عبد الله بن سليمان العويد
محمد بن صالح البليهشي

هذا الرمز (عبد الله بن سليمان العويد الذي سمى نفسه طامي واحد من العباقرة النوابغ الذين ظهروا في الثمانينيات الهجرية من القرن الماضي من مواليد 1343هـ في بريدة بالقصيم ودرس في الكتاب وحفظ القرآن الكريم في سن العاشرة وامتاز بين أقرانه بذكائه المتقد وعبقريته المميزة وطموحه الذي ليس له حدود، وفي الستينات الهجرية سافر مع تجار (العقيلات) إلى الأردن والشام وهناك التحق بالجيش البريطاني بالأردن ونال قسطاً من التعليم العسكري والتدريب الميداني، ثم التحق بالجيش الفرنسي بدمشق وتكونت لديه ثقافة عسكرية عالية، وتعلم فنون الجندية الصحيحة ونال قدراً كبيراً من الثقافة العسكرية في شتى فنونها، ودخل عالم الإلكترونيات والأسلحة بمختلف أنواعها، والمتفجرات بجميع أشكالها، واستوعب بذكائه وفطنته من العلوم العسكرية ما أهله لمنحه رتبة ضابط، حيث أذيع اسمه في الحفل الذي أقيم في دمشق ضمن كوكبة الضباط الذين منحوا رتباً عسكرية، وحضر ذلك الحفل الأميران فيصل ومنصور أبناء الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل رحمه الله تعالى، واطلعا على حصيلته الثقافية العسكرية والشهادات والدورات التي اشترك فيها فدعاه الأمير منصور رحمه الله تعالى إلى المملكة وكلف القنصل السعودي بإنهاء إجراءات عودته، وتم ذلك وعاد الضابط (عبدالله العويد) إلى المملكة وزار والدته وتجول في شوارع بريدة ثم اتخذ الرياض مقراً لإقامته وبقي هاجسه في التعامل مع الأجهزة الإلكترونية هوايته المفضلة، وافتتح ورشة للمذياع والراديو في أحد أسواق الرياض ووجد معارضة من البعض في ذلك الوقت وكان عدد أجهزة الراديو في المملكة محدود جداً وكانت ضريبة الراديو في ذلك الوقت عشرة ريالات ثم ألغيت الضريبة بأمر الملك، وانتشر المذياع في كافة أنحاء البلاد، فما كان منه إلا أن حج وافتتح ورشة له للإلكترونيات في سوق المعلاة بمكة المكرمة. ومع تعامله مع الأجهزة كان يطور هوايته يوما بعد يوم وانتشرت أجهزة الإذاعة في بعض المدارس وعاد للرياض في العام 1381هـ ونتيجة لنبوغه عرضت عليه بعض الشركات عروضاً لشراء أجهزته السلكية واللاسلكية. ولكنه امتنع عن التعامل معها، وفي ليلة من ليالي العام الهجري 1381هـ ومع شح الاستماع للإذاعات العالمية وقتها سوى الإذاعة المصرية وإذاعة صوت العرب وإذاعة بغداد استمع أهالي مدينة الرياض بعد العشاء إلى صوت إذاعي من جهاز الراديو يقول: هنا إذاعة طامي الوطنية بالرياض يقدم برامجها (أنا) وإذا بالصوت واضحاً واللغة محلية محببة إلى النفوس. ذلك بعد استئذانه من الجهات الرسمية ومنحه الملك سعود رحمه الله تعالى عشرة آلاف ريال وأصبحت إذاعة طامي تسمع في بث تجريبي لمدة شهرين ثم استمرت بواقع عشرة ساعات في اليوم، يبدؤها يومياً بالقرآن الكريم، ثم فقرة دينية من أحاديث الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى وبعد ذلك الإعلانات التجارية، وإذاعة بعض المفقودات كمحفظة فلان وبقرة فلان واعتداء غنم فلان على مزرعة آخر وهكذا ثم يعقبها بالأغاني المسجلة على أسطوانات ويعمد إلى إذاعة أسماء الطلاب الراسبين في المدارس لأن الناجحين كانت تنشر أسماؤهم في جريدة البلاد والندوة، وأحيانا يلجأ إلى قراءتها لمن لم يستطع شراء الصحف المذكورة أو لا تصل الصحف إلى مناطقهم، وبلغ من حنق الطلاب الراسبين الذين يعلن رسوبهم في الإذاعة ويسمعها القاصي والداني إلى أن اعتدوا على سيارته فأعلن ذلك الاعتداء على سيارته وقال: سوف أترككم للزمن ووضع أغنية أم كلثوم احسيبك للزمن، وهذه في كل مرة يتأذى من إعلان أسماء الراسبين وعدم رضا من يذيع أسماؤهم ويعيد هذه المقولة والأغنية ويتحمل الأذى وإصلاح سيارته ولم يتراجع عن منهجه في إذاعة أسماء الراسبين.
