سمو الأمير عبد المحسن بن عبد العزيز
محمد بن صالح البليهشي

تحتفظ ذاكرة المدينة المنورة من بين من تشرفوا بإمارتها في العهد السعودي بصاحب السمو الملكي الأمير عبد المحسن بن عبد العزيز رحمه الله، فهو أول أمير سعودي من الأسرة السعودية يتخذ المدينة المنورة مقراً له ومقاماً طيلة ولايته عليها، وقد بقي عشرين عاماً في الفترة من عام 1385هـ إلى عام 1405هـ وهو يعيش فيها أميراً محباً لها عاشقاً لروحانيتها مترسماً لمعالمها ومتشرباً بأمجادها مترسماً لخطى نبي الأمة وأصحابه وهم يتلقون تعليم الدين الإسلامي وينشرونه في أرجاء المعمورة.
وقف عبد المحسن بن عبد العزيز على مشارف بطحان وروابي قباء والعوالي وامثلات نفسه يعبق هذه البلدة المقدسة وبتاريخها المجيد وطاب مقامه على مشارف عقيقها، لم يرغب في سكن سواها حتى وافاه الأجل إلى دار الآخرة في شهر شعبان من عام 1405هـ.
عاش في المجتمع المدني واحداً منهم يرعى مصالحهم ويشارك أفراحهم وأتراحهم بروح المسؤول والمواطن، يحب مكارم الأخلاق ويشيد بالأمانة ويتلمس مواطن الثقافة والأدب ويطرب للكلمة الصادقة واللغة الشاعرة، ولذلك حظيت أسرة الوادي المبارك الأدبية بزياراته المتكررة وحضوره لجلساتها، وحبه لأدبياتها وشعرائها ويوم أن صدرت الأوامر بافتتاح الأندية الأدبية كان للأديب والشاعر عبد المحسن بن عبد العزيز حضور مميز وفرح ومعاضدة وتأييد للنادي الأدبي بالمدينة المنورة ورعاية نشاطاته المختلفة، ومما أذكره من حضوره ورعايته ذلك الحفل الأدبي الذي أقامه النادي مساء يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة عام 1399هـ بصالة المحاضرات بثانوية طيبة عندما أتى سموه راعياً لذلك الحفل، ووقف رئيس النادي الأستاذ عبد العزيز الربيع، وألقى كلمة ضافية مرحباً بالأمير مشاركاً وراعياً ومما قاله لينتها: (وإنها لفرصة عزيزة سعيدة نتشرف فيها الليلة بلقاء ورعاية أمير من أمراء البيان في بلادنا العزيزة، وانه لحظ أسعد أن يكون هذا اللقاء بمبادرة كريمة من مبادرات سموه التي طالما خص بها هذه الأسرة الكريمة أسرة الوادي المبارك) في طيبة الطيبة منذ تأسيسها وكان جوهرة العقد فيها، واليوم في نادينا الأدبي ونحن نتشرف بسيدي الأمير راعياً للأدب ومكرماً للعلم والثقافة بين مريديه ومحبيه يتطلع النادي إلى أريحية من أريحيات سموه ليحظى بفضل السبق إلى إصدار أول مجموعة شعرية من إنتاجه..)
لقد كان الحفل في تلك الليلة حفلاً أدبياً ثقافياً سجله النادي في تاريخه وسجلته المدينة في ساحات الثقافة والإبداع بها برعاية الأمير عبد المحسن بن عبد العزيز).
