عبد العزيز بن إبراهيم
محمد بن صالح البليهشي

في يوم العاشر من شهر ربيع الثاني من عام 1346هـ، تلقى أهل المدينة المنورة رسالة من الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود مفادها أنه عين عبد العزيز بن إبراهيم وكيلا الإمارة المدينة المنورة وطلب منهم التعاون معه وطمأنهم قائلا: فلعلكم تسمعون بشدة عبد العزيز بن إبراهيم وتهابون منه وهذا شيء لا حقيقة له.. إن ابن إبراهيم شديد على العاتي حبيب لمن سلك الطريق وعرف حق نفسه وغلبة اعتماده على الله ثم على الأحكام الشرعية بجميع أمر يرد إليه..
وكتب إلى بعض شيوخ القبائل حول المدينة قائلا: واصلكم عبد العزيز بن إبراهيم وكيلاً لإمارة المدينة وأوصيناه بما يلزم وإن شاء الله تمشون معه بالسيرة الحسنة والله الله في الحرص على تأمين الطرق والأسبال وعدم المخالفة وما أمركم به من الأمور اللازمة افعلوه إن شاء الله ولا تخالفونه وإذا فعل فيكم أدنى مظلمة فارفعوا إلينا الأمر....
وقبل ذلك عندما صدر الأمر الملكي بنقل ابن إبراهيم وكيلاً لإمارة المدينة المنورة وجه الملك رسالة مطولة إليه وإلى نائبه حدد فيها الصلاحيات ورسم له أسلوب العمل وأوصاه بمراعاة الناس باللين والطمأنينة والنظر على جميع أمر يخالف الشرع أو يخل بالولاية أو يضر بالأهالي وأمره بمراجعة النيابة في أمور البادية وأوصاه بأن لا يجري قتل ولا ضرب ولا نكال إلا بحكم الشرع ومراجعة النيابة...
كما أوصاه بالعديد من الوصايا والمحاذير والتعليمات التي تحدد له أسلوب العمل في المدينة المنورة.
كل ذلك حرصه يرحمه الله على المدينة المنورة وأهلها ومن حولها وكان عبد العزيز بن إبراهيم يحتل مكانة مرموقة في حائل قبل انضمامه إلى الملك عبد العزيز وكان له دور كبير في الوساطة لدى الملك عبد العزيز أثناء حصاره لمدينة حائل وبذكائه ودهائه وشجاعته وثقة الناس به استطاع أن يحقق الأمان والمصالحة والعفو عن كل مسيء أثناء معارك وحصار مدينة حائل وذلك في شهر صفر من عام 1340هـ، وبعد أن دخلت حائل تحت دولته واطمأن إلى استقرارها حرص الملك عبد العزيز أن ينتقل ابن إبراهيم إلى الرياض لأنه رأى فيه رجلا قياديا وكان لأسرته دور كبير في أحداث الدولة السعودية الثانية في عهد الإمام فيصل بن تركي بن عبد الله بن سعود وفي عام 1341هـ، وجه الملك عبد العزيز أمره إلى ابن إبراهيم ليكون أميرا على أبها وسط العديد من الأحداث في تلك المنطقة في ذلك الوقت فسار فيها بشجاعة وحنكة وسياسة وحسن تصرف وما إن استقرت الأمور هناك على يده حتى استدعاه إلى الرياض في عام 1342هـ وعندما دخلت جيوش الملك عبد العزيز مكة المكرمة في شهر ربيع الأول عام 1343هـ سار الملك عبد العزيز من الرياض وبرفقته ثلاثمائة من أعيان خاصته إلى الحجاز ومن بين من رافقه في تلك الرحلة التاريخية عبد العزيز بن إبراهيم الذي أمره الملك عبد العزيز فور وصوله إلى الطائف أن يبقى بها أميرا وسط ظروف سياسية وعسكرية واجتماعية حساسة وبذلك أصبح ابن إبراهيم أول أمير للملك عبد العزيز على هذه المدينة القابعة وسط قبائل شتى اتبع فيها ابن إبراهيم الحزم والشدة في معاقبة المجرمين وقطاع الطرق وقاد بنفسه حملات عسكرية ناجحة في مختلف جهاتها على القبائل التي نجح في ترويضها وانقيادها في مظلة الأمن والاستقرار والحياة الكريمة وبعد هذا المشوار المليء بالأحداث في مدينة الطائف وما