شيخ تاريخها والهائم فيها | محمد صالح البليهشي
د. عصام بن ناصر الهجاري الشريف

في يوم أحسست أنه اهتز فيه ركنان في حياتي، وأنا منشغل بغسل شيخي وأستاذي وملهمي وقدوتي، معالي الدكتور راشد الراجح، والشروع في نقل جثمانه الطاهر للصلاة عليه في المسجد الحرام، ورائحة العود تحولي، إذ باتصال ينزل علي كأنه جبل خر فوق رأسي، يقول: إن شيخ تاريخ المدينة ورموزها، أستاذ الجيل محمد صالح البليهشي، انتقل إلى رحمة الله، فصرت في حالة من التيه، وفقدت التركيز معها في هاتين الصدمتين، وكأني يقول فاطمة الزهراء - رضي الله عنها:
صُبّت عليَّ مصائب لو أنها
صُبّت على الأيام صرن لياليا
قلبت النظر في السماء، فقلت: اللهم ليس لنا إلا التسليم بالقضاء في هذين الفقدين؛ فقد في مكة الغراء وفقد في مدينة خير الأنبياء.. فبكت مكة على ابنها البار راشد الراجح، وبكت المدينة على ابنها الوفي محمد صالح البليهشي..
أكتب حروفاً، ولا أعرف كيف استجمع قواي النفسية والفكرية، وأنا أمام فقد علمين وقامتين في العلم والنبل والفضل.. فقبل ساعات عقدت حروفي في معالي الدكتور راشد الراجح، والآن أجدد أسير خلف حروفي والحزن محيط بي، لأرثي في فقيد طيبة، الذي عاش صادقاً في حبها، وفياً في تدوين تاريخها.. إنه أستاذ كلمة الوفاء لتاريخ مدينة سيد الأنبياء، وعزاؤه تدوين أخبار رموزها، الجامع لملامحها وجميل سيرها، إنه أستاذ التعليم وملهم الجيل، ومستودع رصد معالم الحركة الأدبية في مدينة خير البرية، إنه الأستاذ محمد صالح البليهشي، الذي سال قلمه في تاريخ المدينة نهراً، فبات عذباً زلالاً لمن ورده، فخلف ألف في ذلك، وصفه، وحبر بتنوع، وحرر، فكان يرقم جميل الحروف والباحث، فأبدع فيها ونفع.
وكان ما يخطه في تاريخ المدينة المنورة ليس مجرد سرد للأحداث، بل كان روحاً تسري بين السطور، تحيي الماضي وتفركه من الحاضر، حتى كان القارئ يعيش مع تاريخ المدينة وأعلامها ورموزها في لحظاتهم الأولى.
لقد كان المؤرخ محمد صالح البليهشي - رحمه الله - مدرسة بذاتها في التوثيق والتاريخ، يجمع بين دقة الباحث، وصدق
ذكر عارض في كتاب تاريخ، أو ما وجدوه من التأليف، أو وثائق، أو فرمانات سلطانية قديمة، أو أحكام ملكية أو أميرية، أو تملكات، أو أوراق مبيعات، وغيرها من أخبار المجتمع وأحوال الناس، وكانت بها تدوين التاريخ استقلالاً. وكنت أحياناً بالأستاذ الجليل، ورمز التعليم والتاريخ، الأستاذ محمد صالح البليهشي، نلقبه: «أقولها لك؟»، وقلمه شاهد، وكتبه ستظل مرجعاً لكل من أراد أن يعرف المدينة المنورة كما هي، لا كما تروى عنها الحكايات العابرة. رحل الجسد، وبقيت السيرة، وبقي الوفاء الذي خطه بمداد قلبه قبل قلمه. رحل من كان معظماً لله، ومحباً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه غيرة نبيلة على سيرته، معظماً لكتاب الله، وأهل القرآن، فكنت أجد في مجالسه مذكرات القرآن وتلاوته، وهو في مرضه الأخير مدركاً أن العلاج الطبي لا بد أن يرافقه العلاج الإلهي السماوي.
