الشيخ عبد المجيد بن حسن الجبرتي

محمد بن صالح البليهشي

الشيخ عبد المجيد بن حسن الجبرتي
الشيخ عبد المجيد بن حسن الجبرتي

رحم الله تعالى ذلك الرجل الشيخ عبد المجيد بن حسن بن مصطفى الجبرتي الذي سجلت نغمات صوته وهو يرتل القرآن الكريم في إمامته للمصلين بمسجد خير البرية عليه الصلاة والسلام في طيبة الطيبة في الثمانينات الهجرية من القرن الماضي.

كنا ندرس في تلك الأيام بالمسجد النبوي الشريف الذي كانت إضاءته قوية وجنباته فسيحة، في تلك الأيام التي تفتقر بيوتنا إلى الإضاءة الجيدة والتهوية التي نحتاجها لدراستنا، ولذلك اتخذنا من جنبات هذا الحرم الشريف وأعمدته مواقع للدراسة جماعات ووحدانا، وكان صوت الإمامين الجليلين الشيخ عبد العزيز بن صالح والشيخ عبد المجيد الجبرتي اللذين يتناوبان الإمامة في الفروض وفي صلاة التراويح والقيام في شهر رمضان المبارك من كل عام. كانت أصواتهما عذبة ندية تدعو إلى الخشوع والتفكر وقد تربينا عليها واعتدنا سماعها، وكان لكل منهما صوت مميز يعرف به وقد تعودت أسماعنا ورسمت أفهامنا طريقة قراءة كل منهما بحيث تعرف قراءة الشيخ عبد العزيز بن صالح بجرسها ونغماتها وخشوعها وتميز قراءة الشيخ عبد المجيد الجبرتي بجمال صوته وحسن أدائه ورقة قراءته، ورمزنا اليوم الشيخ عبد المجيد بن
حسن الجبرتي هو موضوع ذكرانا رحمه الله تعالى، حيث الهدوء والسكينة التي امتاز بها وقوة الحفظ والنغمة المميزة والرقة الصوتية والخشوع الذي يدعو إلى التفكير في معاني الآيات ويظهر الحروف وما تستحقه أمام المستمع والمصلي في تجويد وترتيل بصورة عجيبة، قراءة مميزة وسرعة غير مخلة ومعان واضحة كأنما هي التفسير بعينه مع جمال الصوت الذي تحلى به الشيخ عبد المجيد وتميز به، لقد بقي صوته مجلجلاً في جنبات مسجد المصطفى طيلة ثمانية عشر عاماً ابتدأت من عام 1372هـ إلى عام 1390هـ، كان خلالها معاوناً ثانياً للشيخ عبد الله بن زاحم رحمه الله تعالى وبعد وفاته أصبح المساعد الأول للشيخ عبد العزيز بن صالح عليه رحمة الله تعالى يعاونه في الإمامة وينوب عنه، وكان الشيخ عبد المجيد يهتم كثيراً بإعداد خطبة الجمعة عندما يكون إماماً حيث يختار المعاني الجزلة والمواضيع التي تعالج قضايا الأمة ويغلف خطبته بالمحسنات البلاغية التي تعطي للموعظة قدرها وللخطبة أثرها في نفوس سامعيه، وتحرك القلوب وتدعو إلى الإنصات والتفكر، وقبل تلك الحقبة من مسيرة ذلك (الرمز) الشيخ عبد المجيد تفيدنا الأوراق الثبوتية له رحمه الله تعالى إلى ولادته التي كانت مع بداية العام 1332هـ وحرص والده وأعمامه على دراسة القرآن الكريم حفظاً وتلاوة وتجويداً منذ الأيام الأولى لسن الطلب وكان لوح الحفظ والدراسة لا يفارقه ليلاً ونهاراً حتى أتم حفظ كتاب الله تعالى، ثم درس علوم الشريعة على يد علماء أجلاء كالشيخ حسن أبي خيار)، ثم على يد الشيخين جمال وعبد العزيز المالكي في مكة المكرمة، ومن هؤلاء الشيوخ وغيرهم تذوق طعم دراسة القرآن الكريم وتفسيره في أم القرى وذلك في عام 1345هـ، ويوم أن استهوته المدينة المنورة واصل تعليمه لدى الشيخ عبد الرحمن الأنصاري والشيخ أمين مرشد والشيخ عبد الرؤوف والطيب الأنصاري وما لبث