الشيخ عبد الله الخربوش

محمد بن صالح البليهشي

الشيخ عبد الله الخربوش
الشيخ عبد الله الخربوش

رمزنا اليوم هو الشيخ عبد الله بن حمد بن دخيل بن حسن بن حسين الخربوش ارشي) المولد (مديني النشأة والفتوة والشباب والكهولة
والوفاة.
هو من أسرة كريمة في مدينة الرس بالقصيم لها ذكرها وسمعتها ومكانتها وتاريخها أسرة برز من رجالها العديد ممن عرفوا بالحكمة والرأي والشجاعة وعرف عنها العديد من الشعراء الكبار الذين كان لهم دور في إثارة حماس الرجال، عندما مرت قوات محمد علي باشا بالرس ووقفوا لها وأبلوا في محاربتها البلاء الحسن وكان على رأس الشعراء الذين أثاروا الحماس ضد تلك القوات الغازية الشاعر الكبير إبراهيم الدخيل الخربوش الذي عرف وقتها بشاعر الحرب والفخر ومن شعره في ذلك الموقف قوله في عرضة للحماس والنخوة

حرينا خابرينه أول وتالي
كل باشة يجي ينكس بعرضية
كل باشة يجينا يطلب العالي
يطلب الصلح والدولة علاوية .
يأهل الحزم يا ماضين الأفعالي
دوسوا الراي والقومات عزمية

وصل الشيخ حمد الخريوش بأسرته وابنه عبد الله المدينة المنورة محباً لها عازماً على السكنى بها وأدخل ابنه عبد الله مدرسة العلوم الشرعية ونال شهادتها العالية بتفوق وحفظ القرآن الكريم بالمسجد النبوي الشريف على يد معلمه محمد بن سالم وتنقل بين حلقات المشائخ بهذا المسجد العظيم أثناء دراسته بالمدرسة وفي مسجد المصطفى ، وكان ممن تلقى العلم منهم المشائخ محمد الطيب الأنصاري وسليمان العمري وصالح الزغيبي وأمين الطرابلسي وعمار الجزائري وعبد العزيز بن صالح وقاسم انديجاني وعبد المجيد حسن جمادي، ومن هنا كانت حصيلته العلمية منوعة وعميقة مما أقله ليكون مدرساً بمدرسة العلوم الشرعية في عام 1355هـ وغادر المدينة ليكون أحد مدرسي ومؤسسي مدرسة الوشم في عام 1360هـ لمدة خمس سنوات عاد بعدها إلى المدينة مدرساً في مدرسة النجاح ثم مديراً وفي عام 1373هـ تم اختياره ليكون أحد الثلاثة الذين رسموا قواعد إدارة التعليم بالمدينة المنورة برئاسة الأستاذ عبد العزيز الربيع وعضوية الشيخ عبد الله الخربوش والأستاذ صالح الأخميمي بأمر من الملك فهد بن عبد العزيز يرحمه الله الذي كان وزيراً للمعارف حينها، واستطاع
الأستاذ عبد العزيز الربيع أن يضع القواعد الأساسية لمسار الإدارة الوليدة بوساطة وحنكة ودراسة هذين العلمين الخربوش والإخميمي)، وأشرفت هذه الإدارة على منطقة شاسعة تابعة للمدينة المنورة تمتد إلى حدود حقل شمالاً ونواحي العيص والفرع وقرى المهد إلى الطائف، وقد أوكل الأستاذ عبد العزيز الربيع الجوانب الإدارية للأستاذ صالح أخميمي والجوانب التعليمية للشيخ عبد الله الخربوش وسارت هذه المنطقة سيرها الطبيعي الأداء رسالتها بفطنة وحنكة هذا الثلاثي الخبير، ونالت إعجاب المسؤولين في الوزارة يومها، وبجانب عمل الشيخ الخربوش في إدارة التعليم كان لا ينقطع عن المسجد النبوي الشريف وبحكم تعلقه
بهذا المسجد وثقة أصحاب الفضيلة الأئمة فيه وعلى رأسهم الشيخ عبد العزيز بن صالح فقد وصل إلى المحراب إماماً في هذا المسجد العظيم وصار مشرفاً ومدرساً للعلوم العربية والشرعية في رحابه بأمر من سماحة رئيس القضاة بالإضافة إلى عمله في إدارة التعليم وقضى في هذا قرابة أربعين عاماً محتسباً، وكانت له مساهماته الفاعلة في مواضيع الإصلاح وبناء المساجد، وعندما كان الشيخ محمد علي الحركان إماماً بالمسجد النبوي الشريف لازمه الشيخ عبد الله الخربوش حتى نال منه الإجازة في التدريس وتسلمها في وسط جمع من طلاب العلم والأئمة في اليوم الأول من شهر محرم عام 1382هـ، وقد ثليث أمام ذلك الجمع بصفحاتها التي زادت على خمسين صفحة بالمسجد النبوي الشريف ومما ورد فيها قول الشيخ الحركان وكان ممن أخذ بهذا الحظ الوافر تلميذنا بل ولدنا الروحي الأبر المخلص، بل الصديق الأخص عبد الله بن حمد بن دخيل الخربوش فقد أمرته بالتدريس وإلقاء نفائس درر العلم في الدروس والإخلاص في ذلك للملك القدوس ثم كتبت له على صفحات هذه الطروس إجازة
مطلقة محررة بشروطها المعتبرة عند أهلها البررة، أعود بعد هذا إلى معرفتي بالشيخ عبد الله الخربوش حيث أتيت وزملائي من القرية في بداية الثمانينات الهجرية من القرن الماضي متقدمين للالتحاق بمعهد المعلمين الابتدائي بعد نهاية المرحلة الابتدائية، وكان الشيخ رئيساً للجنة التي تختار طلاباً لمعهد المعلمين والمدرسة الصناعية، وكان العدد كبيراً من جميع قرى المدينة ودخلنا المقابلة الشخصية فرادي وكنت حريصاً على دخول المعهد فوجدت الشيخ الخربوش رجلاً معتداً بنفسه وبعلمه ينظر من خلال النظارة قليل الكلام حاد الذكاء يتكلم غالباً بالعربية الفصحى يطيل النظر لمن يقابله تحس أمامه برهبة وصعوبة في الحديث ولكنك لا تلبث أن تجده يتلمس جوانب الذكاء ومواطن الفطنة والثقافة ويدقق فيمن يختارهم للالتحاق بمعهد المعلمين، وسألني يومها عن محفوظاتي من الشعر فقلت له قطعة شعرية حفظتها من محفوظاتي بالمدرسة منها:

سل صفحة الأيام
تنبيك عن إقدامي
وأسأل جميع الناس
عن عزمتي وباسي.
مجاهد صنديد
مقاتل عنيد
العلم قد سقاني
حماسة الشجعان

فأشار علي بالالتحاق بالمرحلة المتوسطة وأبديت عدم رغبتي فيها لأنها ليست بها مكافأة وأنا محتاج للمكافأة فوافق على تسجيلي بالمعهد وأوصاني بإلحاح على مواصلة الدراسة، ومرت سنوات وواصلت دراستي مع عملي مدرساً وحصلت على الشهادة الثانوية العامة وقابلته في مكتب. مدير التعليم الأستاذ عبد العزيز الربيع وإذا به يشد على يدي ويشيد بي المواصلة تعليمي بجانب عملي وأشاد بي يومها أمام المدير وتذكر موقفي معه يوم نصحني بالدراسة في المتوسطة وأفاد بأنه حاول جاداً تحويلي إلى المتوسطة ولكنه تراجع عندما ذكرت له حاجتي للمكافأة، وأعجب بطموحي وكرر تشجيعه لمواصلة الدراسة وبعد حصولي على الجامعة من كلية الشريعة بجامعة الإمام قابلني في مناسبة تعليمية وكم كان فرحه وهو يراني أقدم حفل تلك المناسبة وقد علم بحصولي على الشهادة الجامعية، لقد أحسست ليلتها مدى فرحه وإعجابه وقد وقف أمام مدير التعليم الأستاذ الربيع وهو يقول لقد قرأن طموحه منذ تلك المقابلة قبل عقدين من الزمن ودعا بالتوفيق والسداد وشكرته على تشجيعه وحرصه
وحبه لكل إبداع وتألق وطموح.
هكذا هم أولئك الرجال المخلصين في ذلك الزمن كبار في علمهم وفي توجيههم وفي إخلاصهم وفي تربيتهم ومتابعتهم.
وبحلول الأول من شهر رجب من عام 1401هـ ألقى الشيخ عبد الله الخربوش عصا الترحال متقاعداً واستمر في درسه بجوار الروضة الشريفة بعد صلاة الفجر وصلاة العصر حتى أقعده المرض
في عام 1407هـ عن ذلك.
وفي يوم الاثنين المصادف التاسع من شهر صفر عام 1410هـ غادر دنيانا الفانية التي زهد فيها طوال حياته إلى دار البقاء والخلود وصلى عليه المسلمون في مسجد خير البرية بعد صلاة الظهر من ذلك اليوم وتحققت أمنيته في مواراة جثمانه ببقيع الغرقد في هذه المدينة المقدسة التي تربى فيها وعاش بين ربوعها ولازم مسجدها العظيم طوال حياته رحمه الله رحمة واسعة وأجزل له الأجر والمثوبة.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.