الدكتور عبد العزيز الخويطر

محمد بن صالح البليهشي

الدكتور عبد العزيز الخويطر
الدكتور عبد العزيز الخويطر

الدكتور عبد العزيز الخويطر "يرحمه الله" واحد من الرواد
في التراث والأدب والثقافة في بلادنا مضى على وفاته سبع سنوات وسبعة أشهر تقريباً وبالأمس كنت أفتش في أوراقي بعد تقاعدي ووجدت رسالته التي شرفني بأن أكون تلميذاً له رغم عدم مقابلتي له أو ارتباطي به من بعيد ولا من قريب تلك الرسالة التي اعتبرها من أكبر شهاداتي التي حصلت عليها في ميدان الكتابة في التراث والثقافة والحرف .

لقد استهواني حداؤه قبل ثلاثين عاماً يوم أن أصدر الجزء الأول من كتابه (أي ... بني.. ) في سنة 1413هـ، كنت يومها معجباً ولا أزال بذلك الخط الذي اختطه يرحمه الله في باب التراث لأنه ينثر الألى في تلك الجادة ويسمى الأشياء بأسمائها التراثية القديمة وهو يخاطب ابنه بقوله (أي بني... ولمست من كتاباته وعرضه أنه يشجع على سلوك جادته لتذكير الجيل بماضي الأجداد على هذه الأرض ويشرح للجيل الحاضر تلك الحياة بمصاعيها وشجونها وحلاوة مسميات تراثها ويعيد الأسماء إلى أصولها التراثية..

كتبت في حينها بملحق الأربعاء بجريدة المدينة المنورة وهو ملحق كان يهتم ويشجع الكتابة في الأدب والثقافة والتراث.. ويومها استأذنته يرحمه الله في إطلالتي التراثية التي نشرت بتاريخ الأربعاء 1413/11/7هـ، في استعارتي العنوان كتابه ومقالاته المبتدئة بقول (أي ... بني) ونشرت تحت هذا العنوان مقالات تباعاً تحت عنوان رئيسي (رسائل .. لم يحملها البريد وهي مقالات تربوية تراثية تسير في معالم درب الخويطر وتترسم خطاه في التراث والتربية.. استجابة لدعوته ومناداته لكل قادر أن ينشر بساط الماضي بأفراحه وأتراحه لجيل الحاضر ليعرف الجيل الحياة التي كان يعيشها الأجداد على هذه الأرض وكأن العنوان قد شده ولفت نظره أن يستأذنه كاتب مبتدئ في سلوك مساره واتباع خطاه.. لم تشغله مهامه وهمومه عن الاستجابة والتشجيع والمتابعة.. ولم يرفعه الغرور وهو من هو مكانة وعلماً وثقافة عن الالتفات إلى ذلك الطلب والاستئذان في عنوان له حق التمسك به أو السماح للآخرين أن يسيروا في ظلاله ... فكتب لجريدة المدينة يرحمه الله مقالة تحت عنوان هذه القطرات المباركة.. ستكون بحراً زاخراً تندي رف التراث)

وقد خاطبني من علياء شموخه وأعماله وعمق تواضعه في مقاله بالأربعاء نفسها رأيت أن أنشرها اليوم بعد مرور ثلاثين عاماً لأنها شهادة للتاريخ على رعاية الدكتور عبد العزيز الخويطر وحرصه على التراث والأجيال والأخذ بيد كل بادرة يرى منها بريقاً لغد واعد وخطوات واثقة.. كما أنها تعطى للأجيال أي الرجال هو عبد العزيز الخويطر أبو محمد) وأي ثقافة وشفافية وتواضع وتربية يحملها و يحس بها ذلك الرجل قال يرحمه الله في رسالته لرئيس التحرير:

قرأت ما كتبه الأخ الأستاذ محمد صالح البليهشي تحت عنوان "رسائل لم يحملها البريد وجاء على ذكر عنوان كتابي " أي بني". وقد وجدت متعة فيما قرأت للأصالة في اللمحة السريعة التي كتبها الأستاذ محمد عن التراث. ولأني لمحت استجابة كريمة لما دعوت إليه في مقدمة كتابي من أني أؤمل أن يتكفل كتاب قادرون على الكتابة عن تراثنا في المناطق التي يعرفون عنها أكثر مما أعرف. والتي تستحق أن يلتفت إليها، وأن يعتني بذخائرها التي بدأت تتراجع إلى خلف الصفوف ولم يبق من أهلها إلا جيل بدأ يتلاشى مثلها، والجيل المقبل له حق علينا في أن يتناول منا المشعل أمانة مصانة وهي ثقيلة إلا أنها غالية. وشريفة. لهذا تمتعت بما كتبه الأستاذ محمد وفرحت باتجاهه هذا ... وليس غريبا أن يشدني ما كتب، ويبهجني ما أدلى به فقد قرأت أكثر من مرة ما عدده عن "الجماء" وأخواتها .. و"التكليلة" وقريناتها و"الشيش" ولداته، والصفنة وما تبعها، وخشي أن أغضب إن مشى على خطاي وكيف أغضب عندما يشرف أسلوبي بمن ينهجه، ويشاركني في الطريق الذي ارتضيه من يؤنسني بصحبته إلى أرجو أن تحفر هذه الجادة بكثرة السير عليها حتى
تصبح خندقا لو عرف الأستاذ محمد مقدار فرحتي بما كتب الطالب يدفع ثمن هذه الفرحة، وأنا لا أغالي بل أعني ما أقول .... إن هذه القطرات المباركة التي تندي رف التراث عندنا ستكون بحرا زاخرا إذا استمرت، ونحن في حاجة إلى الاستمرار، وإلى طرد أي شعور يخالجنا بأن ما نكتبه قليل الأهمية، لو كتب من سبقونا باستمرار وتابعوا لكان لنا من حصيلتهم ما تفاخر به ... قبل مدة كنت أنظر إلى صورة
فوتوغرافية لرجل في مكة أخذت قبل خمسين عاما .. فهزتني لأنها أعادتني إلى أيام مضت ولم يكن ما أنظر إليه العقال المتين الذي لو لبس اليوم لأوجب الالتفات ولا السيارة موديل 1934م بيدانيتها عند سيارات اليوم، ولكن بجانب هذا ما انهال إلى ذهني من عادات تلك الأيام وتقاليدها ... والروح التي كان يتحلى بها الناس حينئذ، ومن أدوات كانوا يستعملونها، كان ثمانية أعشارها من إنتاج بلادنا .. وتتسع الصورة في الذهن فانتقل معها من عالم إلى عالم ... وليس هناك لذة تعدل لذة ذكرى الشباب، والتذكر واستعادة الماضي من مثبتات الأواصر التي تربط المرء بتراثه، حتى لا يفقد توازنه الحضاري وأصالته وهي جوهر امتيازه عن سواه من أصحاب الحضارات الأخرى .. أجل، يا أخ محمد ، أنا فخور أنك التقطت الكرة ولم تتركها لتدحرج على الأرض حتى تركد، وتستقر ميتة جامدة ، وعلينا أن نبقى عاليا ما وجدنا أننا يجب أن نرفعه عاليا كما نحب له ، وحلقتك الرابعة هذه أرجو أن تصل قريبا إلى الحلقات الأربعمائة وما ذلك على الله بعزيز .... و أعيد رجاني أن يتقاطر الخير في هذا المجال من أنحاء المملكة كل يدلي بدلوه فيما يعرف ، ولا عذر لنا فالمتعلم اليوم والحمد لله
في كل مكان في أرجاء بلادنا الحبيبة، وما علينا إلا أن نملأ أنفسنا ثقة في أن ما تساهم به مهما قل ثمين غال.
وحلقة مهمة في حلقات سيرنا، وسلسلة تقدمنا، وألا تستقل شيئا مهما قل. وأن نشجع كل مجهود واعد.
وأصبح عليك حق اليوم بعد أن أثبت بما لا يدع مجالا للشك أن لديك مادة غزيرة أصبح من حقنا أن نعرفها، وأن نستفيد منها، الله يوفقك وكل من عمل لوجهه الكريم .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أرأيتم ؟ أي صنف من الرجال هذا ؟ وأي أديب وعبقري ومرب من طراز خاص هذا الأسلوب ؟ لقد امتدت الحلقات الأربع في سلسلة رسائل لم يحملها البريد إلى سبعين رسالة نشرت في ملحق الأربعاء وغيرها من المجلات كلها في التراث والثقافة وصدرت معظمها في كتاب بمناسبة مرور مائة عام على تأسيس المملكة العربية السعودية تحت عنوان (رسائل في حب الوطن) قام بطبعه النادي الأدبي بالمدينة المنورة.

