الدكتور عبد الله عسيلان
محمد بن صالح البليهشي

عرفت الدكتور عبد الله بن عبد الرحيم عسيلان يوم أن أقام النادي الأدبي بالمدينة المنورة حفل افتتاح الملتقى السادس عشر للأندية الأدبية في المملكة العربية السعودية برعاية كريمة من صاحب السمو الملكي الأمير مقرن بن عبد العزيز أمير منطقة المدينة المنورة وقتها قبل أربعة وعشرين عاماً، وكان الدكتور العسيلان أحد المكرمين في ذلك الحفل وكنت يومها عضوا في مجلس الإدارة بالنادي الأدبي والمشرف على النشاط الثقافي وعريف ذلك الحفل الكبير، وفي الشهر الرابع من عام 1423هـ وبعد وفاة الأستاذ الشاعر محمد هاشم رشيد رحمه الله تعالى رئيس النادي الأدبي السابق تلقينا خطاب سمو الرئيس العام لرعاية الشباب باختيار الدكتور العسيلان رئيساً للنادي الأدبي خلفاً لرئيسه السابق، وخلال الفترة التي تشرفنا بها في رئاسة أبو هيثم وجدناه خير خلف لخير سلف، يقدر العاملين معه ويبادلهم الرأي ويسعى لكل بادرة ثقافية لهذا المنير الثقافي ويسعى جاهدا لتحقيق أهدافه وما تتطلع إليه الثقافة والمعرفة في طيبة الطيبة وهو محب لها وأحد أبنائها رباه والده على حبها وحفظ القرآن الكريم على يد مشائخها ودرس في مدارسها ورسمت أقدامه بصماتها في أحياتها ونهل من علم مسجدها العظيم - المسجد النبوي الشريف -
لقد بنى الدكتور عبد الله عسيلان جادته في مسار الثقافة والمعرفة بنفسه وتشكلت عبقريته الثقافية والبحثية من أروقة معهد المدينة العلمي واصطبغت حياته في بداياتها بهذه البلدة المباركة وتلونت تكوينا ونشأة بعروس الشمال حائل الطيبة والكرم عندما كان يرافق والدته (الحائلية) ورشف من لغة حائل الشمرية رشفات بقيت عالقة في أعماقه إلى اليوم وهو يتذكر أمه وجدته وجده وأخواله ويعتز بهم ويعتز أيضا بلغة الشبة). على ضفاف شعيب (عفنان) وروائح بيوت الطين وجذوع النخل وطعم المرقوق والقديد وسماع عواء الذئب وحركات الضبع وحسيس رياح الشمال الباردة وتذوق لغة (يا بعد حيي ويا عزوتي..) ولذلك قال فيها شعراً بعد أن استقام بيانه في قصيدة منها :
ماذا أحدث عن أهلي وخلاني
ماذا أقول لروحي وهي تلقاني
في حائل الخير والإبداع ناعمني صوت شجي يثير اليوم أشجاني
صوت يهدهد من سلمى إلى أجا يا حاتم الطي ذابت فيك الحاني
يا حائل الخير أنفاسي معطرة من طيبة النور أزجيها بتحنان
في فيك أهل وخلان آبادلهم
حيا بحب وإحساناً بإحسان
مرابع الحسن والإكرام معذرة
إن قصرت عن بديع الوصف أوزاني
أيام في صباه لم ينسها دونها في شعره وشعوره ولقاءاته ومحاضراته حضرت في ذاكرته ألواناً متمازجة مع حياة المدينة المنورة التي كانت ولا نزال ذات صلة بحائل الشموخ والمجد منذ القدم ومما يذكر التاريخ أن أول وكيل الإمارة المدينة بعد أن استظلت بمظلة الملك عبد العزيز آل سعود يرحمه الله تعالى كان الشيخ إبراهيم السبهان وهو من قبيلة شعر ومن الأسر العريقة في مدينة حائل الشامخة، ومن رفوف مكتبة الشيخ عارف حکمت والمحمودية ومكتبة المسجد النبوي الشريف زرعت في أعماق (رمزنا) اليوم البدايات الأولى للوعي بعالم المخطوطات وتعمقت تلك (الملكة) في كلية اللغة العربية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض وزادها رسوخاً وتوهجاً ذلك الحب الجارف للتراث والمخطوطات مما أوجد له جادة في سوق الأزبكية بمصر وتلك المفاون) في سوريا والهند وجهات أوروبا ورحاب مكتبة الكونجرس بأمريكا بحثا عنها وغراماً بها وحرصاً على الحديث لها واحتوائها لمكتبته الخاصة أو المكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود يوم أن كان مشرفاً عليها وعميداً لها.
