الشيخ عبد الله بن حمد بن عبد الله الحاسري

محمد بن صالح البليهشي

رمزنا اليوم هو الشيخ عبد الله بن حمد بن عبد الله الحاسري. أحد قضاة الشرع في وادي الفرع في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري، ذاع صيته وعرف بالقضاء والفصل بين الناس، وصار مجلسه من المجالس التي لا تكاد تجد فراغا لما عرف عنه من القضاء والحكمة والإصلاح بين الناس. وقد تعلم القضاء والأحكام الشرعية في مجلس والده الشيخ حمد بن عبد الله الحاسري، الذي حرص على وجود أبنائه عبد الله ومحمد صالح باستمرار في مجلس قضائه وتقاضي الناس لديه. كما حرص الشيخ حمد بن عبد الله الحاسري على تعليم أبنائه وتحفيظهم القرآن الكريم وتدريسهم للأصول الشرعية التي تعلمها، وصار يحكم بمقتضاها حرصا منه على أن يكون أبناؤه على درجة كبيرة من الفقه والعلم ومسالك القضاء، لأن البيت بيت علم وقضاء ودراسة وأدب. ومن هنا كان لأبيهم الشيخ حمد بن عبد الله ذكر في عموم وادي الفرع، وقد اطلعت على العديد من القضايا التي عرضت عليه في وقته، وأعجبت بمناقشته لأطراف القضية وكمثال لمساره في تمحيص الدعاوى ومعرفة أطراف القضية. بحيث يتحقق العدل والإنصاف وكعادة القضاة في ذلك الزمن في الوادي، يبدأ تسجيل القضية بحمد الله وحده، وبعدها يكتب: (أقول وأنا حمد بن عبد الله الحاسري، بأنني قد وصلوني مشاجر طلبة ، ويذكر الأطراف، ثم يقول : ادعى المدعي في الجديه اللي كلنا فيها سوية، ولا أحد يزيد على أحد إلا بفضية أو مشتري نقدية"، وبسؤال المدعى عليه أفاد أنا واضع اليدين على ما عقبوا الوالدين الذي معي عليها قرمية وهجرة أنبوية)، وأجاب المدعي: الهجرة الطق يبراها والحجة مشقوقة شقها، بعدها جاها قضاها وشظاها، وحجة الرضا موجودة عندهم إن أقرها زين وإن أنكرها يعطى عليها ليتين. إني لا خبرها من الكبار ولا لقاءها في الأنوار)....
وهنا قال القاضي حمد بن عبد الله الحاسري: (قريت الحجة أمامهم، وقال: المدعي هذه حجة مشقوقة شاقتها، الطلبة التي بعدها... ويعقب القاضي بقوله: رديت المدعين لشاهدين أو لنور زين على ما ادعى به واكلل). ثم أوجبت على المدعى عليه يمين بالله أنه لا خبر ولا خبر بما ادعوا به لا في الأنوار ولا من الكبار، ولا خبر للمدعي شيء، وغطة... وكان من عادة القضاة في تلك النواحي أن يوجدوا أثناء القضية رجالا عقلاء مصلحين حيث يتدخل المصلحون في المجلس الذي يعرض فيه الصلح بحيثيات معينة، بعدا عن الحلف)، فإن وافقوا على الصلح فيحصل التراضي وبموجبه تتم الكتابة وذكر الشهود، وأمر القاضي بهذا
تنتهي القضية... وإن لم يرضوا تسير القضية مع مسارها..... في مثل هذا السياق، حرص الشيخ حمد بن عبد الله على حضور أبنائه عبد الله بن حمد ومحمد صالح بن حمد الحاسري المجلس القضايا التي يناقشها أبوهم. فصار مجلس قضائه درسا من الدروس العملية التي استوعبها الأبناء عن الآباء....