كل تلك الحلقات كتبتها بفضل الله تعالى ثم بفضل تلك النظرة والتشجيع من ذلك العملاق لأنها لو لم تفتح أمامها جميع النوافذ متابعة وتشجيعاً ودفعاً كما ورد في الرسالة لما رأت النور لأنها خرجت من قلب مرب كبير وكاتب وأديب لامع .... إن تلك الرسالة المؤثرة الملينة بكل القيم والمثل والأخلاق والفضائل قد جعلت تلك الرسائل وذلك النبش للتراث تستمر وتؤتي ثمارها كتاباً محملا بالأدب والتربية والتراث.

ومن هنا وغيره لن تنس الأجيال اللاحقة الدكتور عبد العزيز الخويطر لأنه رسم ووسم أديم الوطن بعبق التاريخ على مر العصور والأزمان، وترك إرثاً نفيساً يحمل اسمه ويُذكر الأجيال به فهو رمز من رموز الوطن الذي سار بخطى ثابتة ورسم طريقاً واضحاً ونهجاً بيناً في دروب التراث والتربية والأدب والثقافة، إلى جانب أنه كان مخلصاً وقد ترك بصماته في كل موقع حل به أو مهمة اضطلع بها.

كان أبو محمد) نموذجاً فريداً من الرجال سياسة وأدباً وإدارة ووزارة وثقافة وتربية وتراثاً.. إنه طبعة خاصة مميزة قلما يجود الزمان بمثلها.. كان يحمل هم الوطن رجولة وموقفاً ومسؤولية وتضحية وإخلاصاً.. . ولا أزكيه على الله سبحانه وتعالى، ولكنه أحب وطنه وأعطاه كل مواهبه وإبداعه.

هو مثال الصدق والتضحية ومثال الرجولة والأنفة والشيم ولذلك تمسك به ولاة الأمر لأنه ثروة وطنية لا يمكن التفريط فيها كما قال عنه الملك فيصل بن
عبد العزيز يرحمه الله.

عايش خمسة ملوك من ملوك المملكة العربية السعودية لم يختلف ديدنه ولم يختل ميزان عمله ولم يبخل على وطنه وولاته ومواطنيه بأي جهد أو طاقة أو تضحية.. في كل موقع وزاري حل به... يضطلع بمسئوليات عمله ومهام واجباته مهما كانت الأبعاد والمرامي كان الخويطر الأقدر على العطاء الأجدر بالوفاء وإلى جانب تلك المسئوليات الجسام التي اضطلع بها كان قلمه سيالاً ونفسه شفافة وثقافته عالية وهاجس التربية ورسم معالم الطريق للأجيال اللاحقة لا ينفك عنه ولا تفارق خلجات نفسه.

وقد ترك ثروة ثقافية مميزة في كتبه التي حملت عناوين أي بني... واطلالة على التراث .. وملء السنة من ثمر المجلة .. وحاطب الليل... والنساء رياحين .. ورسم على أديم الزمن .. ويوم وملك.. وتاريخ التعليم كلها عناوين اختزنت بين جوانبها كنوزاً من الثقافة والإبداع يجللها الهاجس الوطني والعشق التراب هذه الأرض. لقد أثارت رسالته التي قرأتها مجدداً يوم أمس الشيء الكثير في نفسي عن ذلك الرجل الذي لم يحصل لي مقابلته ولكنني تتلمذت على مبادئه وأعجبت بلمحات نفسه وقلمه وصار البحث في التراث وذكريات الماضي يستهويني وأطرب له وأشجع عليه وأسعى إلى تسجيله والحداء له لأن الجيل اللاحق له حق علينا ورسالة الدكتور الخويطر أنفة الذكر قد أوضحت كل المعالم وتطرقت إلى كل الزوايا
في هذا الموضوع ولا عطر بعد عروس. فسلام على عبد العزيز الخويطر الرمز وسلام على جادته التراثية وجادته في القيادة والإدارة والمسئولية وسلام عليه يوم يبعث حيا إن شاء الله مع الشهداء والصالحين المصلحين وحسن أولئك رفيقا.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.