عبد الله سلامه الجهني
محمد بن صالح البليهشي

واحد ممن عرفهم الوسط التربوي بإخلاصه وطموحاته، وممن عرفتهم الساحة الأدبية بصدقه ودقة تعبيره، كان رحمه الله قمة في النزاهة والشموخ والإباء رغم كل الظروف التي أحاطت به ورغم كل الآلام التي كان يعاني منها، عرفه أصدقاؤه ومحبوه منذ نعومة أظفاره يؤمن بالقيم الإسلامية ويقدس مبادئه ومثله ويكافح من أجلها بصلابة المسلم وقوة المؤمن وشموخ العربي الصميم، يعتز بتراثه وأصالته مهما تكاثرت المغربات وتلونت أساليب المغالطين والمقلدين، وكان رحمه الله تعالى من أصحاب المواقف الذين يؤمنون بمواقفهم بعد قناعتهم بها وبصوابها ويقنع الآخرين بها بحجة دامغة ودليل قاطع ولا يحيد عن موقفه مهما كانت الظروف والأسباب.
عرفته يرحمه الله من اسمه قبل أن أراه، حيث كنت في مكتبة طيبة الثانوية بالمدينة المنورة وفي مطالعات لما تحويه من كتب لمحت مجلة مرأة البعثات السعودية وهي مجلة كانت تصدرها إدارة تحضير البعثات وتحفل بالعديد من الموضوعات الشيقة والبحوث الرصينة والمقالات الممتعة، ورأيت أن أحد المسؤولين عن المجلة (عبد الله سلامة الجهني بل المشرف الأول عليها، ولا أدري كيف ترشح في ذهني هذا الاسم من بين الأسماء الأخرى ولماذا حفظته دون غيره؟ وتمر الأيام فإذا بي أرى الشيخ عبد الله سلامة الجهني نفسه بالمدينة المنورة فعرفته واجتمعت به في كثير من المواقف، وعرفته من خلال لقائي به في المسجد النبوي الشريف وهو في مكتبة الشيخ عارف حكمت والمكتبة العامة بالمدينة بجوار المسجد النبوي والنادي الأدبي بالمدينة المنورة، لأن هذه الأماكن هي مواقع وجوده في جميع الأوقات ما عدا وقت نومه وطعامه القليل، عرفت من خلال ذلك حبه لكتاب الله تعالى تلاوة وتمعناً وتدبراً وتفسيراً، ولا نزكيه على الله وعشقه للمعرفة بكافة صورها وألوانها مع تفنيدها وتمحيص ما هو صالح منها للشباب وما هو غير ذلك ويندر أن تجده يرحمه الله إلا وبصحبته كتاب.
عرفت الشيخ عبد الله دائم البحث في تراث أمة الإسلام دائم الإعجاب بأبطال المسلمين وعلمائهم ومفكريهم وقادتهم يؤمن بمثل هذه الأمة ومبادئها وأحقيه قيادتها للعالم، وكم يتألم وكم يعتصر قلبه حزناً عندما يرى بعض شطحات الشباب وبعض إعجاب فئة منهم ببريق حضارة الغرب الزائفة وكم يزيد ألمه عندما يرى بعض شباب المسلمين يقلدون غيرهم ويعرضون عن دينهم.
عرفت الشيخ الجهني أبياً شامخ النفس لا يرضى أن يذل نفسه أو يحط من قدرها بتأثير أي إغراء أو بريق، وهو لا يحب المال ولا يسعى إليه ولا يبحث عنه ويؤمن إيماناً كاملاً بأن المال والدنيا متاع زائل. عرفته يرحمه الله ذا أصالة وانتماء لهذا الدين ولهذه الأرض ولبني جنسه وقبيلته وعلى الرغم من نحافة جسمه وقلة ذات اليد كان يصل أقاربه ويسافر إلى موطنه في ديار جهينة ويرتبط بهم ثم يعود للمدينة حيث لا يرغب أن يسافر منها إلا نادراً. وعرفت من حياته أنه من أوائل رجال التعليم في المملكة وكان ضمن الدفعة الثانية من البعثات السعودية إلى مصر وهو يحمل ليسانس اللغة العربية والعلوم الإسلامية من جامعة القاهرة دار العلوم ولديه دبلوم في علم النفس من المعهد العالي للمعلمين في الإسكندرية، وبعد عودته في حوالي عام 1378هـ عمل مدرساً في المعهد العلمي السعودي بمكة المكرمة ثم مديراً عاما لإدارة البحوث بوزارة المعارف ثم ملحقاً في لبنان ثم عاد لوزارة المعارف بوظيفة خبير تعليم وكان يرغب في مواصلة عمله الوظيفي وأداء رسالته لولا ظروف مرضية واجتماعية أحاطت به جعلته يزهد في الوظيفة ويتفرغ للبحث والتأليف.
