الشيخ أحمد الفيض آبادي ومدرسة العلوم الشرعية

محمد بن صالح البليهشي

الشيخ أحمد الفيض آبادي ومدرسة العلوم الشرعية
الشيخ أحمد الفيض آبادي ومدرسة العلوم الشرعية

الرمز الشيخ أحمد الفيض آبادي عرفه مجتمع المدينة المنورة في بداية القرن الرابع عشر الهجري عندما أتت أسرته مهاجرة إلى هذه المدينة الطيبة في عام 1316هـ وكان السيد أحمد في بداية العقد الثالث من عمره وكان والده قد عاد بأسرته جميعها حياً في المدينة ورغبة في الحياة بها بعد أن هاجر جده السيد نور الحق مع من هاجر إلى الهند في القرن الخامس الهجري أثناء فتوحات السلاطين الغزنويين لها ..

كان الشاب الفيض أبادي يوم أن أتى مع والده إلى المدينة المنورة قد تخرج من مدرسة (ديونيد) الجامعة حيث أتى وهو يتقن الكتابة بخطوط النسخ والرقعة والفارسي كما أنه حفظ القرآن الكريم وأتقن الكثير من المعارف الإسلامية كالحديث والتفسير والفقه وعلوم اللغة العربية ويجيد
اللغة الأردية والفارسية...

وعندما أتى السيد أحمد إلى المدينة المنورة شاهد حلقات في المسجد النبوي الشريف وكان المدرسون في هذه الحلقات من العلماء الأجلاء الذين قد حددوا لتدريسهم تخصصات حسب رغبتهم وما يتقنون فهمه فتنقل بين تلك الحلقات تنقل طالب العلم الذي يرغب أن يمسك كل علم منه بطرف وتطلع إلى إنشاء مدرسة بجوار هذا المسجد العظيم تكون لها استقلاليتها وتدرس مختلف العلوم بها...

كانت الفكرة تراوده طيلة أربع سنوات مكثها في المدينة المنورة وعاد بعدها إلى الهند حيث رأى أنه بحاجة إلى الاستزادة من العلم على يد الشيخ أحمد الكنكوهي وبقي هناك في دراسته لمدة عامين حيث أجاد علوم اللغة العربية والشريعة وتمكن في دراسات جانبية من إتقان اللغات الفارسية والأردية ومبادئ في اللغة التركية والانجليزية...

وعاد إلى المدينة المنورة وهو أكثر طموحاً لإنشاء المدرسة التي تخيل وجودها والتي رأى تسميتها باسم (مدرسة العلوم الشرعية) وقدم طلباً إلى الحكومة التركية بافتتاح المدرسة وقوبل طلبه بالرفض ...

وأتت أحداث الحرب وصار الشيخ أحمد الفيض آبادي ممن تم ترحيلهم إلى تركيا وعاد ثانية بعد ذلك حيث نفذ رغبته وتم افتتاح المدرسة لخدمة العلم في مختلف فروعه وحفظ القرآن الكريم وعلوم الصحاح الستة إلى جانب تعلم بعض الحرف لمن يرغب من الطلاب ...

وحتى تسير المدرسة سيرها الذي يرضي طموح المؤسس كانت هناك عقبات في قيام هذه المدرسة واختيار المدرسين بها خاصة وأنها قد قامت في وقت شحيح الموارد والمدارس القائمة لا تزيد عن أصابع اليد
في عددها...

ورأى المؤسس يرحمه الله حلقة الشيخ محمد الطيب الأنصاري وغزارة علمه في المسجد النبوي الشريف فاقنعه بالانضمام للمدرسة والإشراف على المدرسين فيها وتألقت مدرسة العلوم الشرعية في الأعوام من 1339هـ إلى عام
....1342هـ

ولكن سرت الوشايات والتهم حولها باعتبارها تدرس الفقه وأصوله والحديث وشروحاتها وتركز على العقيدة الصحيحة وعلى إثر زيارة المسؤول عن الإشراف على التعليم لها وفي وسط الاضطرابات والتخبط للحياة السياسية في أواخر العهد الشريفي صدر الأمر بإغلاق المدرسة نهائياً

بدأ الشيخ أحمد مساعيه ثانية حتى صدر الإذن في 1343هـ باستمرار المدرسة فعادت إلى سابق عهدها واختير مدرسوها وهيئاتها الإدارية تحت إدارة المؤسس وتنظيمه...