أن انضم إلى مدرسة العلوم الشرعية في عام 1352هـ فواجه صعوبة في الدراسة وقوة في العطاء ولكنه كان يملك ذاكرة قوية وطموحاً ليس له حدود مما لفت الأنظار إليه ونال إعجاب مدرسيه في نجابته وأدبه وحسن خلقه وقدرته على الاستيعاب السريع، وكان المسجد النبوي الشريف هو مكانه الأمثل في الدراسة وتنوعها بما كان يضم من علماء وأدباء ومثقفين استطاع أن يوفق بين دراسته في العلوم الشرعية صباحاً ودراسته في المسجد النبوي مساءً حتى ساعة متأخرة من الليل، ومن هنا رأى فيه صاحب مدرسة النجاح الشيخ عمر عادل النجابة وقوة الذاكرة فاستعان به مدرساً بها، وكذلك احتواه مدير مدرسة الأيتام مدرساً للعلوم الدينية واللغة العربية وبقي بين المدرستين حتى حل العام الهجري 1360هـ حيث رأت فيه مديرية التعليم الرجل المناسب لافتتاح مدرسة شقراء في نجد فأوكلت إليه افتتاحها وإدارتها، وسار في مدينة شقراء) سيرة حسنة وأسس قواعد التعليم في تلك المدينة وغرس حب العلم في نفوس الطلاب وأولياء أمورهم بما امتاز به يرحمه الله تعالى من حب وإخلاص وتضحية جعلت منه النموذج المثالي لرجل التربية والتعليم وأوجد له وللعلم وطلابه قاعدة مثالية بين المواطنين على اختلاف مستوياتهم وكان له طلاب بالمسجد النبوي الشريف وبالمدارس التي عمل بها بالمدينة وشقراء منهم المشائخ عبدالله المنيع وصالح إبراهيم الحصين وصدقة خاشقجي وإبراهيم غلام وعبد الوهاب بافقيه وغيرهم، وفي عام 1366هـ اختير قاضياً في رابغ فضرب أروع الأمثلة في الإنصاف والقضاء وإحقاق الحق بين المواطنين وما أن تيقن وزير العدل من حكمته ونزاهته وجدارته حتى استصدر أمر الملك عبد العزيز رحمه الله لنقله إلى محكمة المدينة المنورة قاضياً بها بعد ست سنوات أمضاها في محكمة رابغ فسار سيرته في العدل والإنصاف وبعد سنة واحدة في عام 1372هـ صدرت أوامر الملك عبد العزيز بتعيينه إماماً وخطيباً بالمسجد النبوي الشريف إضافة إلى عمله في القضاء، وصار الشيخ الجبرتي يشترك مع إمام المسجد النبوي في الإمامة ومن ثم صار مساعداً ومعاوناً للشيخ عبد العزيز بن صالح في الصلوات الخمس ويشارك في إمامة صلاة التراويح والقيام، ومع بداية عام 1390هـ تلقى أمراً ملكياً بترقيته إلى قاض تمييز في محكمة التمييز بالرياض، ومنها إلى مجلس القضاء الأعلى وهيئة كبار العلماء وكان في كل موقع يحل به مميزاً في تعامله وإخلاصه ونصحه وحبه للقيادة ولمواطني هذه البلاد وللمسلمين عامة ويمثل في كل ذلك العالم التقي الورع النقي قولاً وعملاً ولا نزكيه على الله سبحانه وتعالى وخلال العام الهجري 1403هـ قدم طلباً لإعفائه من العمل لظروفه الصحية فاستجيب له وبقيت عضويته في هيئة كبار العلماء إلى عام 1412هـ وعند عودته إلى المدينة طلب الشيخ عبد الله بن زاحم إعادته للإمامة والخطابة بالمسجد النبوي الشريف، ومع بداية العام الهجري 1418هـ في السابع عشر من شهر المحرم وافاه الأجل المحتوم وصلت عليه جموع المصلين بالمسجد النبوي الشريف ووري جثمانه بقيع الغرقد وتحققت بذلك أمنيته التي طالما تمناها أمام طلابه
وعارفيه رحمه الله رحمة الأبرار وأسكنه فسيح جناته .

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.