الشيخ عبد العزيز بن صالح

محمد بن صالح البليهشي

الشيخ عبد العزيز بن صالح
الشيخ عبد العزيز بن صالح

ثلث قرن مر تقريباً على وفاة العالم الجليل والواعظ القدير، صاحب الصوت الجهوري والحكمة البالغة، والشخصية المتميزة، فضيلة الشيخ عبد العزيز بن صالح إمام المسجد النبوي الشريف، ورئيس المحاكم الشرعية بالمدينة المنورة .....
ثلث قرن مر على توديع المدينة النبوية لذلك الشيخ الجليل الذي جهر بالحق من على أشرف منبر، في مسجد المختار عليه الصلاة والسلام، لمدة خمسين عاما.. كان صوته الجهوري وخطبه البليغة بصمة خلدها التاريخ في أرجاء مدينة المختار صلى الله عليه وسلم...
امتزج صوته من على المنبر الشريف وسجل في جنبات المدينة، ذلك الصوت الجهوري في أرجائها، وصار ابن صالح معلما من معالمها، وعلامة بارزة من علامات وسمات هذه المدينة المقدسة لمدة خمسين عاما، امتدت من أول يوم وطئت قدماه هذه المدينة المباركة في عام 1364هـ، إلى يوم مغادرته إلى دار البقاء والخلود في عام 1415هـ....
وكم كانت المدينة حزينة، بمكوناتها: أرضا، وجبالا، وأحياء، وإنسانا، يوم وفاته يرحمه الله في ذلك الاثنين السابع عشر من شهر صفر الخير عام 1415هـ ...
ودعت طيبة الطيبة في ذلك اليوم، شيخا جليلا من أشياخها، الذين استطاعوا بدعوتهم وصدقهم وحبهم للناس أن يكونوا أحد نماذجها المميزة، التي رسمت سمة مميزة يستدل بها في مختلف أرجاء المعمورة على مدينة الحبيب عليه
الصلاة والسلام بتلك النفحة الخالدة، والصوت الخاشع عبر موجات الأثير... لا أزال أذكر ذلك اليوم الحزين الذي سرى فيه خبر وفاته يرحمه الله ودخل كل بيت جميع بيوت المدينة، وأحيائها، ومكوناتها وثق أن عبد العزيز بن صالح أحد الأفراد والمعالم في طيبة الطيبة.... وكان لفقده فراغ كبير أحس به الجميع. لأن إمامهم، الشيخ ابن صالح الرمز الكبير من أولئك النفر الذين استطاعوا أن يدخلوا إلى القلوب، ويرسموا صورا متألقة فيها، بالموعظة الحسنة، والدعوة إلى الإصلاح، وبعث روح الاستقامة في النفوس، وجلاء الصدأ من القلوب، لتتألق بنور الإيمان واليقين والتقوى....
وخلال ثلث قرن، والناس قد اعتادوا على صوته إمامًا وقارئاً وواعظا وخطيبًا، لا تكاد تمر بجوار كل بيت إلا وتسمع صوته الندي بآيات القرآن الكريم، من خلال التسجيل أو الترتيل، فتصفى الأسماع، وتتفتح القلوب، وتعيش مع ذلك (النغم) القرآني في آفاق علوية مفعمة بالإيمان والصلاة وعبادة الواحد الديان.....
كل فرد في مجتمع المدينة يحس أن عبد العزيز بن صالح كان الموجه الأول له في أسرته، من خلال خطبه النافذة إلى القلوب بما تحمله من تقديس للروابط الإيمانية والاجتماعية والأسرية، وتعيش مع المجتمع بكافة أطيافه ومكوناته. تفقد الهموم والقضايا في حياة الناس من مختلف وجوهها وتباين مشكلاتها..... ولا أزال أذكر مغرب ذلك الاثنين الذي خرجت فيه المدينة، شيبا وشبابا، لتشييع جنازة ذلك العالم الجليل، والخطيب المفوّه، في مسجد المصطفى عليه الصلاة والسلام، وكلها دعاء وتكبير ودموع .....
خرجت جموع أهل المدينة تودع ذلك الرجل الكبير في قلبه وعلمه، وفي محبته لكل الناس وتقدير المدينة وأملها.... ذلك الرجل الكبير في قول الحق مهما كانت مرارته، والكبير في استيعاب مشاكل الأرامل والأيتام وذوي الحاجات... خرجت المدينة تودع الرجل الذي قدر قداستها ومكانتها وأهلها بوقار وهيبة وسماحة ولطف .... لقد أعطى المسجد النبوي قداسته وإجلاله، والقضاء مهابته وعلو شأنه، وأحس كل زوار المدينة من مختلف جهات الدنيا أن الشيخ عبد العزيز بن صالح شيخ قضاء من طراز فريد، وخطيب منبر من الخطباء المتميزين الذين عرفوا عظم المنبر النبوي فقدروه وأحسنوا تعظيمه وحملت نفسه إكبارا وإجلالا للمدينة النبوية وأهلها، ورأوا فيه النموذج الأمثل لكل هذه المعاني، فصار يمشي على الأرض وتحق به روحانية المدينة وبركتها وعظمها وقدسيتها..... ضاق المسجد النبوي بالناس، وتقدمهم للصلاة. على الفقيد صاحب السمو الملكي الأمير عبد المجيد بن عبد العزيز أمير المدينة المنورة وقتها رحمه الله، وضاق البقيع بالمشيعين وهو يستقبل جثمان ذلك العالم الجليل الذي ارتسمت نغمات صوته في قراءته ومواعظه وخطبه في أرجائه ونواحيه، وشهدت له آثاره وهو يقف مع الأمير عبد المجيد في مراحل تنفيذ مشروع توسعة المسجد النبوي الشريف، بتوجيه خادم الحرمين الشريفين الملك فهد رحمه الله... وكان لوقوفه وحرصه على تنفيذ المشروع، وحل ما كان يواجه التنفيذ شرعًا، أثره الكبير في الإقناع والسرعة. ووقف مبنى المحكمة شامخا مع مراحل التنفيذ، وهذا المبنى أحد المعالم التي كان ابن صالح البصمة الواضحة التي بقيت خالدة تالدة، بتوجيه وموافقة القيادة لهذه الدولة أعزها الله... و باختيار الشيخ عبد العزيز للموقع ومراحل التنفيذ ومكونات المبنى......
