الشيخ أحمد عبد الحميد عباس
محمد بن صالح البليهشي

غادرنا مساء الأحد 1446/11/13 هـ إلى دار البقاء والخلود الشيخ والأستاذ والصديق أحمد عبد الحميد عباس وتمت الصلاة عليه بالمسجد النبوي الشريف فجر الاثنين واستقبله بقيع الغرقد بمدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم رحمه الله رحمة الأبرار وأجزل له الأجر والمثوبة وأدخله فسيح جناته.
والأستاذ الرمز أبو غسان واحد من الأصدقاء الذين تشرفت بمعرفتهم قبل 50 عاما يوم أن قابلني أمام باب السلام وبشرني بقبولي في الجامعة الإسلامية طالبا في كلية الشريعة وكان يشغل منصب سكرتير التعليم بالجامعة ومن يومها توثقت علاقتي به ورأيت منه التواضع الجم وصفاء القلب وسلامة النية والابتسامة التي لا تفارقه منذ أن كان طالبا في المعهد وبعده في الجامعة عرف عنه زملاؤه ومحبوه وأصدقاؤه أنه من أولئك النفر الذين يألفون ويؤلفون ولذلك عاش بهذا الخلق طيلة حياته لا يحسد أحدًا ولا يحقد وهو سليم النية والطوية وله القبول لدى كل من عاشره أو تعامل معه يمتاز بقربه إلى كل الناس وحبه لهم ودماثة خلقه أمام الجميع ولا نزكيه على الله سبحانه وتعالى وذلك راجع إلى تربيته في بيت علم وأدب وخلق فوالده الشيخ عبد الحميد عباس وجده أحمد بن إبراهيم عباس رحم الله الجميع ولهم السمعة الطيبة والمكانة المرموقة في المجتمع المدني.... تكررت لقاءاتنا مع الأستاذ أحمد عباس ومع أخيه إبراهيم رحمهما الله جميعا وكنا نلتقي في مسجد قباء على ضفاف المزارع وأحيانا في ساحات مزرعته (العباسية ومعنا صحبة خيرة وكثيرا ما نلتقي بوالدهم في أطراف مجلس العباسية الذي أنشأه ابتداء الشيخ أحمد إبراهيم عباس والد الشيخ عبد الحميد عباس واستمر ذلك المجلس إلى اليوم برعاية المؤسس ثم ابنه الشيخ عبد الحميد ثم الأستاذ والشيخ أحمد عبد الحميد عباس وإخوته وله قرابة مائة وخمسون عاما أو تزيد وارتاده العديد من الملوك والرؤساء والمديرون والعلماء والفقهاء واللغويون والفلاسفة فهو مجلس أدبي ثقافي علمي كان يعقد ليليًا في مزرعتهم العباسية ثم أخيرا في دار الفقيد بحي الخاتم وقد قال فيه الشيخ عبد الحميد قصيدة يصف المجلس وأهدافه ومرتاديه حفظت منها قوله :
نعم الجليس كتاب الله ندرسه
في مجلس طاب زوارا وروادا
لا لغو فيه ولا إثم ولا هذر
بل تنشد الخير إصلاحاً وإرشادا
وقد صدق في وصفه طيلة عمر المجلس وهو مجلس يتربع على قمة الثقافة ويرتوي من عبق تاريخ قباء بنسيمها ونخيلها وساقيتها وقبل ذلك وبعده بأنوار المصطفى صلى الله عليه وسلم حينما أتي مهاجرا وأضاءت بهجرته وأنواره الساحات والحيطان والأطام والمنازل وكل شيء في قباء وفي المدينة.
