عبد العزيز ومحمد الخريجي

محمد بن صالح البليهشي

عبد العزيز ومحمد الخريجي
عبد العزيز ومحمد الخريجي

تشرفت يوم الأحد الماضي بزيارة متحف الأخ العزيز الباحث التاريخي المغرم بالتراث الأستاذ عبد المجيد محمد الخريجي، الذي وجدته فوق ما تصورت عنه لأنه متحف متكامل في نظري بذل فيه صاحبه الشيء الكثير من الوقت والجهد والمال، وحرص على التنوع في محتوياته وكافة المقتنيات التي تحكي الجوانب العديدة من التاريخ بصفة عامة وتاريخ المدينة المنورة بصفة خاصة ولن أتحدث هنا عن المتحف وصاحبه وعن الجهود التي بذلت حتى تكون هذا المتحف العجيب فلهذا موقع آخر، سوف أتحدث عن علمين من أعلام الأسرة الخريجية، هذه الأسرة الكريمة التي حضرت ذاكرة المدينة المنورة اسمها وأثرها في جوانب تاريخها في القرن الماضي، هما الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الخريجي ومحمد بن عبد الكريم الخريجي، هذان العلمان اللذان سطع نجمهما في سماء المدينة المنورة خلال بدايات القرن الماضي حيث لا تكاد تجد ذاكراً لهذه المدينة المقدسة في أي شأن من شؤونها إلا ويبرز اسم (الخريجي) في حياتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

وتعود جذور هذه الأسرة الكريمة إلى ذلك الجد الكبير التاجر عبد الكريم الخريجي الذي ولد في مدينة (عنيزة) وتربى في ربوعها ودرس في كتاتيبها وامتهن التجارة فيها، وفي إحدى زياراته للمدينة في أواخر القرن الثالث عشر الهجري استهوته مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم وتشربت نفسه عبقها التاريخي وتعمق في وجدانه قداستها وأثرها في انطلاق الإسلام من مسجدها العظيم وربوعها الطاهرة إلى أرجاء الدنيا، فقرر الرحيل من عنيزة إليها وممارسة التجارة بها واتخاذها موطناً ومسكناً وحياة حيث وجد البركة في ربوعها ومضاعفة الصلاة والأجر في مسجدها العظيم واستأنس بأهلها وارتاح إلى مواطنيها فأسس تجارته بها في أواخر القرن الثالث عشر الهجري ووجد من بركات المدينة والعيش فيها ما زاد من تجارته وثروته، كما وجد من أهل المدينة كل تعاون وصدق وحسن تعامل وصحبه، ويوم أن فجر (فخري باشا أهل المدينة عاد الشيخ عبد الكريم إلى موطنه الأصلي عنيزة وبقي ثلاث سنوات تقريباً ولكن الحنين إلى المدينة لا يزال في نفسه فعاد إليها تاجراً من تجارها وعلماً من أعلامها فتوسعت تجارته وتشعبت مواردها وزادت ثروته ومع ممارسته للتجارة اهتم بتعليم أبنائه الكبار ورفيقهم عبد العزيز بن عبد الله) خال أبنائه الكبار في كتاتيب المدينة المنورة وتلقوا معارفهم فيها كما حرص على تعليمهم القرآن الكريم وعلومه على يد الشيخ حسن الشاعر بالمسجد النبوي الشريف، إضافة إلى أنه رحمه الله تعالى حرص أيضاً على تعليمهم فنون التجارة والتعامل مع الناس من خلالها ولما كان العام الهجري 1332 هـ. أوكل العمل التجاري إلى رحيمه أخو زوجته الشاب عبد العزيز بن عبدالله وابنه محمد بن عبد الكريم لإدارة شؤون التجارة في المدينة المنورة مناصفة بينهما وقام هذان الشابان معاً بممارسة العمل التجاري واستعانا بالقادرين من ذويهم على إدارة الأعمال التجارية في المدينة وينبع وجدة وغيرها، واتخذ هذان الشابان وصية مؤسس العمل الشيخ عبد الكريم نبراساً ومنطلقاً في مسار حياتهما حيث أوصاهما بالرجولة والصدق والمثابرة والجد والاجتهاد والأمانة وحسن الخلق والوفاء والتأدب بآداب الإسلام وتعاليمه في مدينة خير البرية عليه الصلاة والسلام واستشعار قداستها والأجر لمن عمل فيها يصدق وأمانة وإخلاص، ورسم خطة العمل التجاري لهما وبين مالهما من حقوق ودور كل منهما في سياسة التجارة وشؤونها ومنذ ذلك الحين قاما بتجارتهما في المدينة المنورة وأصبح اسمهما مقترنا تحت اسم (عبد العزيز ومحمد الخريجي) فاقترنا في لحمة واحدة كأنهما شخص واحد قلبا وقالباً، كانت المشورة بينهما ولم ينفرد أحدهما عن الآخر بالرأي ولا بالقرار وكل منهما حيثما يتحدث لا يعني نفسه فقط ولكنه يعني شريكه الآخر في جميع المكاتبات والمبايعات والشراء والبيع ومثلاً بهذه الشراكة واللحمة الجسد الواحد ولم يؤثر عنهما خلاف أو تباين في الرأي وأوجدا ثقة في بعضهما بصورة لامثيل لها وتوسعا في التجارة في مدن ينبع ورابع والقصيم وصار (الخريجي) في المدينة مركز الثقل في جلب البضائع والجانب الاجتماعي، وصارت القوافل لا تغيب عن بيت الخريجي والبواخر تأتي من الهند إلى ينبع ورابغ محملة بالبضائع والأقمشة والأخشاب وغيرها باسم (الخريجي)، وامتدت تجارة (الخريجي) إلى أبعد من ذلك، فقد كانوا وكلاء لبعض الشركات والبنوك والأسر كشركة مصر للطيران
وينك طلعت حرب وبنك مصر وغيرها.

