الشيخ عبد الله بن سعد السديري

محمد بن صالح البليهشي

الشيخ عبد الله بن سعد السديري
الشيخ عبد الله بن سعد السديري

في يوم الأربعاء الثامن والعشرين من شهر صفر عام 1355هـ استقبلت المدينة المنورة معالي الشيخ عبد الله بن سعد السديري والياً عليها وكيلاً لإمارتها) بعد صدور أمر جلالة الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله تعالى القاضي بذلك. حيث رأى بثاقب نظره ومن خلال ما يكنه لمدينة المصطفى من تقدير وحب وإجلال أن الشيخ عبد الله السديري هو الأنسب من الرجال الذين يعتمد عليهم ويوكل إليهم بالمهمات الجسام لمعرفته به إدارة وحنكة ودراية ولما يعلمه من ذلك الرجل من تقدير للمدينة وأملها وسياسة الأمور فيها.

وعند وصوله إليها في ذلك اليوم اصطف أهالي المدينة على جوانب الطرق الموصلة إلى المسجد النبوي الشريف وشارك في الاستقبال المدرسون وطلاب المدارس، وما أن وصل موكبه حتى حينه الجماهير ورحبت به وتوجه من فوره للمسجد النبوي الشريف للصلاة فيه والسلام على نبي الهدى عليه الصلاة والسلام وصاحبيه، ثم توجه إلى مقر الإمارة حيث أتاه المواطنون مرحبين
بقدومه ومسلمين عليه وداعين له بالتوفيق والسداد في مهمته الجديدة. وفي المساء أقام أهل المدينة حفلاً ترحيبياً بواليهم الجديد في عقر ميدان الملك عبد العزيز حالياً في باب العنبرية، ألقيت فيه الكلمات المعبرة والقصائد الرائعة فرحة وتفاؤلاً بقدومه واستمع الحاضرون إلى خطاب جلالة الملك عبد العزيز آل سعود القاضي باختيار (السديري) وكيلا للإمارة قرأه عليهم رئيس البلدية. وليلتها ألقى الأستاذ علي حافظ قصيدة ترحيبية قال فيها :
تحييك من دار الرسول عيونها
وفتيانها حتى الربي وعيونها
وتخطو لرؤياك النفوس كأنها
من الشوق نشوى فاترات جفونها
وترجو لك التوفيق في كل موقت وأن يحكم الأعمال عدل يصوتها
فقد أحسنت فيك المدينة طنها
وآمالها أن لا تخيب ظنونها .
حنانيك فاعطف يا أمير بنظرة
لها من سجايا الرفق عطف يزينها

ورمزنا اليوم "الأمير عبد الله بن سعد السديري" من مواليد مدينة الغاط عام 1322هـ كما دون في هويته حفيظة النفوس"، ونشأ في كنف والده الشيخ سعد بن عبد المحسن السديري وبين إخوانه إي نايف وناصر وفهد وعبد المحسن)، ودرس في كتاتيب مدينة الغاط وحفظ أجزاء من القرآن الكريم ودرس الحديث على علماء ومشائخ المنطقة، ويوم أن توفي والده وكان أميرا على الغاط تلقى أهل الغاط خطاب جلالة الملك عبد العزيز لهم بتعيين ابنه عبد الله أميراً عليهم برسالة قال فيها:
امن عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل إلى كافة أهل الغاط سلمهم الله تعالى
امين ...
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته على الدوام بعد ذلك من طرف عبد الله بن سعد السديري" أمرناه فيكم وأوصيناه يتقوى الله تعالى تعالى : وتقويم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتقويم حدود الله وهو إن شاء الله فيه بركة نرجو أن الله يوفقنا وإياه للخير ...
هذا مالزم تعريفه والسلام 23 / 2 / 1337هـ.)

