الأستاذ عبد الفتاح أبو مدين

محمد بن صالح البليهشي

الأستاذ عبد الفتاح أبو مدين
الأستاذ عبد الفتاح أبو مدين

تحت هذا العنوان (قصة فتى صنع من الضياع هوية كتبت في ملحق الأربعاء بجريدة المدينة المنورة الصادر في 9 ربيع الأول عام 1417هـ أي قبل ما يقارب من ثلاثين عاما عن الأستاذ عبد الفتاح أبو مدين رحمه الله يوم أن صدر كتابه عن سيرته الذاتية بعنوان (حكاية الفتى مفتاح في حلقتين خلال أسبوعين، ضمن رسائلي التي كنت أوالي كتابتها في ذلك الملحق تحت مسمى رسائل.. لم يحملها البريد استعرضت خلالها ما أورده الأستاذ عبد الفتاح أبو مدين عن مراحل حياته في ذلك الكتاب القيم، وقد تلقيت يومها شكر وثناء الأستاذ على ما ورد في تلك الحلقات ولا تزال ثناءاته وتقديره تحتل من نفسي الشيء الكثير وهي شهادة أعتز بها من رجل كاتب وأديب في حجم أبو وديع قامة ثقافية وأدبية لها قدرها في عالم الحرف والبيان.

واليوم وقد مر على وفاته يرحمه الله خمس سنوات، رأيت وأنا استعرض رموز الذاكرة في سلسلة من أولئك الرجال الذين لا تزال مخازن ذاكرتي تحتفظ بهم وبإسهاماتهم في ساحات الثقافة والأدب في بلادنا، رأيت أن الأستاذي القدير (أبو مدين حقاً في التذكر والإشادة والتذكير به يرحمه الله، فهو أديب عملاق كان ملء السمع والبصر أدباً وعلماً وثقافة وتحقيقاً وشموخاً في دنيا الكلمة ودنيا الناس، وهو من حملة ألوية التنوير عبر الصحافة والمؤسسات الأدبية والثقافية في النصف الثاني من القرن الماضي وبدايات القرن الحالي أيضا من الذين احتضنوا الحراك الثقافي القائم على النقد الحديث في ذروة الصراع مع الحداثة في المملكة، وقد واجه المد الأصولي المتمثل في الحراك الصحوي في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، أثرى الصحافة والمجلات الثقافية بمئات المقالات النقدية والفكرية والاجتماعية بأدبه وفكره ونقده ويعتبر في قمة المفكرين الكبار والأدباء والرواد الاستثنائيين في عصره.

لقد رأس النادي الثقافي الأدبي في جدة لمدة ربع قرن، وجعل من ذلك النادي مركز إشعاع ثقافي بإصرار وجهود وإيمان منه بما للكلمة من وهج وقوة تأثير في مسارات الحياة وتوجيه الناس إلى طرق الخير والإصلاح والفضيلة، وصار نادي جدة في وقته منبراً ثقافياً تعدى صوته محيط الوطن إلى جهات العالم العربي، واستقبل مشاهير الفكر والأدب وارتفع صوته المنبري وضمن دورياته المختلفة حتى عرفه أساطين اللغة والثقافة في مختلف مناحيها وجميع جهاتها ندوات ومحاضرات ولقاءات واستكتاب أصحاب الفكر والثقافات في كافة مشاربها، صار نادي جدة الثقافي شعلة نشاط لا تهدأ ولا تستكين، وصارت اللقاءات الأدبية والثقافية بين الأدب المحلي والعربي من جهة وبين العربي والغربي من جهة أخرى.

وأتاح للنساء المشاركة في حضور فعاليات النادي المنبرية في قاعات مخصصة لهن عبر الشبكة التليفزيونية وهذه كانت خطوة جريئة في وقتها ولو لم يكن الرمز (أبو مدين يملك من الشجاعة والثقافة والإيمان بالمثل والقيم والعلاقات التي امتاز بها في الأوساط الثقافية في دول العالم لما استقبل تلك القمم الأدبية والثقافية التي ابتكرها تحت عناوين (علامات في النقد الأدبي والثقافي و (جذور) المتخصصة في التراث العربي و (عبقر) في الشعر وشؤونه و (الراوي) المتخصصة في الروايات و (نوافذ) في ترجمة الأدب العالمي، إضافة إلى تأسيس ملتقى النص) وجماعة حوار، كل هذه الدوريات وغيرها والفعاليات كان لأبو مدين) وفكره المتقد ونظراته الثاقبة وقلمه السيال وثقافته العالية وطموحه وفوق ذلك إيمانه برسالة الأندية الأدبية التي نادى بها وأنشأها صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن فهد بن عبد العزيز آل سعود الرئيس العام لرعاية الشباب وقتها بتوجيه القيادة، وكان الأمير فيصل يرحمه الله يجله ويقدره لمعرفته به وبقدراته وثقافته وإمكانياته، كما كان الرمزنا) أبو مدين حضوره في كافة المحافل الثقافية والأدبية بجميع مناطق المملكة وله كلمته القوية ورأيه الصائب وشخصيته المتفردة. لم تثنه مهام أعماله في النادي الأدبي ولا ما سبق النادي من وظائف في الجمارك وجريدة عكاظ والبلاد والمدينة وقبلها مسؤوليات جريدة الأضواء والرائد وغيرها لم تحط من عزمه وقدرته على التأليف في مختلف شؤون الثقافة، حيث استقبلت المكتبة العربية إصدارات كتبه تحت عناوين الصخر والأظافر في معترك الحياة - أمواج وأثباج - النقد الأدبي - أديب ظلمه معاصروه -هؤلاء عرفت - علامات أحاديث الحياة - حكاية الفتى مفتاح -الذين ضل سعيهم - أيامي في النادي، كل هذه الكتب إضافة إلى إسهاماته المتعددة في مقالاته الأدبية والنقدية والاجتماعية في الصحف والمجلات في الداخل والخارج، إنه سيل من العطاء ومكتبة متحركة أينما حل وارتحل، يعرفه معاصروه في النادي وعلى رأسهم الدكاترة سعيد السريحي وعبد المحسن القحطاني وعبد الله الغذامي وغيرهم، ويشهدون تلك الساعات الطوال التي يمضيها في رحاب النادي مصححاً لدورياته ومعقباً على أعماله ومتابعاً لمسارات ضيوفه من داخل المملكة وخارجها، وقد قال عنه د. عبد الله الاسامي: إن الأستاذ عبد الفتاح أبو مدين في مسار حياته قد صنع من الإخفاق نجاحاً ومن الضياع هوية ومن الجوع رغبة في العلم والمحبة في العمل، لا يرتوي ولا يقتنع وهونهم للعمل ومزيد من العمل ومولاة للعمل وبالعمل هذه هي الصورة التي تترسخ في ذهن كل من عايش هذا الرجل الصابر الصادق الصدوق...

