الشيخ عبد الحميد أحمد عباس

محمد بن صالح البليهشي

الشيخ عبد الحميد أحمد عباس
الشيخ عبد الحميد أحمد عباس

في مساء الأحد الماضي كنت في رحاب مجلس الشيخ المرحوم بإذن الله تعالى الشيخ عبد الحميد عباس بمزرعته في قباء بعد غياب عن هذا المجلس لمدة تزيد على أربعين عاماً حيث كنت برفقة الأستاذ عبد العزيز الربيع مدير التعليم الأسبق رحمه الله تعالى ومجموعة من منسوبي النادي الأدبي عام 1400هـ في زيارة لذلك الشيخ الوقور صاحب القلب الأبيض والابتسامة الجاذبة لكل زائريه والشيخ عبد الحميد أحمد بن إبراهيم عباس الذي استقبلنا يومها بترحاب وبشاشة وحلاوة منطق وتجاذبنا معه أطراف الحديث حول تاريخ أسرته الذي أكد لنا بتوثيق لديه أنهم من سلالة الصديق رضي الله عنه واستعرض تاريخ قباء وساكنيه وتأصيل النخيل في بساتينه الوارفة ورياحينه وغزارة مياهه، ثم تحدث الأستاذ عبد العزيز الربيع عن الأدب والشعر الذي خلدته
روابي قباء وأسمعنا ليلتها الشيخ عبد الحميد من شعره في مغاني قباء والعوالي وبطحان ما أكد فيه قوة شاعريته وغزارة مخزونه الثقافي والأدبي وقد أعجب بشعره الأستاذ عبد العزيز الربيع أيما إعجاب ومما أسمعنا إياه في تلك الليلة قوله :

آيا نسيم الصبا بلغ أحبتنا
أني مقيم على (العلياء) أرعاها
ففي نسيماتها آثار نشركم
وفي مرابعها ذكرى حفظناها
حيث العقيق وبطحان وأقنية
تروي النخيل ويسقي الناس رياها
وحيث وادي قباء والماء يلبسه
برد الربيع وأخلاق القناها
وفي العوالي وفي قربان أودية
يا حبذا هي مرتاداً وسكناها

تذكرت تلك الزيارة التي رسمت في ذاكرتي صورة لا تنسى لرجل تألفه من أول لقاء تقابله فيه ويترك في نفسك أثراً لا يزول مع الأيام، وفي زيارتي هذه للمجلس العتيق المتجدد تذكرت كل ذلك وطاف بي الخيال والذكرى والتاريخ إلى أن جوانب هذا المجلس الثقافي الأدبي التاريخي قد حظي باستقبال العديد من كبار المسؤولين وأهل الفضل والعلم حيث شرف هذا المجلس وهذه المزرعة جلالة الملك سعود بن عبد العزيز وصاحب السمو الملكي الأمير عبد المحسن بن عبد العزيز والشيخ عبد الله السديري وكيل أمير المدينة الأسبق وكثير من أصحاب المعالي والفضيلة أمثال أحمد زكي يماني وحسن كتبي ومحمد عمر توفيق وهشام ناظر والمشائخ عبد العزيز بن صالح وعبد العزيز بن باز ومحمد علي الحركان ومحمد بن علي التركي وعبد الله الزايد رحمهم الله تعالى جميعاً وكثير من الوجهاء والعلماء والأدباء من داخل المملكة وخارجها ممن لا يتسع المجال لتعدادهم ولا أدري إن كان لدى هذا المجلس على امتداد تاريخه توثيق لذلك الكم الهائل من أولئك الذين شرفوا وتشرف المجلس بهم لأنه يعد من أقدم المجالس الثقافية الأدبية التاريخية في المدينة المنورة تأسيساً واستمراراً حيث زاد عمر مجلس العباسية على مائة عام كما علمت حيث تأسس مع بدايات القرن الرابع عشر الهجري وأسسه الشيخ أحمد بن إبراهيم والد الشيخ عبد الحميد عباس رحمهم الله تعالى وكتب الله لهذا المجلس.
البقاء والاستمرارية حتى يومنا هذا وتولى شؤونه والحرص على بقائه بوهجه وعمقه وأصالته الأخ والصديق الشيخ أحمد عبد الحميد عباس أبو غسان حفظه الله تعالى بعد وفاة والده وهذا عمل يشكر عليه وأثر يجب أن يبقى ويستمر.

