عبد الرحمن عثمان

محمد بن صالح البليهشي

عبد الرحمن عثمان
عبد الرحمن عثمان

سلاما أيها الملك العظيم
كان نظيمه الدر النظيم
يقدمه لمالكه المفدى
وبين يديه يتلوه اليتيم
أحامي العرب والإسلام لسنا
بأيتام وانت أب رحيم
فنحن بعطفك الملكي نقدى
ونحن بريف رأفتكم نقيم
لنا في عهدك الذهبي دار
بطيبة لا تطاولها النجوم
يرفرف فوقها علم عليه
بدا التوحيد والسيف القويم

بقصيدة منها هذه الأبيات استقبلت مدرسة دار الأيتام بالمدينة المنورة جلالة الملك سعود بن عبد العزيز يرحمه الله
تعالى يوم أن زار المدينة بعد توليه مقاليد الحكم في البلاد في عام 1373هـ رددها الطلاب الأيتام بمدرستهم وهم يستقبلونه وألقاها أحدهم بين يديه وكانت القصيدة وذلك النشيد له وقع عظيم في ذلك المحفل الكبير وقد نظم هذه القصيدة وأشرف على إخراجها وإلقائها الأستاذ والمربي والأديب والشاعر الذي نتحدث عنه اليوم.

إنه الأستاذ عبد الرحمن عثمان أستاذ الجيل وشاعر الرصد والعمق والمعنى والتشطير المبدع والتخميس الرائع.

لم يكن الشيخ عبد الرحمن عثمان من مدرسي دار الأيتام في تلك الأيام بل كان يدرس في مدرسة العلوم الشرعية ولكنه وبحكم ما كان يحس به من انتماء وشعور وأبوه وحماس وما كان يختلج في نفسه من عطف وشفقة وحنو على أولئك الأيتام في مدرستهم أدى واجبه في زيارة الملك سعود لمدرسته العلوم الشرعية وانضم إلى فريق مدرسة دار الأيتام بإحساس المواطنة والأبوة والتربية بكل أريحية وحب وإيثار وتلك هي سمات ذلك الجيل الذين كانوا يحملون الرسالة ويؤمنون بها ويضحون من أجلها في سبيل أن تؤدى بكل أمانة وصدق.

لقد حفظ الأستاذ عبد الرحمن عثمان بن السيد عبد القادر القرآن الكريم وتلاوته وترتيله ونبغ في بقية العلوم وكانت مدرسة العلوم الشرعية بالمدينة المنورة تعد الأستاذ عبد الرحمن عثمان أحد ركائزها في ذلك الوقت حيث كانت هذه المدرسة في السبعينيات الهجرية من
القرن الماضي بمثابة جامعة العلوم القرآن الكريم وفروعه وعلوم العربية ولذلك كان أساتذتها ركائز قديرة وجديرة في كل ما يوكل إليهم من أعمال التربية والتعليم في مختلف العلوم والمعارف، وعلى رأس الجميع شيخنا الكبير عبد الرحمن عثمان الذي امتاز إلى جانب تبحره في علوم الحديث والفقه والفرائض وعلوم العربية ونبوغه في الشعر يدرس لطلابه الحساب والجبر والهندسة بمقدرة فائقة وتميز خاص وفوق كل ذلك يجيد اللغة الإنجليزية تحدثاً وكتابة وترجمة بل لا يكاد يمر أسبوع إلا وهو طائر المدرسة الغريد الذي يقول الشعر في كل مناسبة بسلاسة وعفوية وعمق معنى ولذلك فهو متعدد المواهب
وهو يرحمه الله تعالى مدرسة متحركة وأهم ما يثير الإعجاب والاستغراب معاً أنه يجمع بين متناقضين تفوقه في الرياضيات وتفوقه كذلك في الشعر ويقول عنه أحد تلاميذه الأستاذ عبد العزيز الربيع مدير التعليم الأسبق بالمدينة المنورة يرحمه الله في كتابه ذكريات طفل وديع لقد كان لديه المقدرة
الشعرية ما يمكنه من أن يجعل كل كلامه شعراً لو أراد)
وقال : لقد جمع أستاذي عبد الرحمن عثمان بين العقلية الرياضية الحاذقة والاتجاه الروحي النقي والذهنية الشاعرية المتوقدة وكان من القلائل الذين يتاح لهم الجمع بين المواهب كلها

لقد عرفه طلابه في مدرسة الفلاح بجدة لسنوات عمل بها ثم في مدرسة العلوم الشرعية بالمدينة لمدة تزيد على ثمانية
وثلاثين عاماً.
المخلص في عمله المربي الهادئ الذي يغلب تلميحه ومثاليته كان يلتمس العذر لكل ما يراه من تصرفات طلابه ومع ذلك يوجه ويرشد ويعلم ويضرب الأمثلة، يوظف شعره في التربية ويتحمس للكلمة الشاعرة والموقف النبيل، ولديه القدرة الشاعرية وسرعة البديهة التي تسعفه ليسجل كل ملاحظة أو مواساة وتهنئة وفرحة لديه أو لدى معارفه وأصدقائه وأبنائه شعراً يخلد المناسبة ويبثها لواعج نفسه بما تستحق من منظار رجل يعرف للكلمة معناها ويتذوق جمالها قبل أن تصل إلى الآذان الأخرى.

ولذلك فهو رجل تربية وعلم وأدب وأخلاق من الطراز الأول وإلى جانب أدبه وشعره الرصين، هناك فنه في تشطيراته للشعر بطريقة يقف إلى جانب أصحاب القصائد التي شطرها مثلا بمثل إن لم يزد على بعضهم في قدرته على التلاعب بالألفاظ وعمق المعاني التي يوردها والقافية التي تساير القصيدة ولا
تحدث بها أدنى خلل إن لم تزدها توهجاً ووضوحاً .

والشاعر عبد الرحمن عثمان قال شعره في مختلف الفنون والأغراض الشعرية وقد أجاد تشطيرات وتخميسات وتسبيعات غيره وفي اعتقادي لو لم يكن له إلا تخميس البردة للبوصيري لكفاه.
لأنه قد أجاد وأفاد وسار في هذا مع سياق المعنى وقوة اللفظ وجمال العرض والتلوين في الصورة بما يتضمنه معنى كل
بيت في القصيدة.

ولا شك أن الأستاذ عبد الرحمن عثمان قد ملأ
حياته يرحمه الله تعالى بجلائل الأعمال درساً وتحصيلاً وتعليماً وتربية وامتد به العمر حتى رأى نجابة أبنائه من صلبه كما رأى كذلك نجابة أبنائه الذين تلقوا دراستهم على يديه وهم كثر وكانوا جميعاً أوفياء بررة كما علمهم بل بادلوه التحايا وألوان الوفاء بمنطق الشعر الرصين الذي أبدعه
والذوق الرفيع الذي علمهم إياه.

وتوفي قرير العين وأخذ مكانه في بقيع الغرقد بمدينة المصطفى عام 1400هـ بعد حياة مجيدة امتدت قرابة 72 عاماً رحمه الله وأسكنه فسيح جناته .

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.