الشيخ عبد العزيز بن عبد الفتاح قارىء
محمد بن صالح البليهشي

غادرنا يوم الخميس الماضي 1444/4/2هـ إلى دار البقاء والخلود فضيلة الشيخ الدكتور عبد العزيز بن عبد الفتاح بن عبد الرحيم بن الملا محمد عظيم القارىء بعد معاناة مع المرض كتب الله له الأجر والمثوبة، وهو واحد من العلماء الأفاضل الذين كان لهم الفضل بعد الله سبحانه وتعالى في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة خاصة في علوم القرآن الكريم وكليته ودراساته، يذكره طلابه وزملاؤه في الكلية وفي الجامعة الإسلامية عموماً بأطيب الذكر ولا نزكيه على الله ولكنه من حملة القرآن الكريم وحفاظه وتجويده ومدرسيه، يمتاز بعلمه الغزير في هذا الجانب ويذكره طلابه بحبه لهم وحسن تعامله معهم وفرجه بكل بادرة من أي واحد منهم وتميزه في حفظ كتاب الله تعالى، كما يذكرونه باحتواء كل راغب في الحفظ ومتعثر به للأخذ بيده إلى أيسر الطرق وأسهلها وكيفية التعامل مع حفظ هذا الكتاب العظيم الذي من أجله خصصت كلية من كليات الجامعة الإسلامية لتدريسه وحفظه واحتواء محبيه، والدكتور الشيخ القارئ واحد من المدرسين الذين رزقهم الله تعالى حفظ كتاب الله وتجويده أولاً على يد والده يرحمه الله الشيخ عبد الفتاح القارىء ثم على تلميذ والده الشيخ محمد الأمين ايدا الشنقيطي تلقى عنه قراءة نافع بروايتي ورش وقالون) ودرس عليه منظومة بن بري الغرناطي الأندلسي، وأجازه في قراءة نافع العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز يرحمه الله ثم العلامة المفسر الشيخ محمد الأمين الجكني الشنقيطي مؤلف كتاب أضواء البيان حيث درس عليه الشيخ عبد العزيز أبواب القياس من روضة الناظر وحضر دروسه في التفسير كما درس تفسير الجلالين على يد الشيخ محمد المختار المزيد الشنقيطي وكذلك درسه قطر الندى لابن هشام في النحو، أما الشيخ حماد الأنصاري فقد درس القارىء عنده الحديث في كتاب سبل السلام، وكذلك درس لدى الشيخ عبد المحسن العباد كتاب الطحاوية، ودرس التفسير لدى الشيخ عبد القادر شيبة الحمد، وبهذا نرى الدكتور أبو مجاهد) قد دعم قراءاته وعلومه ونهل من معين وعلوم رجال فضلاء ومشائخ أفذاذ في كافة مناحي الثقافة والمعرفة في الشريعة واللغة والعقيدة.