وفي العام الهجري 1349هـ تلقى خطاب الملك بتعيينه أميراً على تبوك، حيث بقي فيها ست سنوات، وفي عام 1355هـ صدر أمر جلالة الملك عبد العزيز رحمه الله بنقله وكيلا لإمارة المدينة المنورة وبقي فيها 24 عاماً حتى وفاته في عام 1379هـ، وحظي الشيخ عبدالله السديري بثقة الملك عبد العزيز طوال حياته وقد وجد فيه الملك حرصاً وإخلاصا وحباً ووطنية ولذلك كان دائم السؤال عنه يرحب بقدومه إليه كما ورد في رسالته المؤرخة في 1/12/1343هـ ورسالته المؤرخة في 23/4/1342هـ ويبعث بسلامه إلى والده الشيخ سعد السديري عن طريقه كما ذكر في خطابه المؤرخ في 12/3/1344هـ ويشكره على تعزيته في وفاة الإمام عبد الرحمن رحمه الله تعالى بتاريخ 6 / 11 / 1347هـ وقد ورد فيه قول الملك
عبد العزيز رحمه الله: ... الخط المكرم وصل وما عرفت كان معلوم خصوصاً تعزيتكم في سيدي الإمام الحمد لله هذا يومه الموعود وأجله المحدود ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.
الحمد لله رب العالمين إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيرا منها. اللهم اخلفه علينا بعز الإسلام والمسلمين واخلقنا عليه برضاك والجنة.
هذا ما لزم مع إبلاغ السلام العزيز لديك ومن عندنا العيال يسلمون 16 محرم 1347هـ .)

وهناك العديد من الرسائل من الملك عبد العزيز التي تصل إلى الشيخ عبد الله السديري لإخباره ببعض الأمور أو لنقل البشارة إليه بنصر وفتح جديد أو بأوامر منه رحمه الله لتنفيذها. أو إيصالها إلى جهات معينة مما يدل على أن عبد الله السديري أحد رجالات الملك عبد العزيز الذين يعرفهم ولهم مكانة لديه ويوم أن سار ركب الملك عبد العزيز من الرياض إلى مكة مع بدايات دخول جيشه الحجار ذكر الشيخ يوسف ياسين في تلك الرحلة الملكية كبار من كانوا مع الملك عبد العزيز، ومنهم عبد الله السديري وإبراهيم السبهان وعبد العزيز بن إبراهيم وحمزه غوت) وغيرهم من كبار القادة من كافة الأعيان وشيوخ القبائل إضافة
إلى 300 هجان

وخلال زيارات جلالة الملك عبد العزيز إلى المدينة في الأعوام من 1344هـ إلى بدايات الخمسينات الهجرية من القرن الماضي، رأى بثاقب نظره وبما للمدينة المنورة من مأرز الإيمان ومنطلق الفتوحات الإسلامية ولما تحظى به هذه المدينة المقدسة من عظيم قدر لديه ولدى كل المسلمين أن يولي عليها الأمير عبد الله السديري لما يعرفه عنه من بعد نظر ودماثة خلق وحب للمدينة وأهلها وقداستها، فأتى إليها بعد أن أوصاه بها وبأهلها خيراً في بدايات العام الهجري 1355هـ، فكان اختياره موفقاً حيث امتاز السديري وهو يدير شؤون المدينة برجاحة العقل وبعد النظر والقدرة على التصرف في كافة الظروف والمواقف، وعُرف عنه أهل المدينة الحزم في غير عنف واللين في غير ضعف وإنزال الناس منازلهم والمرونة والدبلوماسية مع حسن المنطق والعدل والمساواة، وعرفوا عنه احترام هذه المدينة المقدسة وتعظيم قدرها ونشر مبادئ الإصلاح بين
مواطنيها والمحيطين بها.