رحل من كان سليم الصدر، رفيع القدر، يألف ويؤلف، وكما وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - ومدح من تحلى بذلك، فقال: «المؤمن مألفة، رجل عربي الأصل والندى النبيل، رجل عاش لمدينته وعاش يتقلب في حب طيبة معشوقته.. رجل نقي في الأدب فيها والوفي مع ساكنيها وزائريها.
اليوم مع فقد أبي قاسم وأبي راجح في آنٍ واحد أصبحت في تيه، فالأول يُصلّى عليه ظهراً بالمسجد الحرام، والثاني يُصلّى عليه بمسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -.
واختتم مع هذين الصاحبين بما قاله أبو العلاء المعري:
وإذا ذكرت مصيبة تسلو بها
فاذكر مصابك بالنبي محمد
اللهم أجرني في مصيبتي، بل مصابي، واخلفني خيراً منها. اللهم أنزل عليَّ سكينـة من عندك، وطمأنينة من رحمتك. وخير ما يقال في هذا الفقد ما علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه: «اللهم اغفر لهما، وارحمهما، وعافهما، واعف عنهما، وأكرم نزلهما، ووسع مدخلهما، واغسلهما بالماء والثلج والبرد، ونقهما من الخطايا، كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدلهما داراً خيراً من دارهما، وأهلاً خيراً من أهلهما، وزوجاً خيراً من زوجهما، وأدخلهما الجنة، وأعذهما من عذاب القبر ومن عذاب النار».
ثم عطفت كلامي إليه قائلاً، بما أطرته وأدخل السرور عليه، بأن قلت: «أنت يا أبا قاسم هدمت أسواراً من كتب عن أعيان المدينة ورجالاتها، فقبل أن يخرج من مشافهتك ورؤيتك ورياضاتها على من هم داخل المدينة قديماً، من أمراء وعلماء وحكام دولة، أنا أنت يا أبا قاسم، وانفردت بأن سور المدينة لها، فهدنته داخلها، وكتبت عن الجميع بمنهج عدل وإنصاف، وبلا تحيز واعتساف. وأحسب أن أعظم نتاجك لعميد مؤرخي المدينة ولسان ذاكرتها الناطق، أستاذنا المؤرخ محمد صالح البليهشي، آثارى التي جعلت مرتكز خير البشر - صلى الله عليه وآله وسلم - بني أم وأمي - الشريف...»، على حب المدينة المنورة، ثم تشرق رياها ومعالمها... فترحل إلى تاريخها عبر تاريخها كالكهر، ويتضوع عبير تاريخها كالزهرة في الأرض فيها تأهيلاً وتشيداً، في سمو أمير منطقة المدينة الأمير سلطان بن عبدالعزيز، وكذلك سمو الأمير سلمان بن عبدالعزيز، المستشار الخاص لخادم الحرمين الشريفين، وكل ذلك تحقيقاً لتطلعات القيادة، حتى باتت المدينة اليوم متحفاً تاريخياً مفتوحاً.
المدينة تبكي عميد مؤرخيها ولسان ذاكرتها الناطق.. ووفاء العاشق لمدينة سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم - فلا تكاد تقرأ له سطراً إلا وتشعر بأن المدينة تتكلم من خلاله، وأن ذاكرتها تنبض بين يديه. وكم من شخصية أنصفها بعد أن كادت تُنسى، وكم من حدث أعاد إليه الاعتبار، وكم من صفحة من تاريخ طيبة أضاءها بعد أن غطاها غبار السنين. كان يرى في التاريخ رسالة، وفي التوثيق أمانة، وفي الكتابة عبادة يؤديها بإخلاص نادر. وكم كنت أجد سعادة وأنا أترنم في وصفه بأنه: عميد مؤرخي المدينة ولسان ذاكرتها الناطق.
