الشاعر والأديب عبد الرحمن سليمان رفه
محمد بن صالح البليهشي

في التسعينات الهجرية من القرن الماضي وعند انضمامي إلى أسرة الوادي المبارك التي تحولت فيما بعد إلى نادي المدينة المنورة الأدبي في عام 1395هـ عند إنشائه، أي قبل أن يعرف النادي بسنتين، كان لقاني بأسرة الوادي المبارك التي دعاني إليها رئيسها في ذلك الوقت الأستاذ الأديب الناقد عبد العزيز الربيع رحمه الله تعالى، وجدتها في ذلك الوقت تعقد في داره بالعوالي وعلمت فيما بعد بأن اجتماع تلك الأسرة الأدبية كانت تعقد اجتماعاتها الأسبوعية في العديد من دور أعضائها ووجدت عند انضمامي إليها العديد من الأدباء والشعراء الكبار وفي مقدمتهم بالإضافة إلى الربيع الأساتذة محمد سعيد دفتر دار وعبد الحق النقشبندي ومحمد هاشم رشيد ومحمد العيد الخطراوي ومحمد حميدة الطيب وعبد الرحمن الشبل وعبد الرحمن سليمان رفه وحسن صيرفي وعلي عويضه مع حفظ الألقاب وبعض الأسماء الأخرى التي نسيتها.
وحديثي اليوم عن الرمز العلم) الشاعر والأديب عبد الرحمن رفه، وجدته وقتها بصوت مرتفع بينهم وجسم نحيل وطلاقة لسان وجرأة في الحديث ومناقشة حادة في القول والحديث. مع علم بلاغي ومعرفة باللغة والشعر والبيان، لفت نظري وقتها وكنت أصغر الحاضرين سنا ابتسامة ذلك الرجل وحسن منطقه وتواضعه ومع مرور الوقت رأيت فيه مروءة ورجولة وانتماء ووطنية من خلال نقاشاته وأحاسيسه وقصائده التي يلقيها بين وقت وآخر وعجبت من سرعة بديهته وحفظه للأمثال العربية واستيعابه لمواقف الشعراء الأقدمين باستيعاب وذكاء وحافظة قوية.
وعلمت بأن لديه مخزوناً من الشعر واللغة وجرأة نادرة وملكة شعرية ممتازة وأقرر بأنني استفدت من تلك الشخصية المميزة التي قد تلفعت بالثقافة والتواضع والعلم اللغوي الغزير.
لقد كان الشاعر عبد الرحمن رفه محباً للأدب والثقافة ويوم أن صدرت الأوامر بافتتاح الأندية الأدبية كان (للرفه) حضور في كل يوم تقريباً بالنادي وفي كل مناسبة وكان صاحب السمو الملكي الأمير عبد المحسن بن عبد العزيز آل سعود يرحمه الله تعالى يقدر الشاعر الرفه) ويستمع إلى قصائده ويدنيه من مجلسه إذا حضر للنادي في أي مناسبة لأنه كان صريحاً في قوله نظيفاً في نفسه وقلبه محباً للمدينة وللمملكة عموماً وقادتها وأذكر أنه في إحدى المناسبات الخاصة بالنادي الأدبي وبحضور صاحب السمو الملكي الأمير عبد المحسن بن عبد العزيز ألقى قصيدته التي أرسلها للملك عبد العزيز آل . سعود عام 1353هـ والتي هنأه فيها بسلامته من الاعتداء الذي تعرض له في الطواف في حج ذلك العام والتي منحه عليها الملك عبد العزيز مكافأة مالية مميزة مع خطاب شكر على وطنيته ومشاعره قائلا له: لافض فوك والتي قال فيها:
ريع الفؤاد غداة الحادث النكر تالله قد نسبت من كاذب أشر
يا للعروبة من قوم قد انتسبوا ظلماً كما زعموا قولاً إلى مضر
إن العروبة من قحطان ديدنها
شكر الصنيعة في قول وفي خبر
إلى ان يقول :
عبد العزيز وقاك الله من خطر
والله يحفظ من ناجاه في السحر فاهنا ودم للإسلام قاطبة
والملك يحرسه من قام بالخفر
وقد أعجب الأمير بقوله وبشعره وبذاكرته، كما ألقى قصيدته عن المدينة التي مطلعها:
أنا من أنا فلتسألوا تاريخكم سيقول إني أكرم الأوطان
أنا واحة في هضبها وجبالها
هبط الأمين بأعظم التبيان
