الشيخ عبد الرحمن البيجاوي

محمد بن صالح البليهشي

الشيخ عبد الرحمن البيجاوي
الشيخ عبد الرحمن البيجاوي

بالأمس وأنا أفتش أوراقي القديمة عثرت على برنامج حفل أقامته الإدارة العامة للتعليم بمنطقة المدينة المنورة في بدايات عهد الأستاذ حسين مصطفى الجوادي رحمه الله تعالى وأسندت إلى الإدارة تقديم ذلك الحفل مساء يوم الأربعاء الموافق 12/6/1402هـ في صالة مدرسة طيبة الثانوية، وحضر الحفل عدد كبير من رجالات الأدب والثقافة والتربية بمنطقة المدينة المنورة، وقد أقيم ذلك الحفل على أثر صدور أمر جلالة الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود رحمه الله تعالى بمنح ميدالية الاستحقاق من الدرجة الثانية والثالثة لبعض رجالات التعليم بالمنطقة تقديراً لجهودهم في خدمة العلم وطلابه وتم توزيع الشهادات والميداليات على الأساتذة الذين وردت أسماؤهم في ذلك الأمر الكريم، وكان من بين أولئك الأستاذ الشيخ عبد الرحمن البيجاوي أستاذ الجيل المعروف وفرحت كثيراً ليلتها وأنا أقف أمام أساتذتي الذين أكن لهم كل محبة وتقدير وعرفان معرفاً بهم ومستعرضاً بعض محطات مشوار كل منهم في مساره التعليمي ومقدماً لحفل تكريمهم، وقلت ليلتها في بداية الحفل: لقد تهيبت كثيراً حينما كلفت بالحديث لتقديم ترجمة مختصرة عن رجال أعطوا ما وسعهم العطاء في وقت يعز فيه العطاء، وضحوا بصحتهم وشبابهم لينيروا الطريق للأجيال في زمن قيم فيه الجهل فكانوا مشاعل تنير الحرب وتبرز معالم الطريق.

تهيبت كثيراً لأنني أجل تلك الكوكبة من رجال التربية، ولأن باعي يقصر كثيراً لا تحدث من قريب أو من بعيد عن أعمالهم وتضحياتهم وما قاموا به من جهود وتضحيات نحو جيل اليوم الذي يتحمل المسؤولية بكل ثقة واقتدار لحسن التوجيه والتربية التي تربى عليها على يد رجالنا الأفاضل الذين تحتفل اليوم بتكريمهم تقديراً من ولي الأمر وفاء لهم واعترافاً بجهودهم في بدايات نقضتنا التعليمية في وقت شحت فيه الموارد وعز المعلمون وصعبت فيه المسالك.

والأستاذ الشيخ عبد الرحمن البيجاوي كان في مقدمة قائمة الرجال المكرمين الذين أمر مليك البلاد يومها بتكريمهم ومنحهم ميداليات الاستحقاق، حيث شملت قائمة التكريم الأساتذة والمشائخ محمد عبد الكريم السناري وأحمد بوشناق وعبد الحق النقيشندي وعبد الرحمن البيجاوي ومصطفى صبري الأماسي وصالح بن محمد القين ومحمد عبد الرحمن عتيق من العلا وحسن حمزه محمود عبد الواحد من ينبع ومحمد عوض ماطر الكلبي من أملح. كل هؤلاء الرجال وقفت ليلتها أمام محطات من سيرهم وما قاموا به من جهود في سبيل التعليم ونشر المعرفة، وذلك في حفل بهيج وكوكبة من
الرجال الأوفياء.