وتذكر المصادر التاريخية أن الملك عبد العزيز رحمه الله هو الذي دعم محكمة المدينة بمجموعة من القضاة نقلوا من محكمة الرياض، من بينهم القاضي. عبد العزيز بن صالح في عام 1364هـ، وعندما وطئت أقدام ابن صالح أرض المدينة، كانت لديه حصيلة علمية جيدة مع حفظ القرآن كاملا، وقد اكتسب حصيلته العلمية من مشايخه في نجد عبد الله بن زاحم، وعبد الله بن عبد العزيز العنقري، ومحمد الخيال، وعبد الله بن حميد، وغيرهم .... ولكنه وجد في المسجد النبوي الشريف ضالته في الاستزادة من العلوم الشرعية، وكان أحد تلاميذ شيخ القراء وقتها، الشيخ حسن الشاعر رحمه الله، هو من علمه أصول التجويد ومنحه إجازة الحفظ والتجويد، وبأمر الملك عبد العزيز رحمه الله صار الشيخ ابن صالح نائبا للشيخ الزغيبي في الإمامة، وما لبث أن اعتلى منبر سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم خطيبا وإماما بعد وفاة الإمام السابق الشيخ صالح الزغيبي رحمه الله... واتخذ المسار إمامته وخطابته نهجا مميزا، بصوت حسن وأفكار نيرة، والرقي بالمصلين إلى مصاف الخشوع والتدبر، وسجلت أمواج الأثير صوته الشجي، الذي يدل بمجرد سماعه في أي مكان في العالم معلنا أن هذا صوت المدينة النبوية .....
وقبل ترشيح الشيخ عبد المجيد بن حسن نائبا له، كان الشيخ عبد العزيز بن صالح يؤم المصلين في صلاة التراويح كاملة بالمسجد النبوي الشريف، وكذلك في صلاة التهجد، وكان يختم المصحف في تسع ليال في التهجد في رمضان ومع هذا قلما يخطئ، ولا يشعر المصلون خلفه بالسام أو الملل لسهولة قراءته ووضوح صوته وتدبر معاني الآيات في قراءته......
وكانت داره بجوار المسجد النبوي الشريف، وبجوار دار القضاء، وبجوار مكتبة الشيخ عارف حكمت، ولديه مجلس ليلياً يؤمه كبار العلماء من داخل المدينة ومن خارجها، ومن دول العالم الإسلامي، تناقش فيه مختلف القضايا التي تهم العالم الإسلامي. وقد اكتسب الشيخ محبة حكام هذه البلاد، وعلماء الأمة. ولديه حظوة من ملوك وأمراء آل سعود، لإخلاصه ونزاهته وعلو قامته في أصول الإمامة والقضاء الشرعي وفي أواخر القرن الماضي وبداية هذا القرن، لا تكاد تذكر المدينة إلا وتبرز صورة الشيخ عبد العزيز بن صالح كعلم بارز من أعلامها. ورمز من رموزها، وقد بقي له ذلك الذكر، والسمعة الطيبة في سجلات المدينة النبوية وجنبات مسجدها العظيم. ومن هنا، نظمت رئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي الملتقى العلمي تحت عنوان: "مآثر سماحة
الشيخ عبد العزيز بن صالح رحمه الله، وجهوده في المسجد النبوي الشريف، واختارت المدينة المنورة مكانا للملتقى بتاريخ 23/4/1447 هجرية، برعاية كريمة من أمير المدينة المنورة، سلمان بن سلطان بن عبد العزيز - حفظه الله ، ودعيت له نخبة من أصحاب المعالي والفضيلة والسعادة، تذكيرا بالشيخ، وإبرازاً لجهوده، وترحما عليه.
وقد أحسنت رئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف بتوجيه الرئيس الأستاذ الدكتور عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس في إقامة هذا الملتقى بعد قرابة ثلث قرن على وفاة ذلك العالم (العلم) والرمز الذي لا ينسى وفاء له وتذكيراً بجهوده واعترافاً بمكارمه ومآثره في مدينة المختار صلى الله . عليه وسلم ومسجدها العظيم....
رحم الله الشيخ عبد العزيز بن صالح وأجزل له الأجر والمثوبة لما قدمه من حب وتقدير وعرفان بمكانة المدينة المقدسة وأهلها وإخلاص للإسلام والمسلمين وولاة هذه الدولة العظيمة المنصورة بإذن الله.....
الله

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.