محمد صالح البليهشي… رحيل رجل الوفاء وذاكرة المكان | أ.د. وليد بن بليهش العمري

أ.د. وليد بن بليهش العمري

رحل عن الدنيا الفانية إلى دار البقاء، يوم الخميس 6 أغسطس 2026، الأستاذ والأديب والمؤرخ والمربي الفاضل محمد بن صالح البليهشي، بعد حياة حافلة بالعطاء، أفناها في خدمة العلم والتعليم والأدب والتاريخ، وفي الوفاء لمدينته ووطنه وأهله وأصدقائه، وكل من عرفه أو قصده.

رحل أبو قاسم، رحمه الله، وخلّف وراءه سيرة عطرة، وذكرًا حسنًا، وعلمًا ينتفع به، وقلوبًا كثيرة تشهد له بالفضل والمروءة والوفاء. وما كان رحيله فقدًا لأسرته وذويه وحدهم؛ فقد فقدت المدينة المنورة واحدًا من رجالها الأوفياء، وفقد وادي الفرع مؤرخه وابنه البار، وفقد الوسط الثقافي والتربوي أديبًا حمل القلم بأمانة، وعلّم الأجيال بإخلاص، وحفظ جانبًا مهمًا من ذاكرة المكان والإنسان.

وُلد الأستاذ محمد صالح البليهشي في قرية المضيق (بوادي الفرع)، التي أحبها بكل ما فيه، فعمرها، ووثق تاريخها، وأسس فيها متحفًا يحكي سيرتها للأجيال، ونشأ في بيئة عريقة يمتزج فيها عبق التاريخ بأصالة المجتمع وبساطة الحياة. تلقى تعليمه الأول في كُتّاب الشيخ مفلح الشاماني بأحد مساجد القرية، ثم التحق بالتعليم النظامي، ودرس في معهد المعلمين، وواصل تعليمه حتى حصل على ليسانس الشريعة من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سنة 1395هـ.

بدأ حياته العملية معلمًا في المدرسة المحمدية النموذجية بالمدينة المنورة، ثم تنقّل بين مدارسها معلمًا ومديرًا وقائدًا تربويًا في مختلف المراحل. وعُرف في الميدان التربوي بحسن الإدارة وحنكة القيادة، وقربه من طلابه ومعلميه، وحرصه على أن تكون المدرسة بيئةً للعلم والتربية وبناء الشخصية. وكان من بين المدارس التي ارتبط اسمه بها ثانوية الأنصار وثانوية طيبة، حتى أنهى خدمته في التعليم بتقاعده المبكر سنة 1413هـ.

غير أن التقاعد لم يكن في حياته نهاية للعطاء؛ فقد واصل العمل والإدارة وخدمة المجتمع، فتولى إدارة عدد من المنشآت الصحية الأهلية، ثم عاد إلى الميدان الأقرب إلى قلبه، ميدان التعليم، فأسس مدارس القصواء الأهلية بمراحلها المختلفة، وظل حاضرًا في شؤون التربية والتعليم، حاملًا خبرة المعلم وحكمة المدير وأبوّة المربي. وقد لخّص جانبًا من خبرته الطويلة في كتابه المعروف "الإدارة المدرسية بين النظرية والتطبيق".

وكان للصحافة نصيب وافر من حياته، إذ عمل مندوبًا صحفيًا، وأشرف على صفحة المدينة المنورة في صحيفة "المدينة" سنوات طويلة، وتولى إدارة مكتب صحيفة الندوة في المدينة. لم تكن الصحافة عنده بحثًا عن حضور عابر، وإنما كانت نافذة لخدمة مجتمعه، وتوثيق رجاله وأحداثه، والتعريف بتاريخ المدينة المنورة وقراها ومؤسساتها. وقد جمع في كتاباته بين عين الصحفي التي تلتقط التفاصيل، وذاكرة المؤرخ التي تحفظها، وقلم الأديب الذي يمنحها الحياة.