وبعد وفاة الشيخ الكبير حمد بن عبد الله، تولى عبد الله بن حمد الحاسري مكان أبيه في القضاء، فصار الشيخ عبد الله بن حمد الحاسري هو القاضي بجانب القضاة الآخرين في وادي الفرع. ووصلت سمعة علمه، وقضائه إلى نواحي رابغ ومستورة وحجر، وتناقل الأعراب قضاء عبد الله بن حمد الحاسري وفي الخطاب التالي من الشيخ محمد بن حضيض، شيخ قبائل بني يزيد في حجر، يثبت ما للشيخ عبد الله بن حمد من سمعة وثقة ومعرفة في تلك النواحي. يقول الشيخ محمد بن حضيض رحمه الله في خطابه المؤرخ في عام 1333هـ : الحمد لله وحده.. إلى حضرة المكرم العزيز عبد الله بن حمد الشرع سلمه الله، أمين. وبعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد السلام تخبرك بأن وصلونا شومي وعياد في طلبة مواريث بينهم، ودفعناهم إليك.... عياد يقول معي حجة، وشومي يقول عندي إنكار في الحجة فلحين، دفعناهم إليك، وفي نظرك كفاية وما تشوف بينهم. راعي الحق أعينه وراعي الباطل أديره، وعرفنا بجواب فيما تفصل بينهم، وراعي الصادر عطه، سجله هذا، ويطول عمرك باقي والسلام من محمد بن حضيض الشيخ، وعبد الهادي بن موسم ومنور بن صمعون، ولافي المرعشي ويرد عليك السلام، راقم الخط موسم بن عبد الهادي المزارقي في السابع من رمضان )1333هـ
وفي هذا القول من ابن حضيض، شيخ قبائل بني يزيد ما يدل على الثقة المطلقة في قضاء الشيخ عبد الله بن حمد الحاسري وانتشار سمعته ونزاهة أحكامه حيث ترك ابن حضيض مالديه من قضاة وأصحاب معرفة، واختار إرسال أولئك إلى ابن حمد في وادي الفرع مع وعورة الطريق وطول المسافة....
بعد وفاة الشيخ عبد الله بن حمد ، صار أخوه محمد صالح بن حمد قاضيا شرعيا في مكان أخيه وأبيه وجده، واحتل مركزه الذي أطلق عليه محمد صالح بن حمد الشرع)، فأضفى على الأسرة والبيت ما هو أهله من القضاء والعلم والحكمة. ومما يؤكد ذلك الخطاب الذي أرسله الأمير مقحم بن هنود إلى سمو الأمير مشاري بن جلوي، وكيل أمير المدينة المنورة أثناء تولي سموه وكالة إمارة المدينة المنورة في عام 1345هـ، حيث أكد ابن هنود في خطابه قوله: من مقحم بن هنود الأمير إلى حضرة جناب المكرم العزيز مشاري بن جلوي بن سعود السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. نخبرك من طرف.. وذكر أناسا معروفين لدى سمو الأمير، وقال الشيخ مقحم بأنه أوصلهم إلى شرع الوادي عند محمد صالح بن حمد الحاسري شرع الوادي، كما ذكر الأمير مقحم في خطابه لسمو الأمير وردهم الشرع لشهود ولم يحضر
الشهود، ثم ردوا ليمين بالله.. وانتهت القضية..)
والشاهد في هذا تأكيد الشيخ ابن هنود على شرعية محمد صالح بن حمد الحاسري، والأخذ بحكمه وإفادة الأمير بمسار القضية محل اهتمامه... ومن دلائل سعة علم الشيخ محمد صالح بن حمد وثقة المسؤولين به في ذلك الوقت أن الشيخ عبد الله بن زاحم، أثناء رئاسته للمحكمة في المدينة المنورة، في عام 1366هـ اختاره ليكون أحد أعضاء محكمة المدينة المنورة، ورفعت المعاملة إلى رئاسة القضاء، ولكن الشيخ بن حمد عدل عن رغبته وبقي قاضيا في منطقته محتسبا كأسلافه، وبعد وفاته تولى الشيخ هوصان بن عبد الله بن حمد القضاء والفصل في الخصومات حتى وفاته.....
وأخيرا كان للشيخ عبد الصمد بن أحمد بن عبد الله بن حمد موقف في القضاء والإصلاح والحكمة طيلة حياته.... وانتهج الشيخ عبد الصمد رحمه الله القضاء وبذل المعروف والإصلاح بين الناس بحكمة وبصيرة وسياسة في تقبل المواقف واحتواء المشاكل... وعرف عنه الحيادية المطلقة وعدم المجاملة في
قول الحق والمعرفة بشؤون القبائل ومداخلاتها ومشاكلها وخصائص أمورها. وقد جمع الشيخ عبد الصمد معرفة تامة بشؤون الشريعة والأعراف القبلية، مما نال به ثقة المجتمع في طول وادي الفرع وعرضه، ما جعل المسؤولين يثقون به في اختياره للجان الإصلاح والعرف القبلي، والأخذ باستشاراته من قبل المحكمة في شتى الأمور، والاستعانة به في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعرف عنه التواضع وعفة يده ولسانه عن
كل ما يشين...
لقد مثل الشيخ عبد الصمد بن أحمد الحاسري بيت ابن حمد الحاسري خير تمثيل طوال حياته، رحمه الله ورحم أسلافهم كافة وكان أولئك الناس الطيبين في تلك الديار العامرة بالحضارة
والآثار والرجولة والشموخ والإباء.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.