلى كل ذلك من جهود الرمز أحمد مرشد في التاريخ والتوثيق متحفه الذي بذل فيه جهوداً ووقتاً ومالاً منذ بدايات خطواته العملية ونماه حتى صار متحفاً شاملاً للوثائق والمقتنيات والصور التي تخص المدينة وحياتها في كل جوانب التراث والحضارة وصار المتحف مقصداً للباحثين والمحققين والمتتبعين لحقب تاريخ المدينة ورجالاتها .. وبلغ من حبه لمحتويات المتحف أن ضيق على نفسه وجعل للمتحف المكان الأرحب في مسكنه وكان شديد الاعتزاز بمقتنيات المتحف وشديد الحرص عليها وعاش طوال حياته ينمي تلك المقتنيات ويأنس ببقائه بين أروقة المتحف الشامل الذي تعب كثيراً في جمع محتوياته ...
لقد عاش أبو صلاح طوال حياته للبحث والتوثيق وترك ثروة تراثية وثقافية وبحوثاً في تاريخ المدينة المنورة خلدت اسمه في سجل الخالدين وهو مع كل هذا يسجل اعتذاره بقوله : ( وإنه بما قدمت أسأل الله التوفيق والسداد وهو جهد مقل حاولت من خلاله تقديم لمحة ولو لم تتسم بالشمولية عمن كان لهم دور في بناء المجتمع المدني وقد حاولت جاهدًا دعم ما سجلته من ذكريات وما أضفته من مواضيع بالوثائق والصور لأعطي كل ترجمة حقها من الوفاء ...
رحم الله رفيق الدرب الصديق الباحث المؤرخ الأستاذ أحمد أمين مرشد الذي وافاه الأجل المحتوم في الشهر الكريم وتمت الصلاة عليه بمسجد المصطفى صلى الله عليه وسلم فجر الجمعة الحادي والعشرين من الشهر المبارك ونال شرف دخول بقيع الغرقد في هذه المدينة العظيمة .....