وقد حرص العلم الرمز الشيخ عبد الله السديري رحمه الله تعالى على أن يكون له حضور في كل أمر يخص المدينة ويحقق لها تقدماً في كافة مجالاتها، ففي التعليم كان تشريفه لافتتاح مدارسها ورعاية حفلاتها ومناسبات التخرج من مدارسها، وفي الشؤون الاجتماعية كان دائم التطلع إلى كل ما يحقق فائدة لمجتمعها وترابطاً لأهلها، وفي باب تمثيل الدولة في الضيوف الذين يزورون المدينة من مختلف أقطار الدنيا كان السديري أبو سعد) أول المستقبلين والداعمين لكل بادرة تطوير أو تشريف للمدينة المقدسة ويوم أن وصلت موافقات الملك عبد العزيز على صدور مجلة المنهل وجريدة المدينة المنورة كانت فرحته كبيرة ووقوفه مميزاً مع أصحاب هاتين الوسيلتين الإعلاميتين اللتين حظيت المدينة بموافقة الملك على صدورهما من المدينة المنورة، وعندما أقامت جريدة المدينة المنورة حفلها في عام 1356هـ الذي هو فرحة بصدور أول أعدادها قام وكيل الأمير السديري برعاية ذلك الحفل الذي تباري الأدباء والشعراء في إلقاء كلماتهم بتلك المناسبة السعيدة ومن بين تلك المشاعر المعبرة التي استمع إليها وصفق لها الحاضرون تلك القصيدة الرائعة التي نظمها معتمد المعارف وقتها الأديب الشاعر ضياء الدين رجب والذي قال فيها:
يا صفوة الشعب بل يا صفوة الأمم
في بقعة في متوى الجود والكرم
ويا أميراً غدا إكليل نهضتها
يحكى نضارتها في الأعصر القدم وأتيتها وعطفت اليوم فابتهجت
وهلنت بيننا خفاقة العلم
عاش المليك ممن أيها صنائعه
هذا الأمير مثال الفضل والنعم

وفي حفل المدينة المنورة بمناسبة عيد الفطر المبارك الذي رعاه الأمير عبد الله السديري وقف شاعر المدينة السيد عبيد مدني وألقى قصيدته بتلك المناسبة.
وقال الراعي الحمل
تبلغ العيد فاستقبله مبتهجاً
فإن خطك بالإقبال موفور
وارفل بغبطته واستجل طلعته
وأنت فيه بما ترجوه مسرور
واستثمر لمجد في (سعد) وأخوته فإن فيهم ومنك الجد مأثور
واهنا بعزك في ظل المليك وفي
عطف الأمير وهذا العز مخفور

وهكذا عاش (رمزنا) الكبير في طيبة الطيبة يقيم فيها قواعد العدل ويعيش بين أهلها كواحد منهم حباً وتقديراً وإيثاراً واحتراماً ويرعى تطورها في كل مناحيها طيلة أربعة وعشرين عاماً، وقد شرفه الله برعاية ومتابعة أول توسعة للمسجد النبوي الشريف حتى وافاه الأجل المحتوم في العام الهجري 1379هـ وكان تفقده في المجتمع المدني الأثر الكبير لأن حبه وتقديره قد سرى في نفوسهم وأخذ مكانه بينهم وصار منزله ومكتبته ومزرعته مرتعا للقاءاتهم ومشوراتهم تحت قيادته
وتوجيهاته.

وعندما توفي رحمه الله تعالى صدر الأمر الملكي الكريم بترشيح ابنه الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله السديري وكيلا للإمارة بدلاً من والده وقد سار سيرة والده في خدمة المدينة وأهلها وجميع القبائل المحيطة ورعاية مصالحها وتطوير شؤونها مدة إمارته التي امتدت إلى تعيين صاحب السمو الملكي الأمير عبد المحسن بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أميراً للمدينة في عام 1385هـ وقد بارك الله في عمره وعاش في ربوع طيبة الطيبة لا يرغب سواها سكنا وإقامة حتى وافاه الأجل المحتوم في اليوم السادس من شهر ذي الحجة من عام 1440هـ وصلي عليه بالمسجد النبوي الشريف عصر اليوم التالي الخميس ودفن في بقيع الغرقد بالمدينة المنورة رحمه الله تعالى رحمة الأبرار وبارك الله في ذريته وفي إخوانه وذراريهم جميعاً.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.