كان المسجد النبوي الجامعة الكبرى التي جمعتهم واحتوت علومهم ومعارفهم وطلابهم ومريديهم فهو يرحمه الله تعالى لم يكتف بشهادته الجامعية من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ولا بدرجاته العلمية في الماجستير والدكتوراه من الجامع الأزهر بمصر، بل دعمها بمشارب عديدة من علوم ومعارف أولئك العلماء في رحاب مسجد المصطفى ولذلك صار بفضل الله تعالى مرجعاً في الأسانيد، وحظي بإجازات في الحديث من كثير من العلماء وفي مقدمتهم الشيخ المحدث العلامة حماد الأنصاري) رحمه الله. ولم يتردد المسؤولون بالجامعة الإسلامية من رؤسائها ومديريها في اختياره في عضوية ورئاسة الكثير من المجالس العلمية والمؤتمرات المتصلة بالقرآن الكريم ليمثل الجامعة فيها وهو جدير بالثقة لدماثة خلقه ومخزونه العلمي الرصين ولذلك خرجت دراساته وبحوثه وكتبه تحمل عناوين المستشرقين في الميزان ودراسات في أصول اللغات العربية وسبع مسائل في علم الخلاف وقواعد
التجويد على رواية حفص عن عاصم بن أبي النجود، وحديث الأحرف السبعة وسنن القراء والمجودين وتفسير سورة العصر ورحلة المخطوطات من طيبة إلى طنجة ولغات العرب في القرآن الكريم وغيرها، ألف هذه البحوث والكتب والدراسات بصورة جيدة ومتقنة، تحمل نفس عالم متمكن وأسلوب باحث قدير ومن هنا تم اختياره لرئاسة لجنة مراجعة المصحف الشريف الذي بدأ في طباعته بمجمع الملك فهد سنة 1405هـ، وكانت اللجنة المشكلة لذلك من كبار العلماء والحفاظ ورجال القراءات والتجويد وفي مقدمتهم الشيخ عبد العزيز قاريء رحمه الله، كما تم اختياره للخطابة في مسجد قباء للفترة من 1405 إلى 1414هـ وفي مدارج كلية القرآن الكريم تولى التدريس وتمت ترقياته من أستاذ مساعد إلى أستاذ مشارك ثم أستاذ وتولى عمادة الكلية ومن ثم قام بالتدريس في قسم الدراسات العليا بشعبة التفسير وعلوم القرآن إلى سنة 1415هـ. وتولى رئاسة شعبة الدراسات العليا لمدة عامين ومن ثم أحيل
للتقاعد في عام 1416هـ
عرفت الدكتور عبد العزيز قارىء قبل خمسة وثلاثين عاماً في مجلس فضيلة الشيخ الدكتور صالح الفهد صديق الجميع، ولقيته مراراً لديه في مكتبته في مناسبات عديدة ورأيت منه تواضعاً وحلاوة منطق وأسلوب جذاب في التعامل والخطاب وهو رجل معتد بنفسه وعلمه تهابه عندما تراه ولكنه سرعان ما تجده عندما تتحدث إليه، ذلك الإنسان المهذب الألوف الذي يشعرك بقربه منك وقدم معرفته بك ولو لم تكن تعرفه من قبل صاحب رأي وحكمة وعقل واتزان وعلم غزير خاصة في علوم القرآن واللغة
والتفسير.
في أحد لقاءاتي به في مجلس الشيخ صالح المزيد أطلعني على ذلك التوثيق الذي كتبه بخط يده عن تحقيق جبل ثور بالمدينة المنورة وحدود حرم المدينة النبوية، وكان ذلك التوثيق موقعاً من المشائخ عمر بن محمد فلاته مدير مركز السنة والسيرة النبوية بالجامعة الإسلامية والمدرس بالمسجد النبوي الشريف، وحماد بن محمد الأنصاري الأستاذ بشعبة السنة النبوية بالدراسات العليا بالجامعة الإسلامية، ومرزوق بن هباس الزهراني وكيل مركز خدمة السنة والسيرة النبوية. والأستاذ المساعد بكلية الحديث بالجامعة الإسلامية بالمدينة، وعبد العزيز بن عبد الفتاح القارىء الأستاذ المشارك بشعبة التفسير وعلوم القرآن بالدراسات العليا بالجامعة الإسلامية وخطيب وإمام مسجد قباء بالمدينة المنورة، وقد أرخ هذا التوثيق في الثاني عشر من شهر جمادى الآخرة من عام 1410هـ، وقد أعجبت بحسن خط الشيخ الدكتور عبد العزيز قارىء الذي قام بتحرير ذلك التوثيق بخط جميل رائع قل مثيله في هذه الأيام، كما أعجبت بتحرير التوثيق وإصرار أولئك المشائخ وترددهم على الموقع واستقصاء كافة المعلومات حوله لإثبات الحد الشمالي للمدينة وتحقيق جبل ثور وموقعه وهو جهد يحسب لهم نسأل الله تعالى لهم الأجر والمثوبة.
رحم الله أبا مجاهد الشيخ الدكتور عبد العزيز بن عبد الفتاح قارىء الذي كتب الله تعالى له موقعاً ومكاناً في بقيع الغرقد بجوار الأخيار بمدينة المختار .






