الأستاذ عبد السلام هاشم حافظ
محمد بن صالح البليهشي

فقدت الساحة الأدبية في العام الهجري 1415هـ واحداً من أعمدتها الكبار لدينا الذين تركوا لهم بصمات واضحة في دنيا الثقافة والأدب من خلال ذلك
العطاء الجم والإصرار والعزيمة وقوة الإرادة وتحدي الظروف الصعبة... إنه الشاعر والكاتب والروائي والقاص الأستاذ عبد السلام هاشم حافظ الذي كتب تاريخه في الصخر وحقق لنفسه علواً وبقاء بما ترك من آثار أدبية في ساحة الثقافة والعلوم ...
ولقد أعطى الأستاذ عبد السلام هاشم حافظ عطاء ثراً وطرق أبواباً عدة في دنيا الثقافة وعاش حياته كلها في تعامل مع الكلمة والحرف وأصدر العديد من الدواوين الشعرية والبحوث التاريخية والروايات الهادفة والقصص الجميلة .. لم تحل بينه وبين سيره في دروب الحياة الأدبية تلك الآلام المبرحة التي لازمته منذ نعومة أظفاره وحتى نهاية عمره.. بل على الرغم مما تركه الألم والمرض من آثار في جسمه ونفسه إلا أنه ظل صامداً يتحدى المرض نصف قرن من الزمان أو يزيد يحمل براعته ويعيش معه في أفراحه وأتراحه حتى أثبت وجوده ورسخ أقدامه كعلم بارز رغم كل الصعاب والعقبات.
وفي يقيني بأن أي كاتب أو أديب آخر لو قدر له من الظروف الصحية والنفسية ما قدر على الأستاذ عبد السلام حافظ لانهارت قواه وتحطمت
نفسيته ولنزوى في ركن مظلم لا يحس به أحد ولا يفقده الآخرون ... وقد كان الأستاذ عبد السلام هاشم حافظ رجلاً عصامياً بكل ما تعني هذه الكلمة فهو عصامي في حياته الخاصة وعصامي في حياته الأدبية والثقافية وعصامي مع نفسه وذويه آمن بقدره وأوجد له خلوداً بما ترك في ساحة الثقافة من إرث لا يقتصر على أبنائه بل يشمل جميع الناس
الذين يستظلون بالثقافة وينشدون دروبها المختلفة ...
وقد كنت ولا أزال من المعجبين بعصامية ذلك الرجل وطول باعه وقوة إرادته وعزيمته الصادقة وبنائه لثقافته بناء تحدى بها غيره ممن أتيحت لهم الظروف ونالوا بها الشهادات .. بل وظل إلى آخر حياته وهو على سريره في مرضه الذي منع حركته يعيش قلبه مع شؤون وشجون الثقافة والأدب وما يستجد بهما ...
كان رحمه الله تعالى يحمل هم الثقافة والمعرفة وكان دائم الحضور في أسرة الوادي المبارك ثم في لقاءات واجتماعات ومحاضرات النادي الأدبي بالمدينة المنورة وقد شرفت بمرافقة الأديب الأستاذ عبد العزيز الربيع رحمه الله تعالى في زياراته المتكررة لذلك الرمز الأستاذ عبد السلام هاشم حافظ فكان دائم الابتسامة مشرق الوجه رغم ما يعانيه من آثار مرضه ولكنه لا ينفك عن قراءة كتاب ولا يمل من الاطلاع على الصحف وما يكتب فيها وقبل أن أتشرف بمعرفته كنت أقرأ له على صفحات المنهل حيث كانت له كتابات يجلها رئيس التحرير وصاحب المجلة الشيخ عبد القدوس الأنصاري حيث اعتبره القلم السيال عن المدينة وما يستجد بها وكان حريصاً على تزويد المجلة بكل أخبارها ومشاريعها ...