حولها لهذا الرجل القيادي العبقري الناجح اختاره الملك عبد العزيز المدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وباختياره له في هذه المدينة العظيمة رسم له خطة السير في حكمها ووطد أواصر ومعالم الحياة مع أهلها بادية وحاضرة وأتى ابن إبراهيم إلى المدينة ولديه حصيلة من التجارب في إدارة الأقاليم وفي التعامل مع الناس ومن هنا سار في مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم وقد استشعر أهميتها في ذهن الملك عبد العزيز وحرصه على تأمين الطرق وتحقيق الأمن لحجاج بيت الله الحرام وزوار مسجد رسوله عليه الصلاة والسلام وشدد في حزمه على تنفيذ أوامر الدولة وتعقب المجرمين وتطبيق العقوبة الرادعة في داخل المدينة وخارجها وما لبث بعد فترة وجيزة من حزمه وسطوته وتنفيذ أوامر الشرع على المخالفين حتى تحول واقع الحياة في المدينة وباديتها والطرق المؤدية إليها إلى طمأنينة وأمن واستقرار كما أن الهياكل الإدارية في مختلف الإدارات الحكومية قد جرى عليها التغيير والتنظيم بعد زيارات هيئة التفتيش والإصلاح لها وكان وكيل الإمارة ابن إبراهيم يسير في طرقات المدينة متفقداً أحوالها متحسساً مشاكلها ومن ملاحظاته تلك أثناء تجواله الميداني لاحظ ما بعمارة المسجد النبوي الشريف من خراب وما تحتاجه من إصلاح كتب بذلك لجلالة الملك عبد العزيز برقية تتضمن جميع التفاصيل حول ما يحتاجه المسجد النبوي من إصلاح.
وفي جانب احتواء الناس بالمدينة كان لابن إبراهيم مجلس ليلي يؤمه كبار وأعيان وعلماء المدينة يسمع منهم ويستطلع آراءهم ويعرض مشاكلهم كما كان لشيوخ القبائل اجتماع دوري يعرضون فيه ما يرون وما يقابلهم من عقبات في سبيل تركيز الأمن في الطرق والقرى والهجر.
وشجع وعاضد فكرة إصدار مجلة المنهل لصاحبها عبد القدوس الأنصاري في المدينة المنورة وأيد كل التأييد فكرة إصدار جريدة المدينة المنورة لصاحبها علي وعثمان حافظ وكانت سعادته كبيرة عندما يحضر ويشجع حفلات المدارس ويستمع إلى كلمات الطلاب التي تؤكد استفادتهم وطموحهم مما يدرسون في مدارس العلوم الشرعية ودار الأيتام وغيرها، وكان يخدم أهل المدينة بصفة عامة ويقدرهم تقديراً خاصاً ويجل العلماء والفضلاء ويحب الصدق ويعرف ملامح الرجال الصادقين كما كانت لديه فراسة قوية لاستكشاف كنه المتحدث معه وبهذه الفراسة والذكاء يكتشف ألاعيب اللصوص والمجرمين.
لقد أمضى ابن إبراهيم عشر سنوات بالمدينة المنورة أقام فيها صروح الأمن وترك بها بصمات لا يمكن أن تنسى من شدته على الباطل ووقفته مع الحق وحبه للفضلاء وتصرفه في مختلف المواقف بعقل واتزان وصرامة وبعد نظر وكان الملك عبد العزيز يقدر له كل هذه المواقف ويحرص على استمراره في مدينة المختار عليه الصلاة والسلام ولكن مرضه أجبره على إعفائه من منصبه حيث طلب من الملك عبد العزيز ذلك فوافق جلالته على ذلك بعد اقتناعه.
وغادر ابن إبراهيم المدينة وكل المواطنين يتحدثون بإنجازاته خلال فترة وجوده بها والياً ذكياً شجاعاً قوياً مخلصاً محباً للخير عدوا للشر والطغيان والفساد وبعد المدينة عينه الملك عبد العزيز عضوا في مجلس الوكلاء بمكة المكرمة في عام 1355هـ، وما لبث أن توفي إثر مرضه في شهر رجب من عام 1356هـ في مصر رحمه الله رحمة واسعة فغادر دنيانا إلى رحمة ربه عز وجل وبقي اسمه في سجلات المدينة المنورة في مختلف أزمان تاريخها.






