الأستاذ الدكتور / عبد الرزاق الصاعدي
محمد بن صالح البليهشي

أهداني (البروفيسور) عبد الرزاق بن فراج بن دخيل الترجمي الصاعدي العوفي المسروحي الحربي مجموعة من كتبه وأبحاثه التي ألفها في اللغة العربية والتاريخ والأنساب والأماكن وبعض المختارات الشعرية من التراث القديم التي سار فيها مسيرة الحماسة لأبي تمام ومفضليات الضبي وسماها (حسو الطير) وغير ذلك من الإنتاج الغزير لهذا الأستاذ القامة اللغوية المميزة.
اطلعت على بعض ما قدمه لي - حفظه الله تعالى من ذلك الإنتاج الغزير والعميق فرأيت عجباً من الأصالة في البحث والعمق في التأصيل والحياة بين فنون اللغة العربية وآدابها والتاريخ والأنساب، وقبل الخوض في إنتاج الصاعدي اللغوي والأدبي والتاريخي والفلسفي نقول بأن أخلص) التراجمة تلك القرية التاريخية الشهيرة بين جبلي ورقان وقدس هي موطن آبائه وأجداده وهذه من جنبات وادي العقيق الشهير التي ترفده بسيولها من الجهة الغربية أما هو فقد عاش في مكة المكرمة التي نشأ في ضواحيها طفلا مع أسرته ثم استقر والده في جدة في مراحل التعليم المختلفة حتى الجامعة حيث حصل على البكالوريوس من قسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة الملك عبد العزيز بتقدير امتياز.
ومن خلال استقرائي لبدايات غرس بذور شغفه بالقراءة والاطلاع لمحت آثار المنفلوطي والعقاد - رحمهما الله تعالى - تكون إنتاجه الفكري، كما أن أسلوب البداية والنهاية لابن كثير وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد آثار بينة في طرحه الفكري على وجه العموم، وهذا ما أثر عليه في اتجاهه في دراساته العليا للماجستير والدكتوراه، حيث كانت في (اللغويات بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة التي درس بها المرحلة العليا معيداً حتى نال شهادتها بامتياز ووجد في أجواء الجامعة الإسلامية، ما جعله يرتقي من أستاذ مساعد حتى حصل على درجة الأستاذية بروفيسور)، ومر في عمله بجملة من الأعمال الإدارية وبرع في فهمه وذكائه وإخلاصه وفطنته حتى صار عميدا للدراسات العليا التي تولاها مرتين في فترات مختلفة وتولى عمادة كلية اللغة العربية كما أسندت إليه وكالة الجامعة للدراسات العليا والبحث العلمي.
لقد وجدت الجامعة الإسلامية في الدكتور عبد الرزاق الصاعدي الشخصية اللغوية المؤثرة التي لا تنظر للسطحيات والأساليب الدعائية المؤقتة، بل وجدت فيه العمق اللغوي والبحث في منابت اللغة العربية بدقة متناهية وأسلوب رفيع مميز، ولذلك كان لهذه الشخصية الأثر الكبير في تقديم مجمع اللغة العربية الافتراضي ومشروعه العلمي الفريد الفوائت الظنية)، وجمع من ألفاظ اللهجات التي لم تدون في المعاجم القديمة، وأكد تحقيق الشروط المطلوبة فيها وأوصلها إلى 4000 كلمة وتم نشرها في مجلدين واستقبل اللغويون اقتراحه بالقبول لحرف القيف ) وهو النطق اللهجي الشائع : الحرف القاف وحروف الزيادة المتحجرة وبلاد المنبع اللغوي، كما قدم اقتراحه اللغوي وهو لفظ يوم حاد وشاء منحوت من اليوم الحادي عشر من محرم ليجانس يوم تاسوعاء
وعاشوراء، واقتراحه الآخر وهو مشروع (معجم
اللغة العربية الشامل) لينجزه طلاب الدكتوراة
في رسائل عديدة، كل ذلك وغيره يدل على
عمق ثقافة الدكتور عبد الرزاق وتمكنه من
اللغة وأصولها ولا غرابة في ذلك، بل هي
محصلته الثقافية وملكته التي اكتسبها :
من أصوله العربية الموغلة في القدم. لقد كانت قريش ترسل أبناءها في يفاعة طفولتهم إلى البادية لاكتساب مميزاتها لغة وفصاحة وشظف عيش وحياة، ومن هنا اكتسب الصاعدي العمق الثقافي من دراساته والتأصيل اللغوي والحب لهذه اللغة العربية من بداوته كلمة وأسلوبا وتجذيراً وتشطيراً وصار مرجعاً مهماً للغة العربية في
بلادنا، فهو عالم فذ في تخصصه يرشد طلابه إلى أدبيات
البحث العلمي ويقترح لهم الموضوعات الصالحة للأطروحات الدراسات الماجستير والدكتوراه ويذكر طلابه ذلك له بالكثير من التجلة والاحترام والتقدير، حيث أشرف على أكثر من ثلاثين رسالة دكتوراه وماجستير وناقش عدداً من الرسائل العلمية وشارك في تحكيم أكثر من مائة بحث من البحوث المنشورة في المجلات العلمية المحكمة.