أعود بعد هذا إلى رمزنا الشيخ عبد الحميد عباس الذي عاش في هذه الربوع القبانية مترسماً خطى أجداده في ظلال هذا المسجد العظيم مصلياً وزائراً ومعتمراً ومستقبلاً زائريه ومحبيه ومستشعراً إشراقات روابي قباء التي تشرفت بخطوات نبي الهدى عليه الصلاة والسلام يوم أن أشرقت جنباتها ويوم أن استقبله الأنصار بذلك الترحاب والفرح والفخر والعزة والكرامة وكأني به وهو يعمر مزرعته ويغرس نخيلها ويسير مع مساقيها طوال حياته يحس بخطوات سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام يمر بالعباسية وما حولها من مزارع وآثار وأطام في تلك الرحلة الميمونة، كأني به وهو يؤبر النخل ويمتع بصره بثمارها يفخر بموقع مزرعته التي استضاءت وأشرقت أنوارها بهذا المسجد العظيم واستظلت بمواطن كلثوم بن الهدم) وأسعد بن خيثمة) التي استضافت النبي الكريم بـ (قنو) من رطب نخيل قباء وعمت بركة دعائه أم الجرذان) وما حولها من مزارع وحيطان تعلق الشيخ عبد الحميد عباس بمزرعته ومجلسه في ظلال نخيل العباسية التي هي من مكونات ساحات مسجد قباء وبجوارها بستان المستظل وبئر الخاتم وآبار عذق وغرس وغيرها مما حوته من أطام وقلاع وحصون جميعها تحدث التاريخ وتكتب أحداث الهجرة على مر الزمن، لقد ارتوت حياة شيخنا عبد الحميد عباس) بهذه الأجواء الإيمانية التي تربى عليها من والده الشيخ أحمد بن إبراهيم عباس ذلك العالم الجليل المتوفى عام 1337هـ والذي اتخذ من ديوانه هذا وبستانه مدرسة وديواناً للعلم والمعرفة. وسار الشيخ عبد الحميد عباس سيرة والده في مجلسه ومزرعته وفي أعمال البر والإحسان في كل اتجاه متخذا من مسجد قباء غذاء روحياً واستقامة وحسن خلق ومخافة الله سبحانه وتعالى ولا نزكيه على الله عز وجل ومن تكوينه وأصالته وتربيته عنواناً للكرم وبذل المعروف بجاهه وماله يرحمه الله تعالى، وقد بذل إخلاصاً وأمانة في جميع الأعمال التي ساهم فيها أثناء عضويته في هيئة الزراعة ورئاسته لها وكذلك رئاسة هيئة حفر الآبار الارتوازية بالمدينة ورئاسته الفخرية للجمعية التعاونية الزراعية ومشاركاته في اللجان لخدمة المجتمع ومساهماته الخيرة في إسكان الفقراء والمعوزين وبناء المساجد وعطائه لذوي الحاجات وإصلاح ذات البين وغيرها من أعمال الخير والمعروف والإحسان جعلها الله تعالى في موازين حسناته، وعود على بدء فالشيخ عبد الحميد عباس مثقف ثقافة اجتماعية وأدبية وشاعر تغنى بالمدينة وتاريخها ومآثرها وبقباء وروابيها وعيونها ومأثرها ومما قاله :

أحن إلى تلك المعاني وأهلها ولا سيما تلك المنازل في قباء قضينا بها عهد الطفولة والصبا
سقتها الغوادي من علاها سحائيا بها المسجد المأثور قام على التقى ويقصده الزوار شرقاً ومغربا وإن لمن صلى به أجر عمرة
بهذا أفاد الترمذي وأطنبا

رحم الله تعالى الشيخ عبد الحميد عباس الذي غادرنا إلى دار البقاء والخلود عام 1400هـ وصلى عليه بالمسجد النبوي الشريف ووري جثمانه في بقيع الغرقد.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.