الأستاذ/ عبد الرحيم الأحمدي
محمد بن صالح البليهشي

يا صاحب العطر .. هذا كيف ؟ شطر بيت من كسرة للأستاذ عبد الرحيم بن مطلق الأحمدي قالها مع بدايات (حبوه) في فن الشعر وهو لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره.
اخترت هذا الشطر ليكون عنوانا لمقالة عنه لأنني رأيت في الشاعر والمبدع والأديب والرجل والتراثي عبد الرحيم الأحمدي كل ذلك من خلال اطلاعي على محطات من حياته ولآلئ من أدبه ورواياته ومقالاته ونشاطه الإبداعي.
لقد وجدت في ذلك كله عطراً لهذا العطاء الذي تشكل منه أبو مروان) ولذلك استعرت منه هذا الشطر الذي تشكلت منه كسرته مخاطباً ومستفهماً من ذلك الرجل صاحب العطر الذي داعبه بهذه الكسرة التي خلدت لأكثر من سبعين عاماً أرادها واستفهم وداعب بها وخلدها في ذاكرته ووجدتها اليوم فرصة وأنا أكتب هذه اللمحة عن هذا العلم أن أستعيرها منه وأوجهها إليه وأسأله مداعباً أيضاً عن هذا العطر الذي تشكل وفاحت روائحه شعراً فصيحاً وشعبياً ورواية ومقالة وقصة ومسيرة ولغة وعمقاً في التراث والأدب كيف اجتمع في منطوق وهيكل وروح ونفس إنسان مبدع اسمه (عبد الرحيم الأحمدي). وقبل الدخول في محطات هذا الأديب الذي شكل عطراً مميزاً في شخصيته وأدبه أعرف بفن الكسرة لمن لا يعرفها خاصة وأن من إنتاج أبو مروان في الشعر الشعبي كتاباً سماه (ألف كسرة وكسرة وكتابه أهل الكسرة في جزئين).
فأقول : إن شعر الكسرة يمتاز بذوق رفيع وجودة في المعنى وقصر في العبارة والبناء الجيد والدقة في التعبير والرمزية التي تظلل الإثارة أو المناسبة .. وغالب شعر الكسرة لا يزيد عن بيتين يجسدان صورة كاملة عن قصيدة عصماء .. وهي من مكنونات النفس ونفئات القلب نتيجة معاناة خاصة أو موقف مؤثر يتغنى بها شعراؤها وحداتها في أنغام صوتية جميلة يعرفها عشاقها وأكثر ما يعمق (الكسرة) في النفوس تأثيراً إذا عرفت مناسبتها ولا يعرفها إلا ذوو الاختصاص في هذا اللون من الشعر الشعبي (الحجازي) في أودية الصفراء وينبع
والفرع.
والعجيب أن يترسخ هذا اللون في ذهن عبد الرحيم الأحمدي) وهو (المكي) الذي تربى بين شعاب مكة وحاراتها ... ولكن على مقولة العلم في الصغر كالنقش على الحجر ) نقشت ذاكرة هذا الشاعر في نفسه تلك الثلاثة عشر عاماً التي عاشها في وادي الصفراء لون الكسرة خاصة وألوان الشعر الشعبي السائد في المنطقة وصادفت قلباً خالياً فتمكنت وزادها تلك الشاعرية الكامنة التي ارتفعت جذوتها بحصيلة الثقافة والاطلاع والقراءة والمعرفة .. وأعود فأقول:
إن الأستاذ عبد الرحيم الأحمدي شاعر من رأسه إلى أخمص قدميه يقول الشعر الشعبي والشعر الفصيح بكافة فنونه المعروفة فهو إلى جانب أدبه وتعبيراته الرصينة وصياغته القوية ولغته المميزة في فن المقالة الأدبية المؤثرة شاعر بكل ما تعني هذه الكلمة وله العديد من الدواوين والممارسات الشعرية ومن ذلك مثلاً: ديوانه الشعري الصادر في عام 1996م بعنوان (أيها الشاعر .. إني أعتذر) وكتابه (ألف كسرة وكسرة ومن مرويات محمد سعيد بن قابل الأحمدي وكتاب أهل الكسرة في جزئيه الأول والثاني وكتاب أحاديث من الأدب الشعبي وديوان (بديوية) كلها تدل على هذا المعنى.
إلى جانب كتابه الاتجاهات الاجتماعية في القصة القصيرة المعاصرة في المملكة العربية السعودية) وروايته وادي العشرق مغازة الجن) إلى غير ذلك من الإنتاج الأدبي والثقافي الذي يدل بحق على العمق في الأداء والصياغة الفنية الرائعة .. والجدارة الأستاذ عبد الرحيم الأحمدي وضلاعته في اللغة والمعاني وعلو قامته في الثقافة بجميع شؤونها اختير للإسهام في مراجعة مواد موسوعة الثقافة التقليدية في المملكة التي أشرف عليها سعادة الأستاذ الدكتور سعد الصويان الباحث المختص في التاريخ الشفهي والشعر النبطي في الجزيرة العربية وصدرت في (12) مجلداً ورعاية الأستاذ عبد الرحيم الأحمدي لإصدار الطبعة الثانية من دليل الأدباء بدول مجلس
التعاون لدول الخليج العربي عام 2014 م . جهود ثقافية متشعبة لرجل مخضرم وقامة لها ثقلها في عالم الأدب والثقافة والأدب والتراث.