وتنوع مؤلفاته التاريخية والأدبية والتعليمية شاهد على ذلك بلا شك ولا مرية، ومقالاته المتنوعة شاهدة بيننا حية. ولعل من آخرها، وأجمعها، وأميزها، ونادرها وغزارة ونباهة، مشروعه الكبير العلمي الذي أحسبه موسوعياً، وهو سلسلة مقالاته «رموز في الذاكرة»؛ فتلك المقالات التي تميزت بتسليط الضوء على شيء من أخبار وسير بعض أعلام المدينة المنورة -على ساكنيها الصلاة والسلام- في شتى المجالات والنواحي، وشملت ذكر رموز المجتمع المدني بمختلف أطيافه ورجالاته، من المسؤولين، والعلماء، والزهاد، والأدباء، والمؤرخين، والأعيان، من الحاضرة والبادية.. وبقلم وحرف يؤلف ويجمع، ولا يميز ويفرق، قاعدته فيها: الكل سواء في الانتماء للوطن، من خلال جوهره ونوره، المدينة المنورة، المنيرة، الأمينة، الصبية. وليس هذا وحسب، فلقد شملت هذه الرموز الحديث عن بعض العالم والوديان، بل والدوات التي تباركت بخير البرايا، وشمس العطاء، ونور الهداية؛ فما أجمل حديثه عندما تكلم عن الرمز الذي «القصواء، ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم»، والذي شاهدت حديثاً عنه في مجلسه مؤخراً بإدارته العامرة؛ فكانت دموعه تنهمر مع حروف لسانه، وهو يختمها، فقمت منه خروجاً من عينيه إجلالاً وحباً في صاحب القصواء صلى الله عليه وسلم، وكأني بلسان حاله عن المدينة وأشرفها النبي صلى الله عليه وسلم: (أحبها، وأحب كل ما اتصل بها). وهذه المقالات، فضلاً عن تميزها العلمي التاريخي، إلا أنها في الحقيقة رسالة في التعايش الاجتماعي والوحدة الوطنية. وحسبت أنها ستكون يوماً قاعدة معلومات للذاكرة المدنية عن أعلامها؛ فلما أجد جميل حديثه عنها، وإنصافه لهم؛ فكلما انطلق قلمه، فمن جماله إذا تحدث عن رمز ظن القارئ أنه أبدع فيها زيادة على غيره.
في يوم أحسست أنه اهتز فيه ركنان في حياتي، وأنا منشغل بغسل شيخي وأستاذي وملهمي وقدوتي، معالي الدكتور راشد الراجح، والشروع في نقل جثمانه الطاهر للصلاة عليه في المسجد الحرام، ورائحة العود تحولي، إذ باتصال ينزل علي كأنه جبل خر فوق رأسي، يقول: إن شيخ تاريخ المدينة ورموزها، أستاذ الجيل محمد صالح البليهشي، انتقل إلى رحمة الله، فصرت في حالة من التيه، وفقدت التركيز معها في هاتين الصدمتين، وكأني يقول فاطمة الزهراء - رضي الله عنها:
صُبّت عليَّ مصائب لو أنها
صُبّت على الأيام صرن لياليا
قلبت النظر في السماء، فقلت: اللهم ليس لنا إلا التسليم بالقضاء في هذين الفقدين؛ فقد في مكة الغراء وفقد في مدينة خير الأنبياء.. فبكت مكة على ابنها البار راشد الراجح، وبكت المدينة على ابنها الوفي محمد صالح البليهشي..
أكتب حروفاً، ولا أعرف كيف استجمع قواي النفسية والفكرية، وأنا أمام فقد علمين وقامتين في العلم والنبل والفضل.. فقبل ساعات عقدت حروفي في معالي الدكتور راشد الراجح، والآن أجدد أسير خلف حروفي والحزن محيط بي، لأرثي في فقيد طيبة، الذي عاش صادقاً في حبها، وفياً في تدوين تاريخها.. إنه أستاذ كلمة الوفاء لتاريخ مدينة سيد الأنبياء، وعزاؤه تدوين أخبار رموزها، الجامع لملامحها وجميل سيرها، إنه أستاذ التعليم وملهم الجيل، ومستودع رصد معالم الحركة الأدبية في مدينة خير البرية، إنه الأستاذ محمد صالح البليهشي، الذي سال قلمه في تاريخ المدينة نهراً، فبات عذباً زلالاً لمن ورده، فخلف ألف في ذلك، وصفه، وحبر بتنوع، وحرر، فكان يرقم جميل الحروف والباحث، فأبدع فيها ونفع.