الرحمن الفيصل لابنه سمو الأمير
ويوم أن صدر أمر الملك عبد العزيز بن عبد محمد بن عبد العزيز بالذهاب إلى المدينة تمهيداً لضمها تحت دوحته الوارفة تلقى عبد العزيز ومحمد الخريجي أوامره بالقدوم إلى جدة المرافقة الأمير ضمن جنوده ووفده لدخولها وذلك من أجل المعرفة بالمدينة وشؤونها وشخصياتها ليكونا عبد العزيز ومحمد الخريجي ضمن وفد الأمير في يوم دخولها واستلام ما يتطلبه الحال من المكاتب والإدارات والأسلحة والقلاع والحصون، وهذا دليل على أن الملك عبد العزيز يرحمه الله تعالى يعرف ال الخريجي ويعلم مدى ارتباطهم بالمجتمع المدني ومراكز الثقل فيه، ولذلك تم تعيين الشيخ عبد العزيز الخريجي عضواً في المجلس الإداري البلدي فيما بعد عند أول تكوين لذلك المجلس في عام 1344هـ.

ومن خلال إخلاص آل الخريجي ووقوفهم مع الملك عبد العزيز ومعرفته العميقة
بهما تلقى عبد العزيز ومحمد الخريجي برقية عزاء لهما وللأسرة عموماً من جلالة الملك في وفاة الشيخ عبد الكريم الخريجي والد الجميع بتاريخ 17 / 4 /1353هـ قال فيها رحمه الله تعالى: (بلغنا خبر وفاة والدكم المرحوم، والحقيقة تكدرنا من ذلك ولكن القضاء والقدر غالب على كل حال ترجو أن الله يخلفه عليكم بالتوفيق والسعادة ويخلفكم عليه برضوانه والجنة كما تلقى آل الخريجي برقيات من عدد كبير من الأمراء ورجال الدولة وفي مقدمتهم الأمير عبد العزيز بن مساعد وغيره من بقية الأمراء والمسؤولين.