في مساء يوم الأحد الموافق 8 جمادى الثاني عام 1444 هـ كنت ضمن الحاضرين في رحاب المجلس بمزرعة العباسية فتشرفت بلقاء الصديق أبو غسان) ونخبة من المحبين ثم حضرت جلسة المجلس في داره في حي الخاتم بقباء وكنت قد هاتفته بإعطائي نبذة عن بدايات سيرته وحياته للكتابة عنه في سلسلة رموز.. في الذاكرة) وعند مغادرتي الجلسة ناولني ورقة صغيرة فيها لمحات عن مولده ونشأته وتعليمه قال فيها:
لقد أنعم الله علي أن ولدت في جوار مسجد قباء هذا الجوار الطيب الذي كان الأذان فيه أول ما طرق أذني وخالط أحاسيسي وكان ذلك في عام 1362 هـ ولرغبة والدي أن أنشأ في كنف المسجد النبوي الشريف انتقلنا إلى منزلنا في العنبرية وكان الوالد حريصا على إلحاقي (بالكتاب) قبل بلوغي سن الدراسة النظامية وهكذا دخلت كتاب الشيخ حامد بالعنبرية ثم التحقت بالمدرسة المنصورية في عام 1370 هـ وبعدها انتقلت إلى مدرسة قباء وحصلت منها على الشهادة الابتدائية عام 1376 هـ والتحقت بالمعهد العلمي السعودي وتخرجت منه عام 1382 هـ و بشهادة المعهد دخلت الجامعة الإسلامية وتخرجت منها بشهادة (الليسانس) في الشريعة عام 1387 . وتعينت في نفس الجامعة مشرفا على بيت الطلبة وانتقلت بعد ذلك إلى وظيفة سكرتير التعليم وتدرجت في وظائف الجامعة وفي عام 1397 هـ قدمت استقالتي لأتفرغ لأعمالي التجارية وأنشأت مؤسسة غسان التجارية).
وهناك علم من علماء المسجد النبوي الشريف الذي كان له أثر في توجيهي هو الشيخ محمد المختار الشنقيطي وكانت تربطه بالوالد علاقة وطيدة وكان يزورنا في المجلس فيفيض علينا من علمه وأدبه وكان رحمه الله موسوعة علمية وهو من الفقهاء والمؤرخين والمحدثين البارعين والشعراء المبدعين..) ...
وتسلمت الورقة وأنا عارف بمسار الأخ الصديق (أبو غسان ) وقد وضعت اسمه ضمن قائمة الرموز الذين أتشرف بالكتابة عنهم ولكنني لم أستعجل في الكتابة عنه ولم أعلم أن مغادرته لهذه الدنيا قريبة وسريعة حتى فوجئت بخبر وفاته في صباح الاثنين الذين صلى فيه جموع المسلمين في المسجد النبوي الشريف على هذا العلم و تحققت أمنيته بدخول بقيع الغرقد المبارك بجوار والده المتوفى عام 1408 هـ وجده المتوفى عام 1337 هـ فسبحان الله وبحمده وله الحكمة البالغة وكل شيء عنده بمقدار ونسأل الله لهم الرحمة والمغفرة .....
بقي القول بأن أبا غسان الرمز صاحب القلب الطيب والنفس الرضية واحد من أبناء المدينة الذين امتازوا ببذل المعروف والإحسان ولين الجانب والتواضع ويذكر زملاؤه في العمل بالجامعة ويوم ان اختير عضوا في مجلس المنطقة وفي الجمعية الخيرية للخدمات الاجتماعية وفي الغرفة التجارية الصناعية بالمدينة المنورة وفي كافة ما قام به من أعمال في الحياة الاجتماعية وكذلك أصدقاؤه وزملاؤه ومحبوه.. يذكرون له أريحيته المميزة وحبه الصادق لهذه المدينة العظيمة وتعاطفه مع مواطنيها كما أن المجتمع المدني على وجه العموم لن ينسى للرمز) أحمد عباس مساهماته في كل عمل خيري يحقق السعادة أو يخفف من مصاب أو يفرج عن مكروب... كما أن جهوده في مسار مجلس والده وجده مجلس العباسية سوف لن ينساه المريدون والعارفون والمحبون وسوف يقوم أبناؤه وإخوانه بإضاءة ودعم مسار مجلس العباسية العريق بإذن الله تعالى وسوف يكتبون على واجهاته قول الشاعر زهير بن أبي سلمى
نبني كما كانت أوائلنا تبني
وتفعل مثل ما فعلوا