ومع دخول المدينة المنورة تحت مظلة الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله تعالى في عام 1344هـ سعى مؤسسها الشيخ أحمد الفيض آبادي إلى الحصول على موافقة جلالة. الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله ووضع لها نظاماً داخلياً محكماً وافق عليه جلالته يرحمه الله .

وبدأت المدرسة عهداً جديداً في حياتها بكل ثقة واقتدار وبدأ المؤسس يركز الدعائم للمدرسة الفنية والإدارية لتقوم بدورها الذي يتطلع إليه وسارت تؤدي رسالتها وأقبل الطلاب عليها وما أن انتهت سنوات العقد الرابع وبدأ سنوات العقد الخامس من القرن الماضي حتى رأى المؤسس الشيخ أحمد فيض آبادي ثمار غرسه من خريجي هذه المدرسة وهم على كفاءة ومقدرة من الدراية والثقافة والعلم الإدارة ومن أشهر الخريجين في حياة المؤسس
(عبد القدوس الأنصاري وعبد الله بن الشيخ المحمود ومحمد المختار الكتني وأبوبكر محمد الشوقي والشيخ محمد الحافظ موسى ومحمد عمر توفيق وعبد المجيد حسن الجبرتي وحبيب محمود أحمد ومحمد التهامي وأحمد بوشناق وحسن حسن كاتب وعبد الغفور قاسم وأحمد رضا جوجو وأحمد عمار الجزائري ومحمد بشير السناري ومحمد إسماعيل القارئ وعبد العلي البخاري وإبراهيم السناري وياسين الأديب المصري ومحمد أحمد التكينة ومحمد عبد القادر عنبر وعمر عسيلان ويوسف إبراهيم ومحمد شريف البخاري وإبراهيم المدارسي وعبد الحكيم السندي ومحمد السندي وإبراهيم عمر الفلاتي وغيرهم....

هذا وقد بلغ عدد خريجي القسم العالي منذ تأسيس المدرسة حتى وفاة المؤسس 32 خريجاً القسم الابتدائي 63 طالباً وعدد خريجي شعبة حفظ
القرآن الكريم 187 حافظاً ...

ويوم أن توفي المؤسس بلغ عدد طلاب المدرسة 600 طالباً وعدد المدرسين 40 مدرساً وصارت مدرسته بمثابة جامعة في ذلك الوقت وكانت محل تقدير من المسؤولين في مديرية المعارف يومها ومحل تشجيع من أهالي وعلماء المدينة المنورة ومسؤوليها كذلك...

كما حظيت المدرسة بزيارة كبار زوار المدينة المنورة من كافة أقطار العالم الإسلامي.. لقد رآها وهو يودع الدنيا في يوم الأربعاء العاشر من شهر شوال من عام 1358هـ بمدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم كياناً شامخاً يردد سيرته يرحمه الله تعالى ويُحدث الأجيال في هذه المدرسة المباركة عن جهود ذلك العالم الجليل وتضحياته ومعاناته من أجل تحقيق أمنياته وتطلعاته وهو في عهود الصبا والشباب بعودته إلى المدينة المنورة أولاً والوفاة بها ثانياً وترك أثراً له فيها تجري حسناته ويعم نفعه وتتوالى بواسطته الرحمات عليه ثالثاً ..

وكلها أمنيات حققها الله تعالى لذلك الرجل الكبير وتختم بالرابعة وهي أن يكون بقيع الغرقد آخر المطاف له في هذه الدنيا ليكون مع الخالدين في سماء هذه المدينة المقدسة حيث وافاه الأجل المحتوم في شهر شوال عام 1359هـ رحم الله الشيخ والمحسن الكبير رجل التربية والتعليم السيد أحمد الفيض آبادي وأجزل له المثوبة والأجر

وبعد وفاته تولى السيد حبيب محمود أحمد الإشراف عليها حتى وفاته يرحمه الله تعالى وسارت المدرسة تؤدي رسالتها التربوية وأشرفت وزارة التعليم عليها ولا زالت المدرسة قائمة وتعد معلماً من معالم الثقافة بهذه المدينة المقدسة وهي مصدر من مصادر تاريخ المدينة المنورة في القرن الرابع عشر الهجري ومصدر هام من مصادر
بدايات التعليم فيها ....

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.