ارتبط بنادي المدينة المنورة الأدبي منذ مراحله الأولى، وكان عضوًا فاعلًا في مجلس إدارته، وأسهم في برامجه وأنشطته، ووثق مسيرته في أكثر من عمل. شارك في مؤتمر الأدباء السعوديين الأول بمكة المكرمة، وفي تجمع الشباب العربي الخامس بدمشق، وفي لقاءات الأندية الأدبية السعودية، وفاز بالمركز الأول في مجال القصة سنة 1402هـ، كما نال جائزة نادي أبها الأدبي سنة 1405هـ.

أما آثاره العلمية والأدبية، فقد توزعت بين التاريخ والتربية والأدب والتراجم والتوثيق المؤسسي. ومن أشهر كتبه: «المدينة اليوم»، و«المدينة المنورة»، و«وادي الفرع: تاريخ وحضارة»، و«مدينة بدر التاريخية»، و«المدينة المنورة في عهد الملك عبدالعزيز آل سعود»، و«حروف في الرماد»، و«رسائل في حب الوطن»، و«محمد هاشم رشيد في عيون أدباء عصره»، و«ثانوية طيبة في خمسين عامًا»، إلى جانب أعماله في توثيق مسيرة نادي المدينة الأدبي والمؤسسات التعليمية والاجتماعية.

ويحتل كتابه «المدينة اليوم» مكانة خاصة في مشروعه؛ فقد سجّل فيه صورة واسعة للمدينة المنورة في مطلع القرن الخامس عشر الهجري، ووثّق جوانبها العمرانية والتعليمية والإدارية والصحية والاجتماعية، وكتب عن طرقها وأسواقها وأحيائها وعادات أهلها ومؤسساتها. وبذلك حفظ للأجيال صورة من المدينة التي عاصرها، قبل أن تغيّرها حركة الزمن والعمران.

أما كتابه «وادي الفرع: تاريخ وحضارة»، فهو شاهد على وفائه لمسقط رأسه؛ إذ جمع فيه تاريخ الوادي وجغرافيته، وطرق الحج التي مرّت به، وعيونه ومياهه ونخيله وقراه وتنظيماته المحلية، وحياة أهله الاجتماعية. كتب عن المكان بمحبة ابن ينتمي إليه، وبدقة باحث يدرك أن التفاصيل الصغيرة قد تكون أثمن ما يضيع من ذاكرة المجتمعات.

ومن أجلّ أعماله، وأدلّها على الوفاء، جمعُه تراث أستاذه، الأديب والتربوي عبدالعزيز الربيع، الذي تعلّم على يديه أصول الكتابة الأدبية والصحفية. وبعد وفاة أستاذه، بذل جهدًا كبيرًا في جمع مقالاته وآثاره وإعدادها للنشر، فأخرج منها سلسلة من الكتب، منها: «لمحات من حياة الربيع»، و«نظرات تربوية»، و«مناقشات ومناوشات»، و«كتب ومؤلفون»، و«شوقيات وشوكيات»، و«مقالات وتعليقات». وقد أنقذ بهذا العمل جانبًا مهمًا من تراث المدينة الثقافي من التفرق والضياع، فاستحق اللقب الذي كرّمه به محبوه: رجل الوفاء.

غير أن الكتب والمناصب لا تروي وحدها سيرة محمد صالح البليهشي. فقد كانت سيرته الحقيقية منقوشة على صفحات في قلوب الناس، وفي المواقف التي لا تسجلها الفهارس.

كان حضوره تشريفًا للمناسبات، وبعثًا للسرور في نفوس أهلها. لم يتأخر عن أفراح أقاربه وأصدقائه ومحبيه، ولم يغب عن أتراحهم. يشارك الناس أفراحهم بجاهه، وبوجهه البشوش، وكلمته الطيبة، ودعائه الصادق، ويقف إلى جوارهم في مصائبهم وقفة الرجال، مواسيًا، ومساندًا، ومخففًا عنهم ثقل الحزن. وكان يرى أن للقرابة والصداقة والجيرة حقوقًا لا تؤدى بالكلام، وإنما يؤديها الحضور الصادق والموقف الكريم.