وإلى جانب اللغة العربية وما ألف فيها من كتب على مستوى تأصيل الكلمة العربية ومناقشة أساليبها وإضاءاتها في كتب عديدة وبحوث ودراسات يصعب حصرها يؤكد طلابه وقارنوا كتبه أن أسلوبه هو السهل الممتنع وهو أسلوب (العقاد) أدباً وثقافة وطرحاً ومناقشة وفهماً وعمقا.
ومن جانب آخر وخلال اطلاعي على بعض إنتاج الدكتور أبو عامر الصاعدي الثقافي، رأيت أن للجانب التاريخي هوى في ذائقته، ولمست أثر الصلة العلمية بينه وبين الشيخ حمد الجاسر رحمه الله تعالى الذي تفرس فيه بوادر البحث العلمي الجاد منذ خطواته الأولى في عالم الكتابة والتاريخ يوم أن استقبل بعض بحوثه ورحب بها ونشرها في مجلة (العرب)، وكذلك الشيخ عاتق البلادي الذي رأى في خطواته ملامح البحث التاريخي في التاريخ والأنساب ما جعله يُشيد
به ويحثه على ذلك النهج.
وقد تأكد لدي، أن الدكتور عبد الرزاق الصاعدي ليس لغوياً وأديباً فحسب، بل هو مؤرخ ونسابة أيضاً، وقد اطلعت على كتب له في التاريخ والأنساب، منها كتابه معجم ما ألف في تاريخ المدينة المنورة، وكتاب الصاعديات الذي يتضمن جملة الأبحاث للأحلاف في القبائل العربية، وكذلك كتب التحرير والإنباء عن بني عوف أهل قباء، ونهاية الإيجاز في إثبات سكنى قبائل الأنصار، في بادية الحجاز وعرام السلمي ابن الحجاز العارف بمواضعه وسكانه، والأنساب وفنون الأدب الثمانية، ونسب آل خليفة من التراجمة من الصواعد. وقد رأيت أن كتاباته وأبحاثه التاريخية تنطلق من الشهرة والاستفاضة ثم يعرج على النقل والعقل بميزان خاص لديه مدعم بالأدلة والبراهين بعيدا عن الأساليب الإنشائية والاستنتاجات الوهمية فالكلمة لديه لا يضعها إلا في مكانها التي تعطي من خلاله مدلولها فقط.
وهو يؤكد على الباحثين وكتاب التاريخ بأن يكون الباحث والكاتب فطنا وأن يستعين بأدوات البحث كلها، ومن لم تكن لديه تلك الأدوات عليه ألا يخوض فيما لا علم له به حتى لا يُعرض نفسه للوم والضحالة والاستهزاء.
ومن خلال اطلاعي على بعض مسارات هذا العلم، وهذا الرمز الثقافي البروفسور) عبد الرزاق الصاعدي، رأيت أنه يتربع على قمة لغة الضاد علماً وأدباً ونطقاً وفهماً ووعيا.
وهو عالم باللغويات وأصول الكلمات، وهو مرجع مهم في اللغة ببلادنا وعالم في تخصصه ويزهو به مقعده بين أساطين اللغة والتاريخ في بلادنا والعالم العربي، كما أن مؤتمرات ومجمعات العربية لغة وتاريخاً وفلسفة لا تستغني عن ثقافته الرصينة وعلمه العميق بالكلمة العربية أصلاً ومخرجاً ومعنى وحدساً وبلاغة فهو عالم لغوي من رأسه إلى أخمص قدميه ولا أدري ما الذي يحول بينه وبين عضويات مجمعات اللغة العربية في مختلف أرجاء العالم؟
فهو قامة يفتخر بها وقدرة يستفاد منها، وهو عراب اللغة العربية الباحث القدير في أصولها وهو غربال من غرابيل التاريخ.






