الأستاذ عبد العزيز أحمد ساب

محمد بن صالح البليهشي

الأستاذ عبد العزيز أحمد ساب
الأستاذ عبد العزيز أحمد ساب

رمزنا اليوم الذي اختزنته الذاكرة علم من أعلام الثقافة والمجتمع عاش في النصف الثاني من القرن الماضي وعرفه المجتمع المدني بظهوره المتألق وإسهاماته المتعددة في مجتمعه علماً وثقافة ورجولة وأعمالاً وحبا ومساهمة في وجوه الخير والنفع لمجتمع المدينة حاضرة وبادية وإسهاما في وجوه البر والإحسان.

إنه الأستاذ عبد العزيز أحمد ساب (أبو هاني رحمه الله تعالى.

عرفته في بداية التسعينات الهجرية من القرن الماضي يوم أن كان مديراً لشركة كهرباء المدينة المنورة أتيته في مكتبه بالشركة في الجهة الجنوبية من المسجد النبوي الشريف وهو لا يعرفني، أتيته طالباً إيصال الكهرباء إلى داري في حي الجبور) بالمدينة حيث أن جيراني تقدموا بطلباتهم وألزمتهم الشركة بحفر مسار الكيبل إلى منازلهم ولم أشترك معهم لأمر لا أذكره وعندما أضاءت الكهرباء في منازلهم وجدت في نفسي ندامة وحنقاً وذهبت من الغد إلى الشركة بطلبي الذي قدمته للمسؤول عن التمديدات والأمر بها فرفض رفضاً قاطعاً مع أن منزلي لا يبعد عن مسار الكيبل الرئيسي كثيراً، وعدت يخفي حنين وعندما جن الليل وبيوت جيراني مضاءة ومنزلي في ظلام دامس أمضيت تلك الليلة ساهراً ونظمت قصيدة لمدير الشركة الأستاذ عبد العزيز ساب فذهبت في الصباح الباكر إلى الشركة ودخلت مكتبه وعند مدخل المكتب وقمت والقيت القصيدة إشادة به وشرحاً لموضوعي الذي أقلقني كثيراً، وكان رحمه الله تعالى تواقاً للأدب كاتباً قديراً ودائم الابتسامة وبشاشة الوجه فما كان منه بعد أن عرف موضوعي ومصدر حنقي وقلقي إلا أن استدعى المسؤول الذي رفض بالأمس وأمره بسرعة إيصال الكهرباء على حساب الشركة وقال له بالحرف الواحد: غداً المغرب يكون التيار قد وصل إلى منزل الأستاذا، وقد تم ما أمر به وانتصر لي انتصاراً لا أزال أحس به إلى اليوم، ومن يومها عرفت ذلك الرجل وكنت أتابع كتاباته في الصحف في عمود بجريدة البلاد ثم المدينة وعكاظ واليمامة وغيرها بعناوين ثابتة منها (صور من الحياة) و(همس وجهي) وفي الأسبوع مرة وكل مقالاته يعالج فيها الكثير من مشكلات المجتمع وما يستجد من أحوال ذلك العهد سياسياً واجتماعياً وأدبياً.

ويوم أن توفي الأستاذ عبد العزيز الربيع رحمه الله تعالى في عام 1402هـ كتب الأستاذ عبد العزيز ساب مقالاً بعنوان التكريم الذي فقد معناه حيث كان ممن يدعو إلى إقامة حفل تكريم للربيع بعد إعفائه من منصبه كمدير للتعليم وبدأ مع مجموعة من المحبين في ترتيبات ذلك الحفل على مستوى المدينة ولكن ذلك التكريم فقد معناه بانتقال صاحبه إلى الرفيق الأعلى ومما قاله في نعيه وهو من المحبين للربيع والمعجبين بأدبه ونقده ومسار عمله قوله: سيظل الحديث عن فقيدنا الغالي الأستاذ عبد العزيز الربيع متصلاً غير منقطع فإن الرجل لم يكن أبداً شخصية عادية وإن الميزات التي كان يتحلى بها مما يندر في هذا الزمان العجيب وستظل خسارتنا بفقده كبيرة جداً فقد كان صوتاً مدوياً ليس على مستوى المدينة الحبيبة التي عشقها وقام بها وآثرها على غيرها رغم وجود الأضواء الكثيرة هناك ورغم الشهرة وذيوع الصيت اللذين سينالهما ولكن على مستوى المملكة كلها فقد كان يرحمه الله أديباً مثالياً وعلى درجة من الخلق الكريم الذي تفتقده في أيامنا هذه ونحتاج إليه أكثر مما يكون الاحتياج). ويمضي في مقاله مستعرضاً معرفته بالربيع في مدرسة تحضير البعثات بمكة وعلاقته به في المدينة المنورة والخطوات التي تمت لتكريمه مع مسؤولي المدينة ويختم (نعيه) ببيت الشاعر كمال الدين علي بن الحسن
في العصر العباسي الذي يقول فيه:

والموت نقاد على كفه
جواهر يختار منها الجياد

وكذلك الحال بالنسبة لعبد العزيز ساب رحمه الله تعالى حيث كان أديباً وكاتباً مثالياً وعلى درجة من الخلق الكريم الذي تفتقده في أيامنا هذه. أحب المدينة وهو المكي طفولة ونشأة وتعليماً في مدرسة تحضير البعثات وكان من أوائل المرشحين لإتمام الدراسة الجامعية بالقاهرة. ولكن ظروفه حالت دون سفره ولثقافته التي كانت سمة من سماته عمل سكرتيراً للتحرير بجريدة البلاد السعودية وبعدها اختير مديراً لمكتب مقاطعة إسرائيل بوزارة الخارجية وبعد عمل قصير في وزارة التجارة وفي العام الهجري 1378هـ آثر حب المدينة المنورة واتخذها مقراً وأصبح أول مدير لشركة الكهرباء في طيبة الطيبة، ولِميوله الدينية والخدمية المجتمعة ساهم في تأسيس جمعية البر بالمدينة المنورة وشغل منصب الأمين العام لهذه الجمعية وترأس الغرفة التجارية لمدة أحد عشر عاماً وهو عضو في مجلس إدارة مؤسسة المدينة المنورة للصحافة والنشر إضافة إلى عضويته في مؤسسات وجمعيات أخرى، وكل هذا الحراك لرمزنا (أبو هاني يعطي تصوراً وانطباعاً عن ذلك (العلم) الذي عاش في المجتمع المدني وانصهر فيه إعجاباً وتفاعلاً وحباً وتقديراً مما أهله للحصول على درع رواد العمل الاجتماعي بدول مجلس الخليج العربي لعام 1407هـ تقديراً وعرفاناً بجهوده المميزة، وبحلول عام 1399هـ قدم الأستاذ عبد العزيز ساب استقالته من إدارة شركة كهرباء المدينة بعد خدمة زادت عن واحد وعشرين عاماً وضع خلالها أسس مسار الشركة وبنود مجالات خدماتها، وتفرغ لأعمال البر والإحسان ووجدت أقدامه المزيد من السير نحو رحاب المسجد النبوي الشريف وفي اليوم السابع من شهر ذي الحجة عام 1412هـ غادر دنيانا الفانية إلى دار البقاء والخلود واستقبله بقيع الغرقد بطيبة الطيبة وتحققت أمنيته التي حرص عليها طوال حياته رحمه الله
رحمة الأبرار وأسكنه فسيح جناته.

وكان لوفاته أثر كبير على المجتمع المدني وعلى كافة الأدباء والمثقفين في طول البلاد وعرضها ومما قاله الدكتور محمد عبده يماني - رحمه الله تعالى وزير الإعلام الأسبق: الساب الذي عرفته فوجئت بعد عودتي من الجمهوريات الإسلامية ولقاء الأشقاء المسلمين هناك بخبر وفاة صديق عزيز وأستاذ كبير وأديب فاضل هو الأستاذ عبد العزيز ساب فكان لوفاته رنة أسى في نفسي هزت داخل مشاعري)

وقال الشاعر محمد حسن فقي: فوجئت بالنبأ الفاجع نبأ انتقال أخي الأستاذ الصديق عبد العزيز ساب إلى رحمة الله وأشهد الله أنني صعقت لهذا النبأ وشعرت بأسى وحزن عميق فقد اجتمعت بالصديق الغالي قبل زمن ليس بالبعيد، لقد أفضل علي بزيارة كريمة كنت أتوق إليها، وكنت كلما أزور طيبة الطيبة أتحدث إليه ونجتمع على حديث شائق عن الأدب
والشعر وما إليهما من ألوان الثقافة

ومما قاله علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر: (رحم الله أبا هاني، لقد كان أديباً حقاً لقد صدمت حين قرأت ذلك النبأ لوفاته وتأثرت تأثراً عميقاً لأنني عرفت من أخلاقه وما حببه إلي حين تم التعارف بيننا في مكة المشرفة، إذ كان من محرري جريدة البلاد السعودية في عهد الصديق الأستاذ عبد الله عريف رحمه الله، ثم بعد ذلك قويت الصلة حين انتقل إلى مدينة الرياض مديراً للشؤون الإدارية في وزارة التجارة وكنتُ إذ ذاك أصدر جريدة (اليمامة) فكان يزورني لماماً ثم كان يمد (اليمامة) ببعض مقالاته فتنشر بعنوان في الأسبوع مرة وهي مقالات تعالج كثيراً من مشكلاتنا الاجتماعية وما يستجد من أحوال ذلك العهد وقد نشر له ما يقرب من ثلاثين مقالاً). وفي الختام أقول ما قاله يرحمه الله تعالى في ختام مقاله في نعي الربيع

والموت نقاد على كفه
جواهر يختار منها الجياد
والمرء كالظل ولا بد أن
يزول ذاك الظل بعد امتداد

رحم الله أبا هاني) الذي كان ملء السمع والبصر وقد ترك أثراً وسمعة طيبة في المجتمع المدني وفي ساحات الأدب والثقافة والعلم والأخلاق

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.