وقد حظي ال الخريجي منذ الأيام الأولى الاستظلال المدينة بمظلة الملك عبد العزيز بثقة مميزة من الملك وولي عهده وحكومته الرشيدة، حيث كلفهم بالإشراف على تنفيذ كثير من أعمال الدولة في المدينة المنورة من المنشآت وتعبيد الطرق وكسبوا ثقة الملك في استقبال ضيوفه بالمدينة من الملوك والرؤساء والخبراء، واطمأن إلى تعاملاتهم وإخلاصهم في خدمة كبار ضيوفه بالمدينة المنورة واعتبرهم ممثليه في هذه المدينة المقدسة للصدق والأمانة والإخلاص الذي تحلى به هذان الرمزان في بلد المصطفى صلى الله عليه وسلم. ولعبد العزيز ومحمد الخريجي مكانة خاصة في المجتمع المدني لأنهما عاشا في رحاب طيبة الطيبة وتشربا حبها وحب أهلها واستشعرا قداستها وطيبة ساكنيها ولذلك توطدت العلاقة مع أهل المدينة وأصبحت لا تكاد تذكر المدينة. في النصف الأول والثاني من القرن الماضي إلا ويذكر فيها اسم الخريجي) وصارت دار ومزرعة الخريجي بالمدينة المنورة قصرا لضيوف الدولة من داخل المملكة وخارجها ومكاناً لعقد مجالس الأدب والرأي والمشورة كمجلس ليلة الاثنين وليلة الجمعة من كل أسبوع حيث يحرص كبار أعيان المدينة من العلماء والأدباء والمثقفين وأهل الرأي حضورها للثقافة والبحث والتشاور وعقد الآراء، بل أصبح اسم (الخريجي) مكاناً ومكانة وأسرة وتعاملاً وصدقاً ووفاء في طول منطقة المدينة وعرضها وتعدى ذلك إلى القبائل حول المدينة حيث نال (الخريجيون) ثقة شيوخ القبائل القاطنة حول المدينة في التعامل والأخذ والعطاء والتوكيل وأدل شيء على ذلك التوكيل الذي حرره الشيخ عساف بن سعد بن جزاء الأحمدي أحد شيوخ الأحامدة الكبار عام 1359هـ الذي قال فيه: إنعم أنا الواضع اسمي عساف بن سعد بن جزاء الأحمدي وكلت الأخوان عبد العزيز ومحمد الخريجي على استلام اسمى الأنعام) من جلالة الملك المعظم بمالية المدينة المنورة وكالة في أي صرف كان من أي سنة كانت لا غيرهم لي وكيل وقد حررت هذه الوكالة بيدهم لإجراء ما يلزم نحوه وبالله التوفيق).

ومن هذا التوكيل من واحد من أكبر المشائخ بالمنطقة يدل على الثقة والارتباط الذي بناه آل الخريجي مع رجال البادية ومدى الاحترام الذي ساد بينهم وبين رجال بادية المدينة وهو ما عزز المكانة بين الطرفين حماية للممتلكات ورعاية للحمة التي بناها عبد العزيز ومحمد الخريجي مع فئات المواطنين حاضرة وبادية، وهذا يدل على ما حبا الله سبحانه وتعالى لهذين الرمزين عبد العزيز ومحمد الخريجي من تعقل واتزان وارتباط بكافة فئات المجتمع ومن هنا كانت عوامل نجاحهما في احتواء المجتمع ونمو تجارتهما بصورة مذهلة إضافة إلى ما كانا يوليان اهتماماتهما من وجوه الخير والمعروف وتلمس حاجات المجتمع بمساهمات فاعلة في إنشاء مدارس وتمويل مستشفيات خاصة وتغذية جوانب عديدة من أعمال البر والإحسان ورعاية أيتام وأرامل في خير بقعة على وجه الأرض (المدينة المنورة) وفي خارجها فبقدر ما وصلت إليه تجارتهما من الاستيراد والتصدير في داخل المملكة وخارجها كانت أيادي البر والإحسان ممتدة منها إلى تلك المواقع والأصقاع، وكان بيت الخريجي على طول أربعة عقود يرتاده ملوك وأمراء ورؤساء وأعيان تحفه الفخامة والأدب والكرم وتغطيه مظلة الأمن الذي ساد الجزيرة العربية بإرادة الله سبحانه وتعالى ثم بفضل الملك عبد العزيز الفيصل رحمه الله تعالى وأبنائه من بعده الذين يعرفون أقدار الرجال المخلصين ويسعون لإسعاد مواطنيهم في كل زمن وحين.

هذا وقد فقدت أسرة الخريجي والمدينة المنورة بعامة أحد هذين الرمزين الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الخريجي في العام الهجري 1385هـ بعد حياة حافلة بالعطاء والجد والاجتهاد وبذل يد المعروف والحكمة والأناة عن عمر يناهز الثمانين عاماً رحمه الله تعالى.

كما أفل النجم الآخر والعلم الرمز الشيخ. محمد بن عبد الكريم الخريجي في عام 1402هـ عن عمر يناهز التسعين عاما رحمه الله تعالى ويفقده ترك فراغاً في عالم الإحسان واللطف والرجولة والشهامة وكلا الرمزين تمت الصلاة عليه في مسجد المصطفى صلى الله عليه وسلم وأخذ مكانه في بقيع الغرقد رحمهما الله رحمة الأبرار وأدخلهما فسيح جناته وترك كل منهما لذريته وجماعته وذويه السمعة الطيبة والذكر الحسن والمواطنة المخلصة والانتماء المدينة خير البرية عليه الصلاة والسلام وحبها والإخلاص لها والفخر بالمولد والنشأة
في ربوعها طهرا وقداسة.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.