كانت لديه آمال بعد استقراره بالمدينة المنورة أن يصدر سلسلة أنساب العرب التي أصدر منها كتاباً واحداً حتى الآن، إضافة إلى أن لديه كتاباً آخر اسمه أفكار بيضاء وله العديد من الرسائل وبعض كتيبات التفسير التي كان يصدرها على هيئة رسائل صغيرة حيث صدر منها تفسير سورة الفاتحة وتفسير سورة الماعون وكتاب نظرة عالمية للإسلام، وقد سألته مرة عن إصراره على إصدار هذه الكتيبات بهذا الحجم فقال رحمه الله في هذا العصر لابد أن تسهل للشباب ما نريد منهم أن يقرؤوه جرياً مع هذا العصر عصر السرعة وحساب الوقت وخفة وسرعة ما يقرأ مهمة المربين والمفكرين وإذا أردنا من شبابنا أن يقرأوا ما نكتب وأن يستوعبوا ما نقول فعلينا أن نهيء لهم ذلك بصورة لا تمل ولا تثقل وكانت لديه أفكار كثيرة وطموحات ليس لها حدود وكلها تنحصر في مجال العلم والمعرفة العلم الرصين والمعرفة بمجالاتها المختلفة التي تعمق المفهوم الإسلامي لدى الشباب وتعرفه بدوره في هذه الحياة، أما إن دخلت معه في مجال الأصالة والأنساب فستجد الباحث المتعمق الذي يسأل عن كل صغيرة وكبيرة ويرجعها إلى ما عنده من مخزون عميق ثم يعود لك ساعتها أو بعد وقت يطول أو يقصر ليفيدك بالمعلومة الصحيحة المدعمة بالدليل والبرهان الواضحين
لقد أحب الشيخ عبد الله سلامة الجهني المدينة المنورة واستقرت نفسه بها وحرص على عدم الخروج منها وكم تمنى أن يموت بها.
ولازم مسجد المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث وجدت نفسه راحتها في الصلاة بالروضة الشريفة طيلة مدة استقراره في هذه البلدة المباركة والتي زادت على خمسة عشر عاماً من الزمن كان فيها عيشه كفافاً وقد تغلب على آلامه بملازمة المسجد النبوي الشريف وتلاوة كتاب الله تعالى والبحث والاطلاع وهذا توفيق لا يماثله توفيق. وكان يرحمه الله دائم التردد على النادي الأدبي بالمدينة المنورة يحرص على الاستماع المحاضرات النادي، بل ويشارك في التعليق على المحاضرات والندوات وكان آخر محاضرة اشترك في التعليق عليها محاضرة أقامها النادي عن الإعجاز في القرآن الكريم وليلتها تحدث الشيخ الجهني عن واجب المشرفين والمربين للشباب بحديث صادق مليء بالحماس والغيرة على الشباب وأوضح طرق التربية وسائل الإشراف.
وقبل وفاته عليه رحمه الله تعالى بأسبوع، أتى إلى النادي الأدبي بالمدينة المنورة وكنت أحد مسؤوليه، وتحدث حديثاً طويلاً عن المدينة وتاريخها ثم تطرق إلى بحوثه في الأنساب وتحدث عن جهينة قبيلته وما لها من مواقف في صدر الإسلام وتسلسل نسبها. وكم تمنيت تسجيل حديثه في تلك الليلة لأنه كان حديثاً شيقاً وتاريخاً يجب الاحتفاظ به، وفي نهاية حديثه طلب منحه بطاقة عضوية من النادي الأدبي وسلمني صورته ومعلومات البطاقة فجرى إعدادها ولكنه توفي يرحمه الله تعالى ولم يستلم البطاقة. وتوفي الشيخ عبد الله سلامة الجهني في يوم الخميس التاسع من شهر جمادى الأولى من عام 1409هـ رحمه الله رحمة الأبرار وأسكنه فسيح جناته.






