الشيخ عبد الغني وعبد الكريم دادا

محمد بن صالح البليهشي

الشيخ عبد الغني وعبد الكريم دادا
الشيخ عبد الغني وعبد الكريم دادا

في بداية النصف الثاني من القرن الماضي الهجري نبتت نواة خير ونماء وعطاء في طيبة الطيبة حيث وردت إلى وكيل إمارة المدينة المنورة الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم آل إبراهيم برقية تحمل موافقة الملك عبد العزيز رحمه الله على السماح للشيخ عبد الغني بن نور بن أحمد دادا بافتتاح مدرسة دار الأيتام بالمدينة المنورة وكانت تلك البرقية والموافقة الملكية السامية على طلب ذلك المحسن والمفكر والعالم الشيخ عبد الغني للبدء الرسمي لذلك النور المشرق بالأمل لوجود دار تحتضن الأيتام في مدينة خير البرية عليه الصلاة والسلام وفرحت بها الأوساط المدينية خاصة في تلك السنون العجاف التي اجتاحت العالم بأسره فقراً وعوزاً وأمية وكانت الحاجة ملحة لفئة الأيتام من أبناء البادية المحيطة بالمدينة ومن أبناء المدينة نفسها لضرورة وجود مدرسة تعتبر داراً تحتضن الأيتام وتعلمهم وترعاهم وتكسبهم الانضباط وتعوضهم حنان من فقدوه من آبائهم وذويهم. وكانت تلك الفكرة وهي افتتاح مدرسة للأيتام جديدة نقلها المؤسس في طلب الموافقة على أن تحول محنة كل يتيم في ذلك الوقت إلى منحة تفتح أمامه الأبواب المغلقة وتكون له الشخصية الطموحة والمستقبل الباهر من خلال ما يتلقاه من دراسة ومن تعليم الصنعة معينة يستطيع من خلالها أن يشق طريقه بالحياة في تلك السنين الشداد والأيام العصيبة ومرارة اليتم والعوز والفاقة.

لقد فكر ذلك الرمز (عبد الغني (دادا) المولود في الهند في قرية (بانوا) في عام 1298 هـ والذي ذاق حلاوة العلم والنور وعاش حياة المسلم الحق الذي يزرع لآخرته. قبل دنياه والذي كذلك مارس التجارة بين الهند وإندونيسيا والحجاز خاصة في المدينة المنورة ومدينة خيبر، فكر في عمل يؤثر فيه في مدينة المختار صلى الله عليه وسلم بعد تردده مرارا على هذه المدينة الطاهرة ورأى أن خير عمل يهدى لأملها هو رعاية الأبناء الذين فقدوا آباءهم واحتضانهم وتعليمهم وفتح طريق المستقبل أمامهم فهداه الله لهذا العمل الخير المفيد لفتح ورعاية مدرسة تعلمهم القراءة والكتابة وتمحو أميتهم إضافة إلى وجود السكن والمأوى والملبس والرعاية وتعليمهم الصنائع التي تؤمن حياتهم المستقبلية واشترى دارا في محلة ذروان) بالمدينة واستقبل الأطفال الأيتام بما وهيأ لهم كل رعاية ووظف معه من يقومون بذلك الدور الأبوي من أصحاب القلوب الرحيمة في عام 1352 هـ وسارت الدراسة حسب منهج مديرية المعارف مع إكساب الطلاب الأيتام نوعاً من الصناعات الرائجة في ذلك الوقت وتحفيظهم القرآن الكريم ومع ازدياد عدد الطلاب استأجر دارًا أكبر بباب المجيدي وأقيم حفل افتتاح المدرسة تحت رعاية وكيل الإمارة وقتها الشيخ عبد الله بن سعد السديري وحضره أعيان المدينة.

لقد اطمأن الشيخ عبد الغني دادا إلى مشروعه النبيل ورعاه في بداياته حتى رأى بوادر نجاحه وتحقيق أهدافه وما لبث أن مرض مرضه الذي جعله يسافر إلى الهند ومات هناك عام 1351 هـ.

بعد أن أوصى أخاه عبد الكريم دادا بالاهتمام ورعاية هذا الصرح الذي أرسى دعامته ووطد أركانه فكان الشيخ عبد الكريم الذي يصغر أخاه عبد الغني باثنتي عشرة سنة نعم الوصي، وتحت الإحساس يثقل الأمانة وابتغاء الأجر والمثوبة أتى الشيخ الرمز عبد الكريم دادا إلى المدينة المنورة واتخذها مقراً دائما لإقامته بعد أن كان سابقا يأتيها لماما ويعود لممارسة التجارة في ربوع الهند وما حولها.

لقد آمن الشيخ عبد الكريم (دادا) بأهمية مشروع أخيه وما تكبده من أجله من مصاعب حتى ظهر للعيان ولذلك واصل المسيرة بهذه الدارة الخيرة) الهادفة في دار هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ورعاها حق رعايتها وأوجد بها إدارة حازمة وطلابا مجدين وأساتذة مخلصين وفوق ذلك كله وجد دولة داعمة وراعية ومؤمنة بالعلم وأثره في حياة الشعوب فضاعف من جهوده وجعل من هذه المدرسة منارة علم وعمل وقام مدرسوها وهم من خيرة المؤمنين بها وقبلهم مدير الدار الأستاذ (حسني العلي) الذي تسلم إدارتها بمشورة من مدير المعارف وقتها السيد أحمد صقر وبمباركة من وكيل الإمارة الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم ذلك الضابط المقدسي | حسني العلي ) الذي أحب المدينة وتولى بها مع بداية دخولها تحت مظلة الملك عبد العزيز رئاسة القسم العدلي ثم نقل إلى جدة لتولى إدارة الشرطة بها وعندما تقاعد رأى وكيل الأمير ابن إبراهيم إنه الأصلح لإدارة هذه الدار بعدما تأكد من حبه للمدينة وإخلاصه وتفانيه في عمله وحسن إدارته وسلامة نيته.