وفي المواقف الصعبة كان ثابتًا لا يتلون، وفيًا لا يتخلى، حاضرًا حين يحتاج الناس إلى من يقف معهم. لم يكن ممن يعرفون أصحابهم في أوقات الرخاء، ثم يغيبون عند الشدة؛ فقد عُرف عنه أنه يثبت مع من حوله، وينصر المظلوم، ويسعى في الإصلاح، ويقدم ما يستطيع من العون دون منٍّ أو استعراض.

وكان شديد الرعاية لكلمته، يزنها بميزان العدل، ويتحرى فيها الصدق والإنصاف. لا يدفعه الحب إلى مجاوزة الحق، ولا تحمله الخصومة على الظلم. إذا شهد قال عدلًا، وإذا نصح أخلص، وإذا تدخل بين الناس قصد الإصلاح وجمع القلوب. وقد منحته هذه الخصال مكانةً في النفوس لا تمنحها المناصب ولا تصنعها الألقاب.

وكم من إنسان ساعده، وكم من طالب شجعه، وكم من صاحب حاجة سعى معه، وكم من أسرة وقف إلى جانبها في ظرف عسير. كان كريم النفس، سخيًا بوقته وجهده وعلاقاته، يفتح للآخرين أبواب الأمل، ويعينهم بما يستطيع، ويؤثر أن تبقى أعمال الخير بعيدة عن الأضواء. ومن هنا اتسعت دائرة محبيه؛ لأن الناس وجدوا فيه صدق المودة، ونبل المقصد، وحسن العشرة، وشهامة الرجل الذي تُلتمس عنده المواقف الكريمة فلا يخيب طالبها.

رحل محمد صالح البليهشي، وبقيت كتبه تحكي علمه، وبقي تلاميذه يحملون أثره، وبقيت المدينة المنورة ووادي الفرع شاهدين على جهده، وبقيت مواقفه الطيبة حاضرة في ذاكرة كل من عرفه. رحل الجسد، أما الذكر الحسن فلا يرحل، والأثر النافع يمتد بعد صاحبه، والدعوات الصادقة تظل تصعد إليه من قلوب أحبت فيه الصدق والوفاء والمروءة.

نسأل الله أن يرحم الأستاذ محمد صالح البليهشي رحمة واسعة، وأن يغفر له مغفرةً عظيمة من عنده، وأن يجزيه عن علمه وتعليمه وكتبه ومواقفه وأعماله الخيّرة خير الجزاء، وأن يجعل ما تركه من علم نافع وذكر حسن في موازين حسناته.

اللهم أكرم نزله، ووسّع مدخله، وأنر قبره، واجعله روضة من رياض الجنة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واجمعه بوالديه وأحبابه في جنات النعيم.

وأصدق التعازي والمواساة إلى أبنائه وبناته، وإلى معالي المهندس فهد البليهشي، والأستاذ قاسم البليهشي، وإلى أسرته وذويه وأقاربه ومحبيه وتلاميذه، وإلى الوسطين الثقافي والتربوي في المدينة المنورة.

رحمه الله رحمة واسعة، وربط على قلوب أهله ومحبيه، وألهمهم الصبر والسلوان.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

رحل عن الدنيا الفانية إلى دار البقاء، يوم الخميس 6 أغسطس 2026، الأستاذ والأديب والمؤرخ والمربي الفاضل محمد بن صالح البليهشي، بعد حياة حافلة بالعطاء، أفناها في خدمة العلم والتعليم والأدب والتاريخ، وفي الوفاء لمدينته ووطنه وأهله وأصدقائه، وكل من عرفه أو قصده.