لقد بنى أبو مروان ثقافته بجهده الشخصي وعصاميته وحرصه على البحث والدراسة والاطلاع على مدى سنوات عمره الماضية كانت الثقافة هاجسه الذي لازمه ولم ينفك عنه ولذلك أوجد لديه حصيلة رائعة من الثقافة والأدب والتراث إلى جانب ثقته بنفسه فهو قد تحدى ظروفه في مختلف سنوات عمره وكسب التحدي رجلاً مثقفاً شاعراً روائياً كاتباً لغوياً .
لم يكن يتم الأب ولا حياة الريف التي عاشها ولا يتم الأم التي أحس بطعمها ومخاوفها ولا انتقاله من حياة وادي الصفراء في الرابعة الابتدائية إلى عمق حضارة مكة والإحساس بالوحدة والغربة بين أقرانه في حياة مدارس أم القرى ولا مخاوف اختياره للدراسة في سيرس الليان بمصر ولا عمله الميداني في وادي فاطمة كأحد نجوم وزارة الشؤون الاجتماعية التي فتحت مراكز الخدمة والتنمية الاجتماعية .. لم يكن كل ذلك إلا حوافز جعل منها (أبو مروان) بعصاميته واعتماده على الله تعالى ثم على نفسه ما أوصله إلى تلك النجاحات التي أحرزها والقمم التي تعلاها بجدارة ومقدرة فائقة لفتت إليه الأنظار وجعلت منه علما في المجال الاجتماعي والفني والثقافي والأدبي والتراثي ... بل وأفردت له مقعداً في منصات المحاضرات والندوات والحوارات فكان صوته عالياً وبيانه مسموعاً وآراؤه لها وقعها في عوالم الثقافة وشؤونها.
ولا تزال أجيال الريف في وادي الجموم تذكره بين جنبات قراه وشعابه يوم أن اختارته وزارة الشؤون الاجتماعية ليكون مديراً لمركز التنمية الاجتماعية في وادي فاطمة على مشارف مكة المكرمة فكان رائداً مميزاً للعمل الاجتماعي ومنفذاً واعياً لمسؤوليات مراكز التنمية والخدمة الاجتماعية التي أرادتها وأنشئت من أجلها هذه المراكز لتنمية وتحضير ثقافة العمل الاجتماعي ولذلك اختارته الوزارة مرافقاً ومرشداً ومندوباً لها مع فريق العمل المؤسسة (موتوكوكتالورا) اليابانية لمساعدة الباحثة في ثقافة الصحراء (كتاكورا) فكان أبو مروان خير ممثل للوزارة وخير سفير المرافقة فريق البحث الياباني وإقناع مواطني تلك القرى الواقعة في منطقة خدمات التنمية للاستجابة مع فريق العمل الذي استغرق بحثه قرابة السنتين.
وقد نال إعجاب الفريق الياباني الذي قرر مجلس إدارة مؤسسة الصحراء بإجماع الباحثين والمحكمين في المؤسسة إلى اختيار الأستاذ عبد الرحيم الأحمدي) للفوز بجائزة (بوتوروغي) (الراحة) من قبل المؤسسة ودعوته لاستلام خطاب الشكر والجائزة وخطاب شكر الوزارة الشؤون الاجتماعية لحسن اختيار هذا الرجل تقديراً لجهوده ووعيه ومواقفه المشرفة وهذه الجائزة مميزة ولا تمنح إلا لشخصيات مرموقة.
من جانب آخر تمتع أبو مروان بطموح منذ أن كان في مدرسة خيف الحزامي في بدايات عام 1368هـ وتنامى معه ذلك الطموح والنبوغ والعبقرية ذاكرة متقدة وشاعرية عميقة ودراسات في الجامعة حتى حصل على بكالوريوس في التاريخ من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية والماجستير في علم اجتماع الأدب من جامعة الملك سعود.
وكانت الدرعية إحدى محطات عمله حيث عمل بمركز التنمية الاجتماعية بالدرعية بعد وادي فاطمة لمدة عشرة أعوام .. وعند تأسيس مجلس التعاون الخليجي واتخاذ مدينة الرياض مقرا له اختارت الشؤون الاجتماعية الأستاذ عبد الرحيم الأحمدي مديراً لإدارة الشباب والرياضة حيث عمل به مدة ثمانية عشر عاماً .. كان فيها مثال المواطن السعودي المخلص الذي يعرف قدره وقدر دولته وقيادتها فكان خير من يعتمد عليه في المؤتمرات والندوات والمحاضرات في مختلف دول العالم وامتاز أبو مروان) بقدرته الإدارية والفنية وعمق ثقافته أن يملأ مكانه ويمثل عمله وأمته وبلاده خير تمثيل بصدق وأمانة وإدارة داخل المملكة وخارجها.
مدي
ولم تقف قافلة نجاحاته عند تقاعده بل جعل من خيمة الثقافة منتجعا لإبداعه وتغريداته فأنشأ داراً للنشر سماها ( دار المفردات ) التي اتخذ منها معقلا وظلاً فاستطاع من خلالها أن يفيد الثقافة بعلمه وأدبه وحسن آرائه وأن يسير شؤونها ويجنب منشوراتها مواطن الأخطاء والزلل.
فتحية من الأعماق لهذا الرمز المخضرم الذي مثل الثقافة في كافة جوانبها وتعامل مع المعرفة باحترافية وخبرة ولم ينس أصالته وعمق تراثه الذي اتخذ منه منطلقاً للسير
والإبحار.