ومن هنا كانت الدار في زخم من الخبرات في إدارتها ومدرسيها الذين أتى في مقدمتهم أساتذة أجلاء أمثال ضياء الدين رجب وحسن حماد ومحمد حسين زيدان وطاهر زمخشري ومحمد عمر توفيق وغيرهم من ذلك الجيل الذين كانوا في قمم الثقافة والشعر والأدب وكانوا في ذروة الإخلاص والحب والوطنية.

لم يكن عبد الكريم دادا بأقل من أخيه في التضحية بالمال والوقت من أجل هذه المدرسة فقد ضاق المبنى بالطلاب فاستأجر من إدارة الأوقاف أرضا شمال المسجد النبوي الشريف بطريق الحكر) وبدأ في تعمير مبنى لهذه المدرسة في العام 1364 هـ.

وباع داره وجزءا يملكه في بستان من أجل التعمير وفتح باب التبرع من المواطنين وكبار الحجاج والزوار لإتمام البناء وارتفع البناء الثلاثة أدوار ضم كل دور 12 غرفة وجعل البناؤون الدور الأرضي لمزاولة الرياضة والتربية الفنية التي كانت دار الأيتام أول مدرسة تطبق مناهج الرياضة والفنية بالمدينة، كما جعل جزء من الفناء لإقامة الصلاة وآخر للحفلات والندوات والمحاضرات وعندما تم البناء بصورة مثالية عام 1372 هـ بادر الشيخ الرمز عبد الكريم دادا إلى كتابة عدل بالمدينة المنورة وأخذ معه مدير المدرسة الأستاذ حسني العلي ومعاونه الشيخ محمد بكر وأوقف المبنى بصك شرعي على المدرسة وجعل ناظر الوقف هو مدير المدرسة.

حازت المدرسة على إعجاب المسؤولين في مديرية المعارف فقد زارها الشيخ طاهر الدباغ مدير المعارف العامة عام 1357 هـ فكتب في سجل الزيارات بعد جولة بالمدرسة قائلا: (زرت بتوفيق الله دار الأيتام والصنائع الوطنية بالمدينة المنورة زيارة مدقق منقب ودرت على طلابها في صفوفهم واختبرتهم في دروسهم ثم شاهدتهم في شعب الصنائع والأعمال المختلفة وفحصت ما يقدم لهم من طعام وكسوة وقد جعلني ما رأيته في كل ذلك من نظام وإتقان كثير الاغتباط والسرور وبهذه الدار كثير الاعجاب بهمة القائمين بها وقد حل هذا العمل الطيب والمشروع النافع من نفسي محل التقدير والاغتباط فأسأل الله ان يوفق أولى الخير إلى مساعدتها المساعدة التامة التي تجعلها قادرة على بناء دار خاصة لها تكون أكثر ملاءمة لنظامها وعلى التوسع بمشروعها الجليل ورحم الله مؤسسها وأبقى عليه سحائب رحمته وحيا الله ناظرها الحالي ومديرها وأساتذتها وأمده بعونه وتوفيقه وبالله الاستعانة ... وتألقت دار الأيتام وعلى صوتها بطلابها ومدرسيها أمام المدارس الأخرى في السبعينات الهجرية وتميز طلابها دراسة ونجاحا وأدبا وحسن خلق وتفوق

وكان الشيخ عبد الكريم دادا في آخر حياته ليس له هم ولا عمل سوى استقامة الدار وحسن أدائها لعملها نحو تربية وتعليم الأيتام ويفرح كثيراً عندما يرى منتوجات أبناء الدار من الصناعات في أيدي زوار المدينة وقد ابتاعوها من دار الأيتام التي ضمت أكثر من سبع عشرة حرفة تتمثل في صناعة السروح والكاميرات والحقائب المدرسية والنجارة والملاعق الخشبية والمشالح والمفارش الصوفية والشراريب والخياطة وغيرها.

واستمرت رعايته لها قرابة ثلث قرن ولما أعياه المرض سلم هذا المشروع بكامل محتوياته لوزارة الشؤون الاجتماعية وحقق الله أمنيته في وفاته لمشروع أخيه ومشروعه في رعاية وتأسيس دار الأيتام والصناعات الوطنية بالمدينة المنورة ونجاحها في أداء رسالتها وكذلك حقق الله أمنيته في وفاته بالمدينة المنورة والصلاة عليه بالمسجد النبوي الشريف ودخول بقيع الغرقد في الخامس عشر من شهر شعبان عام 1387 هـ.

رحم الله الرمزين العلمين الأخوين المحسنين عبد الغني وعبد الكريم دادا وأجزل لهما الأجر والمثوبة على رعايتهما وتضحياتهما من أجل الأيتام الذين كانت الدار أمهم الرؤوم ووالدهم الحاني وتركوا أثرا في سماء المدينة ومنهلا عذبا في أرضها ارتوى منه الظامتون وساروا في طريق الحياة يخدمون رجالا وطنهم وأمتهم ويساهمون في نهضة بلادهم بكل إخلاص ووطنية.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.