لقب نفسه بأديب الحجاز وأقره عليه
الكثير من الكتاب والأدباء فهو متعدد المواهب حمل لواء التطوير في الأدب العربي وتألقت الأصالة الدينية في نفسه من خلال مبارزته لاتجاهات أولئك النفر من الكتاب والأدباء الذين ساروا خلف الأفكار المنحرفة والمغرضة ونحو اتجاهه الديني الأصيل ببحثه القيم (سيرة نبي الهدى والرحمة الذي فاز بالجائزة الخامسة لرابطة العالم الإسلامي وأعقبه بديوان (كلمات حب إلى المدينة المنورة وتعددت بحوثه وكتبه فبرزت عناوين كثيرة لإنتاجه الثقافي والأدبي ومن تلك العذراء السجينة ومذابح الأشواق وسمراء الحجاز وقلوب كليمة وفاطمة وقصص أخرى وراهب الفكر وكيف تكون إنساناً مثالياً وآل سعود والعصر الذهبي وصواريخ ضد الظلم والاستعمار ووراء القضبان والمدينة المنورة في التاريخ وغير هذه العناوين كثير مما صدر له يرحمه الله تعالى بحثاً وقصة وديواناً ونفثات قلب
وأحاسيس ومشاعر كقوله :
وتهت كأعمى أسير الظلام ... تمرد قائده في الزحام نهاري بكاء وليلي ظلام ... وحبي تجرع كأس الحمام
وقوله وهو في فترة العلاج بمصر :
وطني هنا وهناك في أرض الحجاز سماؤه ومطالعه
جنت الكنانة والرجا أن تستجم وتستل روائعه
متطيباً ومكافحاً والعلم غايات تسود مطامعه
جسمي هنا ولكن روحي بالمدينة داره ومضاجعه
وفي هذا ترى المعاناة التي عاشها أديب الحجاز ولكنه تمرد عليها وله قصائد في غاية الجمال والإبداع وله أفكار وتوجهات بناءة لبناء قاعدة الأدب العربي فهو طوال حياته عاش مع مستجدات الأدب والثقافة وله ركائز قوية في اللغة والأدب اكتسبها من خلال جهده الذاتي وقوة دراسته في مراحله الأولى .. وقد عثرت على نبذة بسيطة عن بداياته بخط يده عام 1399هـ قال فيها :
ولدت بالمدينة المنورة عام 1347هـ وكانت النشأة والتعليم حتى التخرج من الابتدائية نظام قديم بما يعادل الثانوية في هذا العهد .. بدأت أقرأ واكتب في معظم الفنون الأدبية ولعل الإصابة بالقلب سببت في اعتزالي للتزود من مناهل الأدب المختلفة والإنتاج حتى أصبح الأدب هو الشغل الشاغل لكاتب هذه السطور وقد بلغ إنتاجي الشعري عشرين ديواناً .. لم أعمل في الدولة أكثر من سبع سنوات لأحصل بعدها على التقاعد وبقيت في مصر عدة سنوات بعد إجراء جراحة تصحيحية لحالة القلب .. كنت اتردد على مجتمعات وندوات الأدب هنا ثم هناك حيث كنا مع إخوان القلم تكون ترابطاً أدبياً في أسبوعيات وندوات ... حتى جرى تأسيس الأندية الأدبية من
قبل الدولة منشطت حركة النشر ووسائل الثقافة
التزمت العمل الأدبي بالجهد الشخصي والشغف بالاطلاع والقراءة الواعية المثابرة على التزود بالدراسة الخاصة من كتب التراث في الفنون الأدبية المختلفة والانهماك المتصل في القراءة والكتابة حتى أصبح اشتغالي
بالأدب رسالة ومسؤولية .. انتهى...
وأضيف هنا بأن أبو طاهر الأستاذ الأديب عبد السلام هاشم حافظ ينتمي إلى أسرة عريقة كريمة من أسر المدينة المنورة هي أسرة آل حافظ) بيت علم وأدب وثقافة توفي والده وهو لم يكمل عامه الأول وكفله عمه السيد عبد القادر حافظ وربته أمه رحمها الله تعالى وقد لازمه شلل الأطفال ومرض القلب منذ طفولته فتجرع مرارة الآلام منذ صباه ولكنه كما قلت سابقاً تمرد على ظروفه وكون نفسه بعصامية وصبر وجلد حتى صار من الأعلام المرموقة في دنيا الثقافة والأدب وأثبت وجوده رغم ظروفه الصحية الصعبة وقد بلغ إنتاجه الأدبي أكثر من واحد وثلاثين كتاباً مطبوعاً بين النظم والنثر ...
وجرى تكريمه في كثير من المحافل الأدبية والأندية الثقافية وكرمته وزارة المعارف بجائزة الوزارة عن كتابه الإمام ابن تيمية عام 1385هـ ونال الميدالية الفضية من لجنة الشعراء العالميين في لندن عام 1394هـ وحظي بالجائزة الخامسة على مستوى العالم الإسلامي في التأليف عن السيرة النبوية وكتابه سيرة نبي الهدى والرحمة ... ومنحه نادي الطائف الأدبي الجائزة الأولى في المسابقة الشعرية للنادي عام 1398هـ وفي عام 1415هـ غادر (الرمز) الأديب الشاعر الفريد والطائر الجريح دنيانا الفانية إلى دار البقاء والخلود وصلت عليه جموع المصلين بالمسجد النبوي الشريف ودفن في بقيع الغرقد رحمه الله وأجزل له الأجر والمثوبة وترجو الله سبحانه وتعالى أن يجعل ما أصابه من عناء ومرض كفارة له ونعيم في ظلال جنة الفردوس مع النبيين والصديقين والشهداء والصابرين إنه على ذلك قدير وهو السميع البصير...