عشرون عاماً عاشت المدينة المنورة تحت رعاية أميرها عبد المحسن بن عبد العزيز لم يمتلك فيها شبراً واحداً ولم تحدثه نفسه بذلك، عاش عفيفاً سامياً رفيعاً، واكبت المدينة في عهده انطلاق التنمية، وعايشت طيبة الطيبة التخطيط التنموي الوطني وتم إنجاز مشاريع تنموية اقتصادية اجتماعية، وخطت المدينة في عهده خطوات واسعة نحو التقدم والتطوير والعمران، ومما شهدته المدينة في عهده مياه المدينة المنورة وامتدت في بعض جوانب المدينة الأنفاق والكباري والطرق المزدوجة ونما المجال الزراعي، وعرفت المدينة في بعض جهاتها الطرق الزراعية، وبدأت الدراسات حول ندرة المياه وتطوير أساليب التسويق للمنتوجات الزراعية، ورأى المواطنون سدود بطحان والغابة والعاقول وبذرة الأسواق المركزية للخضار والفواكه والتمور والماشية، وتضاعفت الطاقة الاستيعابية لمرافق التعليم بجوانبه العام والفني والعالي، وتألق النادي الأدبي في عهده وبنيت المكتبة العامة وعلت أصوات الأندية الرياضية، وكان للرمز (عبد المحسن بن عبد العزيز السبق في إنشاء مجمع الدوائر الحكومية، سعى التأسيس كلية التربية بالمدينة وتابع مسار الجامعة الإسلامية وبناء بعض المساجد وترميم بعض القديم منها.
امتاز الأمير عبد المحسن بن عبد العزيز بإنسانيته. ووطنيته، وتجلى ذلك في وقوفه واهتمامه عندما انهارت عمارة في مناخة المدينة وقد أمر بإقامة الخيام حولها وأقام هو بجوار العمارة أكثر من أسبوعين يشرف بنفسه على عملية إزالة الأنقاض وإسعاف المصابين، وأصدر الأوامر المباشرة للتجهيز والإسعاف والإنقاذ.
ويوم أتاه أحد المواطنين مستنجداً به في رد معروف السائق غير سعودي كتب الله عليه دهس أحد المارة، فاستنجد ذلك السائق الأجنبي بمواطن سعودي وكان قد عمل معروفاً إليه قبل سبع سنوات خارج السعودية فما كان من المواطن السعودي إلا أن لجأ إلى الأمير عبد المحسن وأخبره بقصته ورغبته في رد المعروف وهو لا يملك شيئاً، فما كان من الأمير إلا أن دفع الدية وأطلق سراح السائق السجين الأجنبي ودعا جميع من في القضية لتناول طعام الغداء معه وقال رحمه الله قولته المشهورة من أكرم موطناً سعودياً فقد أكرمنا جميعاً ونحن نعمل المعروف ونحث عليه لكي لا يضيع المعروف بين الناس) وفي أحد الأيام تقدم المحكمة المدينة مواطن شاكياً الأمير عبد المحسن بن عبد العزيز لتعدي البلدية على منزله، فأخبر الشيخ عبد العزيز بن صالح الأمير عبد المحسن وجلس أمام القاضي مع الشاكي وقضى رئيس المحكمة ابن صالح بما رآه شرعاً دون أدنى تذمر من الأمير رحمه الله أو تكبر أو تعال أو غضب. ومن تواضعه قامت مدرسة ابنه (وليد بكتابة خطابات الأولياء الأمور لعقد مجلس الآباء والمعلمين، ولم ينتبه كاتب الخطابات وأرسل خطاباً لولي أمر الطالب وليد بن عبد المحسن) وهو لا يدري بأنه ابن الأمير، ففوجئ مدير المدرسة بحضور الأمير عبد المحسن بنفسه في اليوم المحدد، وأسقط في أيديهم دون أن يحسبوا حساباً لذلك فقال الأمير عبد المحسن المدير المدرسة إنه حاضر بصفته ولي أمر طالب فقط وجلس في الصالة التي عقد فيها الاجتماع مع أولياء الأمور وناقش مستوى ابنه واطلع على تحصيله ثم غادر المكان كأي ولي أمر حضر في ذلك اليوم صور شتى لا يمكن حصرها التواضع ذلك الرجل في تعامله مع الناس والمسؤولين ونظرته للأمور في مختلف المواقف والظروف. ولا انسى للأمير عبد المحسن ذلك الموقف الذي وقفته أمامه حينما زار الملاكم المسلم محمد علي كلاي المدينة المنورة، وزار الأمير في مكتبه وأهداه الأمير خنجرا" واحتفى به، وكنت حينها مراسلاً صحفياً لجريدة الندوة بالمدينة وكتبت التقرير عن الزيارة، وسجلت بأن الأمير أهدى لمحمد علي كلاي "سيفاً" خطأ مني. وفي اليوم التالي ظهر ذلك الخبر في صفحة كامنة بالجريدة (بالبلط) العريض. وفوجئت بمرسول الإمارة يستدعي جميع مندوبي الصحف، وعلمت عند دخولي مقر الإمارة بغضب الأمير من الخبر لأنه لم يعد "سيفاً وتجمعنا في مكتبه وبادرنا بالسؤال المباشر بقوله: لا أدري هل انتم تكتبون ما ترون أم ما تسمعون؟ وهو غاضب جداً فقلت له نحن نكتب ما تسمع وما ترى، حباً في المدينة، فقال رحمه الله من الذي كتب الخبر؟ فقلت له أنا، ومع كلمة أنا سارعت وقبلت رأسه واعتذرت منه فهذا غضبه وألقى علينا درساً بليغاً في شؤون الأخبار والصحافة كأنه أحد ممارسيها.
