الدكتور عباس صالح طاشكندي

محمد بن صالح البليهشي

الدكتور عباس صالح طاشكندي رائد المكتبيين السعوديين
الدكتور عباس صالح طاشكندي رائد المكتبيين السعوديين

في حفل جائزة السيد أمين مدني رحمه الله في دورتها الأولى التي أقيم حفلها مساء الأربعاء 23 ذي القعدة عام 1414هـ على شرف صاحب السمو الملكي الأمير عبد المجيد بن عبد العزيز رحمه الله. وفي كتاب التسجيل التوثيقي عن حفل الجائزة الذي شرفت بإعداده حينها، وردت كلمة للكاتب الصحفي الدكتور محمد صادق دیاب رحمه الله عنونها بقوله: جائزة أمين مدني .. هل هي مقدمة للاحتفاء بكل الرائعين ؟ ومما قاله حينها ونحن نحتفل اليوم بجائزة الراحل السيد أمين مدني للبحث في تاريخ الجزيرة العربية وهو ذلك الرجل في حياتنا الثقافية، فإنني لأشعر أن أعمالا رائعة كهذه يمكن أن تشكل مقدمة الوعي العام في مجال الاحتفال بكل أعلام هذه البلاد الذين أثروا) حياتنا في مختلف المجالات لتكون سير هؤلاء في حياة أجيالنا القادمة حوافز إنجاز ونماذج اقتداء فضلا عن ما يمكن أن تبثه من مناخات العرفان والوفاء في هذا المجتمع الذي هو جدير بمثل هذه السمات ...

وفعلا خلال ثلث القرن الماضي الذي عاشته الجائزة، ظهرت جوائز أخرى تحتفل بالرائعين كما قال ذلك الدكتور المثقف محمد صالح عليه رحمة الله، وإن كنا نطمح بالمزيد من مظاهر الاحتفالات برموزنا الذين تركوا بصمات يجب أن لا تنسى وأن نذكر بهم ونترحم على من فارقنا إلى دار الآخرة اعترافاً بفضله وإشادة بمنجزاته رعاية بجانب الوفاء الذي يجب أن يسود في بلادنا والذي حث عليه ديننا ورعاه وركز ثوابته قادتنا أعزهم الله.

وقد خطت جائزة أمين مدني) خطوات منذ إنشائها في مسار تكريم ( الرائعين على قول الكاتب الصحفي الملهم، وها هي اليوم في دورتها التاسعة تصل إلى ساحة رجل نعده رائداً للمكتبيين السعوديين ذلكم هو الدكتور عباس طاشكندي) حفظه الله وأطال عمره، ومتعنا ببحوثه وإنجازاته ونجاحاته في عالم (الكتاب) وشجونه وشؤونه.

وقد أحسنت اللجنة العلمية وهي تحتفي بهذا الرجل وتقدمه كأحد الفائزين بالجائزة الذين ضمتهم إلى وهجها وأضوائها لما امتاز به من أصالة في التوثيق وإنجازات علمية تعامل معها بعمق في البحث والدراية والاستيعاب وحسن الأداء وجمال الأسلوب. تعامل معها مبدعنا بصمت، وكتب فيها بصمت، وألف وناقش بعيدا عن الأضواء فهو بحق من السنابل المليئة التي عناها الشاعر بقوله:

ملأى السنابل ينحنين تواضعاً
والفارغات رؤوسهن شوامخ

إن الدكتور عباس) خزانة علم في التاريخ والآثار وعلم المكتبات وهو جدير بالتكريم والإجلال، فهو إن كتب استقصى، وإن تحدث أشفى عرفته من خلال تشرفي معه ومع بقية الأعضاء في اللجنة العلمية لجائزة (نزار) مدني)، إنه رجل موسوعي يأسر سامعه بغزارة علمه وآفاق معرفته وسمو تواضعه وواقعيته في المناقشة والطرح، وهو فعلا صاحب أولويات في مجاله. الدكتور (عباس) رمزنا اليوم أول سعودي يحصل على الدكتوراه في علم المكتبات قبل خمسين عاما من جامعة ابتسبرج) بولاية بنسلفانيا الأمريكية. وأول من أسس قسم المكتبات في جامعة الملك عبد العزيز، ومن الرعيل الأول الذين قدموا تصوراً كاملا لإنشاء مكتبة الملك فهد الوطنية، ومن الأوائل المنضمين العضوية مجلس أمناء تلك المكتبة بأمر ملكي، وأول من أرخ لتاريخ الطباعة في المملكة العربية السعودية.