واستمر طامي) في إذاعته يذيع مواده وعباراته العفوية بلغته وأصبح لإذاعته الكثير من المستمعين والمعجبين والمتابعين ووصل بث إذاعته إلى مدن الخليج والشام وإيران ومصر وغيرها. وكنا في قريتنا نحرص على سماع إذاعة طامي في أوقاتها المحددة وعندما عاد الملك سعود يرحمه الله تعالى من رحلة علاجية واستمع لتلك الإذاعة أعجب بها وبطرافة ما يذاع بها منح صاحبها مبلغ خمسة آلاف ريال وسيارة، فاستأجر شقة في أعلى عمارة بالرياض بشارع الوزير وأصبح يبث برامج إذاعته منها، وتشجع رمزنا طامي لعمله هذا ووظف شخصين لمتابعة طلبات المستمعين التي كان يذيعها بنفسه في برنامج ما يطلبه المستمعون وعندما يحين موعد الغداء أو العشاء يقول بكل أريحية أترككم مع فاصل غنائي حتى اتغدى أو اتعشى ويضع اسطوانات أغان تستغرق مدة غيابه أو تزيد
ويفتتح برامج إذاعته بقوله : (مستمعي الكرام أحييكم أطيب تحية وأحيي هذا اللقاء مرة ثانية، فبالروح الوطنية أرجو التكرم بإبلاغي بما تسمعون وتعلمون من هذا الصوت من حيث القوة والزمن والبعد عن الرياض وإني أعلم أن إرسالي يصل إلى ما وراء البحار ولكني بحاجة إلى شهادتكم فكلنا خدام لهذا البلد الطاهر بمقدساته وحكومته الوطنية، ويستغرق برنامج ما يطلبه المستمعون نصف وقت الإرسال تقريباً، وليس هناك خطة لما يذاع بل كانت فقرات برنامجه اليومي عفوية وتتخللها الفكاهة من أخبار المناطق وأخيار الجيران والمعارف والأصدقاء والمستمعين، وعند نشرته للأخبار التي يجمعها من قصاصات الصحف على قلتها وما يصله من أخبار المناطق وأخبار الجيران وتفاصيل ما يحدث بين أصحاب المزارع من بدايات الزرع إلى يوم الحصاد يقول في بدايتها : (إليكم نشرة الأخبار يقرؤها أنا وهكذا استمرت إذاعة طامي لمدة ثمانية وعشرين شهراً وفي العام 1384هـ حينما تأسست إذاعة المملكة العربية السعودية ذهب طامي لصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز حينها كان أميراً للرياض وقتها فحياه سموه وقال له: الآن انتهى دورك بتأسيس الإذاعة السعودية ومنحه خطاب شكر ومكافأة مالية ووجه وزير الإعلام بتوظيفه بالوزارة، ولكن عدم وجود الشهادات معه حال دون ذلك لإعطائه الوظيفة التي تناسبه فوجه صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير الرياض آنذاك بشراء أجهزته البسيطة التي كان يعمل عليها بمبلغ خمسين ألف ريال، وهذا المبلغ في ذلك الوقت كبير جداً، ووجه صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز يرحمه الله تعالى بتوظيفه في أحد أقسام وزارة الدفاع وبقي على تلك الوظيفة بالوزارة حتى وفاته في عام 1420هـ رحمه الله تعالى وأجزل له المثوبة والأجر.
وخلال وجوده موظفاً بوزارة الدفاع أصبح ( طامي ) يتعامل مع الأجهزة السمعية والبصرية ومكبرات الصوت التي عملت دورها في توجيه الحجاج وسماع الأذان والإقامة والتكبير في العيدين وفي عام 1392هـ حول مروحة السقف بالمسجد الحرام إلى ما يشبه (المكيف) فيما بعد، وتعددت ابتكاراته واختراعاته التي كانت في وقتها تعد من الغرائب في عالم الإلكترونيات وغيرها.
وهكذا كانت إذاعة طامي الوطنية بالرياض لصاحبها والمتعامل معها وحيداً المبدع عبد الله العويد ذكرى جميلة يذكرها جيل الثمانينات من القرن الماضي بحداثتها وطرافتها وواقعها المميز وغرابة ما بثته من فقرات إذاعية في حينها وجهود ذلك الرجل العبقري الموهوب الذي أوجد إذاعة بتجهيزات بسيطة تخطت بأثرها مساحة المملكة تقريباً وتعدت بسماعها ما وراء البحار
ويذكره جميع الراسبين الذين كان يذيع أسماءهم عبر الأثير وقد ذكرني أحدهم في مجلس من الأفاضل ونحن نستعرض بعض ذكريات تلك الأيام الجميلة حينما سمع اسمه ضمن طلاب مدرسته الراسبين وقد كان الخبر مفاجئاً له وأسقط في يده لأنه موهم أسرته بنجاحه في اختبار الشهادة الابتدائية.
فرحم الله طامي) العبقري وسلام على تلك الأيام المتدثرة بالعفوية المشرقة بالبساطة والحب والانسجام.