وكان ما يخطه في تاريخ المدينة المنورة ليس مجرد سرد للأحداث، بل كان روحاً تسري بين السطور، تحيي الماضي وتفركه من الحاضر، حتى كان القارئ يعيش مع تاريخ المدينة وأعلامها ورموزها في لحظاتهم الأولى.
لقد كان المؤرخ محمد صالح البليهشي - رحمه الله - مدرسة بذاتها في التوثيق والتاريخ، يجمع بين دقة الباحث، وصدق
ذكر عارض في كتاب تاريخ، أو ما وجدوه من التأليف، أو وثائق، أو فرمانات سلطانية قديمة، أو أحكام ملكية أو أميرية، أو تملكات، أو أوراق مبيعات، وغيرها من أخبار المجتمع وأحوال الناس، وكانت بها تدوين التاريخ استقلالاً. وكنت أحياناً بالأستاذ الجليل، ورمز التعليم والتاريخ، الأستاذ محمد صالح البليهشي، نلقبه: «أقولها لك؟»، وقلمه شاهد، وكتبه ستظل مرجعاً لكل من أراد أن يعرف المدينة المنورة كما هي، لا كما تروى عنها الحكايات العابرة. رحل الجسد، وبقيت السيرة، وبقي الوفاء الذي خطه بمداد قلبه قبل قلمه. رحل من كان معظماً لله، ومحباً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه غيرة نبيلة على سيرته، معظماً لكتاب الله، وأهل القرآن، فكنت أجد في مجالسه مذكرات القرآن وتلاوته، وهو في مرضه الأخير مدركاً أن العلاج الطبي لا بد أن يرافقه العلاج الإلهي السماوي.
رحل من كان سليم الصدر، رفيع القدر، يألف ويؤلف، وكما وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - ومدح من تحلى بذلك، فقال: «المؤمن مألفة، رجل عربي الأصل والندى النبيل، رجل عاش لمدينته وعاش يتقلب في حب طيبة معشوقته.. رجل نقي في الأدب فيها والوفي مع ساكنيها وزائريها.
اليوم مع فقد أبي قاسم وأبي راجح في آنٍ واحد أصبحت في تيه، فالأول يُصلّى عليه ظهراً بالمسجد الحرام، والثاني يُصلّى عليه بمسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -.
واختتم مع هذين الصاحبين بما قاله أبو العلاء المعري:
وإذا ذكرت مصيبة تسلو بها
فاذكر مصابك بالنبي محمد
اللهم أجرني في مصيبتي، بل مصابي، واخلفني خيراً منها. اللهم أنزل عليَّ سكينـة من عندك، وطمأنينة من رحمتك. وخير ما يقال في هذا الفقد ما علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه: «اللهم اغفر لهما، وارحمهما، وعافهما، واعف عنهما، وأكرم نزلهما، ووسع مدخلهما، واغسلهما بالماء والثلج والبرد، ونقهما من الخطايا، كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدلهما داراً خيراً من دارهما، وأهلاً خيراً من أهلهما، وزوجاً خيراً من زوجهما، وأدخلهما الجنة، وأعذهما من عذاب القبر ومن عذاب النار».