وقد كان لمساهماته في توثيق تاريخ مكة المكرمة والمدينة المنورة وتاريخ الحرمين الشريفين أثرها الفعال واعتمدته جامعة الدول العربية كأحد أعضاء لجنة التراث العربي الفاعلين، وشارك في كثير من المؤتمرات والندوات والدراسات بها، وهو عضو لعدد من الجمعيات العالمية المتخصصة في مجال المكتبات والمعلومات، وحفلت الكثير من المجلات العالمية بداخل المملكة وخارجها بدراساته وبحوثه ومقالاته، وقد أثرى المكتبة العربية بأكثر من ثلاثين كتابا وبحثا محكما، ومن كتبه التي يفخر بها الحجرة النبوية الشريفة خزائن الكتب الخاصة في بلاد الحرمين منذ العهد النبوي إلى وقتنا الحاضر، تاريخ حلقات العلم في الحرمين الشريفين، أعلام حدود حرم المدينة المنورة إجازات علماء وعالمات الحرمين الشريفين بعلماء الأمصار صناعة الكتاب، وغيرها من الدراسات والكتب وتعد جهوده في سلسلة الكشاف التحليلي السنوي في صحيفة أم القرى في سبعة مجلدات الذي نشرته جامعة الملك عبد العزيز من أجل وأعمق جهوده البحثية.

وقد حظيت جامعة الملك عبد العزيز مع بدايات خطواتها بهذا (العلم) الذي كانت إسهاماته فاعلة وجهوده مشكورة في مجال المكتبات والمعلومات ورأس مركز عمادة شؤون المكتبات بها، وصار أمينا للمجلس العلمي وأمينا عاما لموسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة والمحرر الرئيسي، إضافة إلى أستاذيته في علم المكتبات وإشرافه على الكثير من رسائل الماجستير والدكتوراه داخليا وخارجيا وتمثيله لجامعة الملك عبد العزيز في الكثير من المؤتمرات والملتقيات العلمية في داخل المملكة وخارجها.

بقي القول بأن (رمزنا) اليوم الدكتور عباس من مواليد مكة المكرمة بحي المسفلة بجوار البيت الحرام عام 1361هـ، وعاش طفولته الأولى بروحانية مكة وبين أروقة البيت الحرام، وامتلأت نفسه بكتاتيب المسجد وبمرأى الكعبة المشرفة وبتلك الوفود الطائفة والساعية، ونال من علوم حلقات ودراسات الكتاتيب وحفظ شيئا من القرآن الكريم ولم يلبث أن انتقلت أسرته إلى جدة فتشبعت نفسه بنسيم بحرها وانطلاقة فضائها بين درس في كتاتيب المساجد حيث كان والده رحمه الله يحرص عليها، ودراسته في مدارس جدة، كما يحرص على استصحابه معه في دكان خردوات) يبيع بها في شارع قابل وعندما رآه (فاكا) للحرف أهداه كتاب المفرد العلم في رسم القلم الذي قرأه مرارا واستفاد منه كثيراً في تعلم اللغة والبلاغة، إضافة إلى نهمه بعد أن دخل المرحلة الثانوية في قراءاته وإدمانه لقراءة الصحف والمجلات والكتب الخارجية التي تصل إلى جدة، والداخلية كصحف المدينة والبلاد وعكاظ والندوة ومجلة المنهل وغيرها. وتكونت لديه حصيلة ثقافية جعلته يتطلع إلى الابتعاث، ويسر الله له الابتعاث إلى جامعة القاهرة ونقلته الأنظمة إلى المكتبات فتحصل على البكالوريوس) في المكتبات والمعلومات عام 1386هـ ومنها تيسرت له البعثة إلى جامعة بتسبرج الأمريكية فنال منها شهادتين في الماجستير ثم شهادة الدكتوراه من نفس الجامعة وعاد بعدها إلى معشوقته جدة بوسام أول دكتور سعودي في عالم المكتبات والمعلومات، واحتضنته جامعة الملك عبد العزيز ابنا بارا بها تدرج في أروقتها وأقسامها حتى وصل إلى الأستاذية (بروفيسور)، وتدرج في مناصبها الإدارية من التدريس إلى رئاسة القسم حتى صار عميداً لشؤون المكتبات والمعلومات، واعتمدت عليه الجامعة في كثير من مهامها في مجالات الاجتماعات والمؤتمرات والمحاضرات فكان مشرفاً في تمثيله وحضوره، وصار من الباحثين والمنظرين ليس على مستوى الجامعة بل على مستوى المملكة عموما والخليج والجامعات الخارجية ونتيجة لأعماله وبحوثه العلمية المتنوعة فيما يتعلق بشبه الجزيرة العربية خصوصا المرتبطة بتاريخ مكة المكرمة والمدينة المنورة والحرمين الشريفين نال جائزة أمين مدني) في دورتها التاسعة. حفظه الله وزاد توفيقه وأطال عمره رائداً من روادنا ورمزا من رموزنا الثقافية التي نعتز بها.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.