وقال عنه الدكتور سعيد السريحي وهو ممن لازمه طيلة وجوده بالنادي لمدة تزيد على خمسة وعشرين عاماً قال السريحي: (في أبو مدين شيء من ذائقة طه حسين وصلابة العقاد وعنفوان زكريا مبارك، ذلك أن أبو مدين وزع همه وجهده بين مناح مختلفة في هذه الحياة فمرة كان صحفيا كلما أغلق الباب في وجهه ابتدع باباً جديداً ومرة كان ناقداً اجتماعياً تغلبه سطوه يهابها الكثيرون ومرة ثالثة كان إداريا يوشك من لا يعرفه وهو يجلس وراء هذا المكتب أو ذلك أن يظن انه لم يخلق إلا ليكون كذلك..) وقال عنه الكثيرون من كبار الأدباء والمفكرين ما لم تتسع له هذه المساحة وما لا يختلف عليه اثنان ان أبو وديع رحمه الله عاش كبيرا في نفسه وطموحه وشجاعته وأهدافه ومراميه وغاياته، جميع حياته كانت بناء وشموخاً وشيمة وبعد نظر تمثل الريادة في كل عمل يقوم به وما ذلك إلا أنه كون ذاته من صلب المعاناة في كل شيء وكتابه حكاية الفتى مفتاح قد باح فيه ما يؤكد ذلك من معاناة اليتم والجوع والحرمان وتحمل مشاق الحياة في سن مبكرة دون العاشرة من العمل في مقهى وفي فرن الخبز وعمل البناء وبيع خضروات في حانوت صغير والسكن في البيوت الخربة والركوب على الحمار والجمل والمشي خلف الآنان حتى فطرت قدماه.

ويوم أن هيأ الله الوصول إلى المملكة وتشبع بروحانية المدينة المنورة ودخوله مدرسة العلوم الشرعية والانتظام في حلقات المسجد النبوي الشريف استطاع إن يفك الحرف) بني ثقافته ومعارفه بجهده الذاتي ورغبته في المعرفة بدراساته في كتب المنفلوطي والعميد طه حسين والعقاد ومجلة الرسالة وغيرها حتى تزود من الثقافة ومناهل المعرفة مما أهله لإصدار جريدة الأضواء ثم مجلة الرائد وكان له موقع في جريدة عكاظ والبلاد وعمود في جريدة المدينة وغيرها.

وقد لخص أبو مدين شيئا من حياته ومعاناته وما وصل إليه في قوله: (عشت الطموح وبالطموح والأمل جادًا، ما استطعت إلى ذلك سبيلا، أتوق إلى ارتقاء المعرفة، ليست لي أطماع أبعد من إمكاناتي لا أحسد أحدا، وأغبط الناجحين وأحب الطامحين من الشباب وابتهج بهم وأمسك على أيديهم حين ألقاهم مشجعاً ومحفزاً على المضي نحو الارتقاء في خضم الحياة التي لا تعرف سوى الإيمان بالله والقوة سبيلا).

هذا هو المرحوم أستاذ الجيل عبد الفتاح أبو مدين الذي حظي بتكريم خاص من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود خلال حفل الجنادرية ومنحه وسام الملك عبد العزيز من الدرجة الأولى، وتم تكريمه في مؤتمر الأدباء السعوديين وكرمته الكثير من الأندية والهيئات الثقافية والأدبية، وأخيراً جرى تكريمه بدخوله بقيع الغرقد بمدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في يوم الأحد الرابع من ربيع الآخرة من عام 1441هـ بعد الصلاة عليه في المسجد النبوي الشريف رحمه الله رحمة الأبرار وغفر له وأجزل له الأجر والمثوبة.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.