وحسبي اليوم أن أذكر شيئاً من العرفان والتقدير للرمز العلم الأستاذ الشيخ عبد الرحمن بن محمد البيجاوي الذي شرفت وزملائي برعايته وتعليمه ونصحه وإخلاصه ووفائه في معهد إعداد المعلمين الابتدائي بالمدينة المنورة، ذلك الرجل الوقور الذي كان يدرسنا مادة التوحيد والعقيدة وطريقة تدريسها، رأيناه بشخصيته التي تلتحف الوقار والاعتزاز وعمق المعرفة وحسن الأداء الفرس العقيدة في نفوس طلابه
كان رحمه الله تعالى منذ بدايات دخولنا في المعهد رأيناه يمتاز بسمت معين وشخصية تفرض احترامها على كل من يقف أمامها أو يتعامل معها، بل وتفرض تقديرها في نفوس طلابها على اختلاف مستوياتهم. يحترم نفسه ويقدر كل طالب من طلابه، كنا نخشى منه ونخاف من شخصيته ولكنه ما لبث أن أصبح أباً لكل منا يمزح درسه بالتحليق بنا بين فينة وأخرى إلى قصص كثيرة في الحياة والكون والتاريخ، ومنها بدايات مساره التعليمي والعملي ويهون علينا غربتنا كطلاب (قرويين) جلسنا أمامه للدرس والتحصيل بنفس رضية وقلب محب ويفتح أمامنا آفاق المستقبل المشرق. خشيناه مع بدايات مشوارنا التعليمي معه لأنه كان يميل إلى الجدية والصرامة والقوة ولكنه ما لبث أن صار أباً ومربياً وصديقاً لطلابه في كافة المراحل ومن خلال دروسه الجادة العميقة عرفنا منه كثيراً عن معاناته وحياته الشخصية رحمه الله عرفنا منه أنه من مواليد مدينة المصطفى في عام 1342هـ وقد درس في مدرسة العلوم الشرعية ويكن لمعلمه الأول الشيخ عبد الله الخربوش كل محبة وتقدير وإعزاز ووفاء، وعرفنا منه أن والده انتقل إلى مكة المكرمة وعمل أثناء تواجد والده في مكة لدى طبيب عيون براتب شهري قدره نصف ريال وكان عمره خمسة عشر عاماً ومن مكة رأى والده الصعود إلى الطائف ليعمل في سوق الخضار وفي الطائف استهوته المدرسة العسكرية التي رغب في الدراسة بها لولا ممانعة والدته لذلك، كما استهواه حب العمل في وظيفة للوقوف بجانب والده مما دفعه إلى دخوله بطريقة أو بأخرى على الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود النائب العام في الحجاز في قصره بالطائف لطلب وظيفة حيث رحب به وحثه على المزيد من الدراسة والبحث والحصول على شهادة حتى يتسنى له تدبير وظيفة له، وعندما عاد والده إلى المدينة المنورة في عام 1361هـ قدم أوراقه إلى مدير المعارف الشيخ محمد بن مانع الذي أصدر قراره بتعيينه مدرساً في مدرسة رابع براتب قدره أربعون ريالاً، وقد أثنى أستاذنا البيجاوي على مدير مدرسة رابغ الأستاذ سليمان سليم المحمدي لأبوته وكرمه وحسن تعامله ورعايته، وذكر شيئاً من مكانته الاجتماعية في قبيلته ومجتمعه، ومن رابغ تم نقله إلى مدرسة حائل ومنها إلى مكة المكرمة ثم إلى مدينة أبها مدرساً ومديراً لمدرستها براتب وقدره مائة وستون ريالاً، ومن أبها إلى مدرسة طيبة الثانوية بالمدينة المنورة ثم إلى معهد إعداد المعلمين بعد غربة دامت خمسة عشر عاماً وتنقلات متعبة في ذلك الوقت الصعب من شظف العيش ووعورة الطرق وقلة المواصلات.

عرفنا منه كل ذلك كما عرفنا منه قصة الطائرة التي وقف محركها في سماء جيزان وكادت أن تسقط في رحلة من رحلات عودته من المدينة فحدة فجيزان وما انقاه وجميع ركاب تلك الطائرة من رعب وعذاب وألم.

لقد حبب إلينا مادته وصرنا ننتظر بشوق إلى درسه طوال ثلاث سنوات حيث كان يسرد علينا في ثنايا درسه بين وقت وآخر تلك المعاناة التي كان يلقاها ذلك الجيل والمصابرة التي تحلى بها أولئك الرجال في تلك السنين العجاف ليهون علينا غربتنا وما كنا نشتكي منه من مصاعب وعقبات ويذكرنا بما نحن فيه من نعمة إذا قيست بما لاقاه ذلك الجيل من مصاعب وقلة ذات اليد وأكد لنا بأن حياتنا في ذلك الوقت تعتبر حياة مميزة خاصة ونحن ندرس وتمنح مكافأة شهرية قدرها مائة وخمسون ريالاً ومن خلال ما غرس في نفوسنا رحمه الله تعالى من استشعار النعمة والحمد والشكر لهذه الدولة العزيزة الغالية التي كانت تمنحنا المكافأة وتضمن لنا العمل بعد الحصول على الشهادة.

أحسسنا أننا محظوظون فعلاً بما نحن فيه من اهتمام ورعاية ومتابعة من قبل المسؤولين عن التربية والتعليم في تلك الحقبة من الزمن، وبعد تخرجنا من ذلك المعهد تفرقت بنا الشيل وبقيت في أذهاننا صور تلك الدروس التي عمقها في نفوسنا أستاذنا البيجاوي)، وكم فرحت وأنا أقدم برنامج الحفل في تلك الأمسية ولحظت مدى السرور الذي تملكه وهو يرى أحد غراسه يعتلي منبر الخطابة والتكريم فخوراً باختياره عريفاً للحفل مليئاً بالثقة وسلاسة اللغة مؤهلاً بوسام الشهادة الجامعية انتساباً وهذه بعض غراسه، وقد لازم شيخنا ورمزنا الأستاذ عبد الرحمن البيجاوي المسجد النبوي الشريف بعد تقاعده في عام 1397هـ، كما لازمه عند بداية الطلب وارتوى من معين مختلف العلوم والمعارف وحرص على عدم الخروج من هذه المدينة العظيمة حتى وافاه الأجل المحتوم بها في بدايات العام الهجري 1430هـ، وصلى عليه جموع المسلمين في المسجد النبوي الشريف وتحققت أمنيته وحظي بمكانه في بقيع الغرقد رحمه الله رحمة الأبرار وأدخله فسيح جناته.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.