مواقف كثيرة تدل على حزمه وشدته في مواقف الحزم والشدة ولين جانبه وتواضعه وإنزال الناس منازلهم فيما يستدعي ذلك وحرصه وفرحه بكل بادرة من بوادر الطموح والنبوع في الشباب وقربه من المجتمع بكل فئاته. وكم كانت المفاجأة والفجيعة يوم أن وصل خبر وفاة الأمير الشهم رمزنا عبد المحسن بن عبد العزيز في مساء يوم السبت 20 شعبان 1405هـ، لقد حزنت المدينة لخبر فقدها لأميرها الذي اتخذ فيها مقراً ومسكناً طوال مدة إمارته عليها ورثاه شعراؤها وبكاه أدباؤها، ودخل الحزن إلى كل بيت فيها وسجلت صحائف الرثاء فيها والحزن عليه صوراً شتى ومن ذلك تلك القصيدة الرائعة المعبرة لسمو الأمير عبد الله الفيصل رحمه الله والتي قدم لها بقوله: عمي عبد المحسن بن عبد العزيز النداء بدون ألقاب أقرب إلى القلب، وما قيمة أن أقول صاحب السمو الملكي لابن من أبناء عبد العزيز، وإن عبد العزيز أكبر من كل لقب، لقد ألبستني ثوباً من الثناء اتخذت المقياس فيه مكارم أخلاقك فلذلك أشعر أنه فضفاض علي، ولا يستغرب الفضل من شخص وهو ينتمي للرحيق المصفى من آل سعود، أي ابن عبد العزيز وعبد العزيز المعروف بشجاعته وكرمه اللذين يشترك معه فيها كثير من أبطال التاريخ قد تفوق على الكثرة منهم بصفاء القلب ونقاء السريرة والشهامة والعفو عند المقدرة والإحسان إلى من أساء إليه وحفظ كرامته، فإليك يا عمي أهدي عصارة قلب محطم جفت شرايينه وربما تكون آخر قطراته).
ثم قال القصيدة التي نشرتها المجلة العربية في عدد شعبان عام 1405هـ. قطعة أدبية في قمة الأدب لفظاً ومعنى ولا يتسع المجال لإيرادها، ومثلها قصيدة من نفثات نفس محطمة وقلب مليء بالحب والشوق والحنين والألم قالها الشاعر صاحب السمو الملكي الأمير بدر بن عبد المحسن، وهو يقلب الفكر ويقف عاجزاً أمام قدرة الله ويسلم الأمر إليه في قصيدة يرثي فيها والده قال فيها:
يا بوي ليت الموت يرضى بالأسوام
يقبل بأحد غيرك وترضيه بالسوم باخذ بدل يومك من اعمارنا غام
يغدي مطبخك خادمك كان يتقوم يا بوي انا ما في يدي كود الأوهام
وش في يدي والموت حق ومقسوم لا شك من يفنى على دين الإسلام
وطيب الذكر يكفيه لا قبل مرحوم مرحوم يا ريف الارامل والايتام
ياللي رفيقك دوم مكرم ومحشوم
قداح تيما .. وان زما الضد نظام ولا جا اللزوم الصعب يقضيه زيزوم
كل بشيئه بالعمر دم وعظام وانته تشيلك عزة النفس والزوم
رحم الله الرمز) عبد المحسن بن عبد العزيز والسلام عليه يوم ولد ويوم غادر دنيانا الفانية ويوم يبعث حيا.