ويوم أن أقام النادي الأدبي احتفالية بمناسبة افتتاح الملتقى السادس عشر لرؤساء الأندية الأدبية ومنسوبيها في عام 1421هـ على شرف ورعاية صاحب السمو الملكي الأمير مقرن بن عبد العزيز آل سعود كان الشاعر والأديب الأستاذ (عبد الرحمن رفه من أوائل المكرمين في ذلك الحفل لحبه للنادي ورعايته للكثير من نشاطاته ولموافقته على بيع داره تقسيطاً ليكون مقراً لنادي المدينة الأدبي في حي (القبلتين) وفي ذلك الحفل حظيت منه بترجمة لبعض مراحل حياته بخط يده وكان خطه جميلاً رحمه الله تعالى أنقل في هذه العجالة شيئاً منها قال عليه رحمة الله:
كان ميلادي في ربيع الأول عام 1330هـ وكان ذلك الظرف قاسيا بالنسبة للمدينة ماديا حيث الحرب الأولى وحيث الأزمة مطبقة وعندما بلغت السادسة من عمري أدخلني والدي الكتاب وكان شيخنا في الكتاب الشيخ حسين عويضه رحمه الله ومعاونه الشيخ محمد المغربي وكانا جميعاً دمنا الأخلاق وبعد عامين من وفاة الشيخ محمد المغربي دخلت في كتاب الشيخ حامد خلاف وكان يرحمه الله عظيما يحب طلابه وبعد عام أو أكثر دخلت المدرسة التي كانت في باب المجيدي وكان من طلابها الأساتذة ضياء الدين رجب والزيدان وأحمد حواله ومحمد سعيد سنبل وكلهم توفاهم الله وفي أثناء ذلك كنت أجلس إلى علماء الحرم أمثال الشيخ إبراهيم بري والشيخ التنبكتي وأخيراً الشيخ عبد الرؤوف المصري الملقب بحمامة الحرم ومعي الأستاذ أمين مرشد والأستاذ عبد الرحمن التازي وغيرهم وكان الحب والوفاء صفة من صفاتهم ولما ضاقت الحال واشتدت الأزمة تعاطيت الأسفار وكان السفر كله على الإبل وكانت الأردن محط أنظار المتاجرين وكان السفر من المدينة إلى الأردن إلى فلسطين إلى بير السبع يستغرق عشرين يوما والرحلات التي على ظهور الإبل ممتعة وصعبة جدا وكان الشباب والعافية يتخطيان تلك الصعوبات في الرحلة البرية وبالرغم من تلك المعاناة فقد كانت نفسي تتوقد إلى نظم الشعر أقله غزل وأكثره اجتماعي فقد بدأت أنظم الأشعار والقصائد وأنا ابن العشرين تقريباً .. ثم في عام 1377هـ أسندت إلى إدارة المطبوعات التي تحولت بعد ذلك إلى فرع الوزارة بالمدينة المنورة وتوليت إدارتها قرابة أحد عشر عاماً وكان زميلاي الأثيران الأستاذ محمد هاشم رشيد والأستاذ محمد عبد الله الخضر وعندما شعرت بأنني أديت واجبي في هذا المجال الوظيفي على أحسن الوجوه تقدمت بطلب الاستقالة للتفرغ لأعمالي الخاصة والعمل على تنفيذ مشروعاتي الأدبية والفكرية حيث استطعت بفضل الله جمع الديوان الأول (جداول وينابيع) وسوف أقوم إن شاء الله بطبع وتقديم ديوان جديد للنادي الأدبي لنشره وسوف يكون اسمه انطلاقة مارد)، هذا وإني أختم هذه النبذة بالدعاء إلى الله عز وجل أن يجعل خاتمتي خيرا ورضاء من الله تعالى .. (انتهى) هذه ترجمة بسيطة كتبها بخط يده واحتفظت بها وبقي القول بان:
الأستاذ الشاعر الأديب عبد الرحمن بن سليمان رفه من مواليد عام 1330هـ كما ذكر وبقي بالمدينة محباً لها ومتغنياً بأمجادها وطنياً يحب بلاده وقادتها مشيداً بإنجازاتها فخوراً بملاحم البطولات فيها.
يألف ويؤلف في تعامله ويتحرى الصدق في قوله وعمله ولا نزكيه على الله وفي شهر شوال من عام 1426هـ غادر دنيانا الفانية إلى دار البقاء والخلود ودخل بقيع الغرقد في طيبة الطيبة رحمه الله وغفر له.