لقد أشرقت قاعة الإمام محمد عبده في جامعة الأزهر في يوم الخامس عشر من رمضان في عام 1397هـ لمناقشة رسالة الدكتوراه للأستاذ الدكتور عبد الله العسيلان بعنوان تحقيق حماسة أبي تمام ودراسة لشروحها) ومنها تواصلت جهوده وانطلاقته في التحقيق والتراث الأدبي والثقافي في الداخل والخارج في عوالم التدريس والبحث والتحقيق مما أهله ليأخذ موقعه في المجلس العلمي لجامعته - جامعة الإمام محمد بن سعود -والمشاركة بجدارة في ندوة حمد الجاسر واللجان الثقافية في المهرجان. الوطني عام 1415هـ. وترشيحه لأمانة مجلس جائزة المدينة المنورة، ومن تم تكريمه بعد ترؤسه لمجلسها وجهوده في تنظيمها والإشراف عليها. واختياره لرئاسة المجلس العلمي في مكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة وترشيحه رئيساً لمجلة مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة عندما قرر المركز إصدار مجلة تعنى بالبحوث والدراسات العلمية الجادة حول المدينة المنورة من جميع جوانبها وفي أثناء ممارسة عمله بالجامعة مدرساً جرى اختياره لمناقشة أكثر من عشرين رسالة ماجستير ودكتوراه، ودعته الجامعة الأردنية لتحكيم بحوث ترقيه بها في عام 1418هـ وعندما تشرف باختياره عضوا في مجلس الشورى كانت له أراء مخلصة خلال فترة وجوده بالمجلس وقد زار بعض الدول الأوروبية وبرلماناتها مع أعضاء المجلس ومن مكتب تنسيق التعريب بالرباط بالمغرب حول المعجم العربي المتضمن ودوره في تنمية المصطلح العلمي كان للرمز) عبد الله عسيلان بحث مميز عن العلامة الباحث الشيخ. محمد ناصر العبودي رائد المعاجم بالمملكة العربية السعودية، وأثناء ممارسة دوره في إدارة النادي الأدبي بالمدينة المنورة جرى ترشيحه لرئاسة مجلس أمناء مركز الملك عبد العزيز الدولي لخدمة اللغة العربية، وشارك في اللقاء الوطني العاشر للحوار الفكري تحت عنوان التطرف وآثاره على الوحدة الوطنية ونال عضوية المجلس الاستشاري لمكتب تنسيق التعريب بالرباط في المغرب في خدمة اللغة العربية للرقي بها وتنمية أفق البحث اللغوي وتطويره، واختاره مجلس جائزة الكويت للتقدم العلمي في لجنة تحكيم الأعمال المقدمة للجائزة في موضوع التراجم في الفنون والآداب في عام 1999م، وأشاد به معهد المخطوطات العربية في القاهرة وتم اختياره شخصية العام التراثية في عام 2015م للعناية بالتراث تحقيقاً ونشرا تقديرا لجهوده العلمية المتميزة في كتابه تحقيق المخطوطات بين الواقع والمنهج الأمثل وفي الحفل الذي أقيم بهذه المناسبة تحدث الدكتور العسيلان عن رحلته الثرية مع المخطوطات، وفي الأزهر بالقاهرة شارك الدكتور العسيلان في مؤتمر الأزهر العالمي للسلام في رجب عام 1438هـ. ومن دائرة الثقافة والسياحة في أبو ظبي شارك في مؤتمر المخطوطات العربية واقع وقضايا ببحث تحت عنوان واقع المخطوطات العربية وسبل النهوض بها ونال إعجاب المشاركين وإشادتهم، كل ذلك وغيره إضافة إلى مشاركات داخلية في ندوة شعراء الرسول صلى الله عليه وسلم وندوة آثار المدينة وحضارتها وتراثها عبر العصور وندوة حمد الجاسر التي أقيمت في كلية الآداب بجامعة الملك سعود بالرياض والندوة العلمية بالجامعة الإسلامية حول مصادر تاريخ المدينة وبحوث معالم الثقافة والفكر في شخصية الملك عبد العزيز بمناسبة مرور مائة عام على تأسيس المملكة العربية السعودية.
والدكتور عبدالله عسيلان متعدد الثقافات وقد اكتسب ثقافته من حبه للكتاب منذ نعومة أظافره وشغفه بالمعلومة وارتباطه بثقافات الكبار الذين يأتي في مقدمتهم العلامة محمود محمد شاكر وحمد الجاسر وحسن. بن عبد الله آل الشيخ وعبد العزيز الرفاعي وعبد العزيز الربيع وأبو عبد الرحمن بن عقيل والشاعر عبد الله بن أدريس وعمر بهاء الأميري والعربي القدير عثمان الصالح والدكتور محمد السعدي فرهود والدكتور علي القاسمي وغيرهم كثيرين وقد أمضى أكثر من خمسين عاماً في صحبة الكتب والمكتبات وضاقت جوانب منزله بمكتبته التي تضم آلاف الكتب التراثية والعلمية والأدبية والثقافية، وله القدح المعلى في باب التأليف والتوثيق والتحقيق وبرزت مؤلفاته في سماء الثقافة ومنها: حماسة أبي تمام تحقيق مجلدين وأخبار عمر بن عبد العزيز والاجتهاد في طلب الجهاد لابن كثير والبديع في وصف الربيع لأبي الوليد الأشبيلي ومعاني أبيات الحماسة وحماسة أبي تمام كل هذه تحقيق ودراسة إلى جانب العديد من الكتب. منها: المدينة المنورة في آثار المؤلفين والباحثين وتحقيق المخطوطات بين الواقع والمنهج الأمثل ومعجم شعراء الحماسة والبديع لابن المعتز والحجازيات وبحوث ودراسات في الأدب والنقد وغيرها من الكتب التي لا يتسع المجال لذكرها وجميعها تمتاز بالعمق والرصانة والتوثيق في شتى فنون المعرفة واللغة وتاريخها وشؤونها. وفي ختام هذه الجولة في عالم هذا الرمز أثبت ما يردده دائماً من قول
المتنبي:
كفى بجسمي تحولاً أنني رجل
لولا مخاطبتي إياك لم ترني
وأقول هنا بأن أبا هيثم الدكتور عبد الله عسيلان قد (انجم) من رأسه إلى أخمص قدميه ثقافة وأدباً وعلماً وتراثاً وسرت في ثنايا مخطوطات الثقافة والأدب أنطقته لساناً عربياً فصيحاً في جده وهزله وفي سباته ووهج انطلاقاته الفكرية والمرء بأصغريه قلبه ولسانه).