ثم عطفت كلامي إليه قائلاً، بما أطرته وأدخل السرور عليه، بأن قلت: «أنت يا أبا قاسم هدمت أسواراً من كتب عن أعيان المدينة ورجالاتها، فقبل أن يخرج من مشافهتك ورؤيتك ورياضاتها على من هم داخل المدينة قديماً، من أمراء وعلماء وحكام دولة، أنا أنت يا أبا قاسم، وانفردت بأن سور المدينة لها، فهدنته داخلها، وكتبت عن الجميع بمنهج عدل وإنصاف، وبلا تحيز واعتساف. وأحسب أن أعظم نتاجك لعميد مؤرخي المدينة ولسان ذاكرتها الناطق، أستاذنا المؤرخ محمد صالح البليهشي، آثارى التي جعلت مرتكز خير البشر - صلى الله عليه وآله وسلم - بني أم وأمي - الشريف...»، على حب المدينة المنورة، ثم تشرق رياها ومعالمها... فترحل إلى تاريخها عبر تاريخها كالكهر، ويتضوع عبير تاريخها كالزهرة في الأرض فيها تأهيلاً وتشيداً، في سمو أمير منطقة المدينة الأمير سلطان بن عبدالعزيز، وكذلك سمو الأمير سلمان بن عبدالعزيز، المستشار الخاص لخادم الحرمين الشريفين، وكل ذلك تحقيقاً لتطلعات القيادة، حتى باتت المدينة اليوم متحفاً تاريخياً مفتوحاً.
المدينة تبكي عميد مؤرخيها ولسان ذاكرتها الناطق.. ووفاء العاشق لمدينة سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم - فلا تكاد تقرأ له سطراً إلا وتشعر بأن المدينة تتكلم من خلاله، وأن ذاكرتها تنبض بين يديه. وكم من شخصية أنصفها بعد أن كادت تُنسى، وكم من حدث أعاد إليه الاعتبار، وكم من صفحة من تاريخ طيبة أضاءها بعد أن غطاها غبار السنين. كان يرى في التاريخ رسالة، وفي التوثيق أمانة، وفي الكتابة عبادة يؤديها بإخلاص نادر. وكم كنت أجد سعادة وأنا أترنم في وصفه بأنه: عميد مؤرخي المدينة ولسان ذاكرتها الناطق.
وتنوع مؤلفاته التاريخية والأدبية والتعليمية شاهد على ذلك بلا شك ولا مرية، ومقالاته المتنوعة شاهدة بيننا حية. ولعل من آخرها، وأجمعها، وأميزها، ونادرها وغزارة ونباهة، مشروعه الكبير العلمي الذي أحسبه موسوعياً، وهو سلسلة مقالاته «رموز في الذاكرة»؛ فتلك المقالات التي تميزت بتسليط الضوء على شيء من أخبار وسير بعض أعلام المدينة المنورة -على ساكنيها الصلاة والسلام- في شتى المجالات والنواحي، وشملت ذكر رموز المجتمع المدني بمختلف أطيافه ورجالاته، من المسؤولين، والعلماء، والزهاد، والأدباء، والمؤرخين، والأعيان، من الحاضرة والبادية.. وبقلم وحرف يؤلف ويجمع، ولا يميز ويفرق، قاعدته فيها: الكل سواء في الانتماء للوطن، من خلال جوهره ونوره، المدينة المنورة، المنيرة، الأمينة، الصبية. وليس هذا وحسب، فلقد شملت هذه الرموز الحديث عن بعض العالم والوديان، بل والدوات التي تباركت بخير البرايا، وشمس العطاء، ونور الهداية؛ فما أجمل حديثه عندما تكلم عن الرمز الذي «القصواء، ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم»، والذي شاهدت حديثاً عنه في مجلسه مؤخراً بإدارته العامرة؛ فكانت دموعه تنهمر مع حروف لسانه، وهو يختمها، فقمت منه خروجاً من عينيه إجلالاً وحباً في صاحب القصواء صلى الله عليه وسلم، وكأني بلسان حاله عن المدينة وأشرفها النبي صلى الله عليه وسلم: (أحبها، وأحب كل ما اتصل بها). وهذه المقالات، فضلاً عن تميزها العلمي التاريخي، إلا أنها في الحقيقة رسالة في التعايش الاجتماعي والوحدة الوطنية. وحسبت أنها ستكون يوماً قاعدة معلومات للذاكرة المدنية عن أعلامها؛ فلما أجد جميل حديثه عنها، وإنصافه لهم؛ فكلما انطلق قلمه، فمن جماله إذا تحدث عن رمز ظن القارئ أنه أبدع فيها زيادة على غيره.