رحل أبو قاسم، رحمه الله، وخلّف وراءه سيرة عطرة، وذكرًا حسنًا، وعلمًا ينتفع به، وقلوبًا كثيرة تشهد له بالفضل والمروءة والوفاء. وما كان رحيله فقدًا لأسرته وذويه وحدهم؛ فقد فقدت المدينة المنورة واحدًا من رجالها الأوفياء، وفقد وادي الفرع مؤرخه وابنه البار، وفقد الوسط الثقافي والتربوي أديبًا حمل القلم بأمانة، وعلّم الأجيال بإخلاص، وحفظ جانبًا مهمًا من ذاكرة المكان والإنسان.

وُلد الأستاذ محمد صالح البليهشي في قرية المضيق (بوادي الفرع)، التي أحبها بكل ما فيه، فعمرها، ووثق تاريخها، وأسس فيها متحفًا يحكي سيرتها للأجيال، ونشأ في بيئة عريقة يمتزج فيها عبق التاريخ بأصالة المجتمع وبساطة الحياة. تلقى تعليمه الأول في كُتّاب الشيخ مفلح الشاماني بأحد مساجد القرية، ثم التحق بالتعليم النظامي، ودرس في معهد المعلمين، وواصل تعليمه حتى حصل على ليسانس الشريعة من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سنة 1395هـ.

بدأ حياته العملية معلمًا في المدرسة المحمدية النموذجية بالمدينة المنورة، ثم تنقّل بين مدارسها معلمًا ومديرًا وقائدًا تربويًا في مختلف المراحل. وعُرف في الميدان التربوي بحسن الإدارة وحنكة القيادة، وقربه من طلابه ومعلميه، وحرصه على أن تكون المدرسة بيئةً للعلم والتربية وبناء الشخصية. وكان من بين المدارس التي ارتبط اسمه بها ثانوية الأنصار وثانوية طيبة، حتى أنهى خدمته في التعليم بتقاعده المبكر سنة 1413هـ.

غير أن التقاعد لم يكن في حياته نهاية للعطاء؛ فقد واصل العمل والإدارة وخدمة المجتمع، فتولى إدارة عدد من المنشآت الصحية الأهلية، ثم عاد إلى الميدان الأقرب إلى قلبه، ميدان التعليم، فأسس مدارس القصواء الأهلية بمراحلها المختلفة، وظل حاضرًا في شؤون التربية والتعليم، حاملًا خبرة المعلم وحكمة المدير وأبوّة المربي. وقد لخّص جانبًا من خبرته الطويلة في كتابه المعروف "الإدارة المدرسية بين النظرية والتطبيق".

وكان للصحافة نصيب وافر من حياته، إذ عمل مندوبًا صحفيًا، وأشرف على صفحة المدينة المنورة في صحيفة "المدينة" سنوات طويلة، وتولى إدارة مكتب صحيفة الندوة في المدينة. لم تكن الصحافة عنده بحثًا عن حضور عابر، وإنما كانت نافذة لخدمة مجتمعه، وتوثيق رجاله وأحداثه، والتعريف بتاريخ المدينة المنورة وقراها ومؤسساتها. وقد جمع في كتاباته بين عين الصحفي التي تلتقط التفاصيل، وذاكرة المؤرخ التي تحفظها، وقلم الأديب الذي يمنحها الحياة.

ارتبط بنادي المدينة المنورة الأدبي منذ مراحله الأولى، وكان عضوًا فاعلًا في مجلس إدارته، وأسهم في برامجه وأنشطته، ووثق مسيرته في أكثر من عمل. شارك في مؤتمر الأدباء السعوديين الأول بمكة المكرمة، وفي تجمع الشباب العربي الخامس بدمشق، وفي لقاءات الأندية الأدبية السعودية، وفاز بالمركز الأول في مجال القصة سنة 1402هـ، كما نال جائزة نادي أبها الأدبي سنة 1405هـ.

أما آثاره العلمية والأدبية، فقد توزعت بين التاريخ والتربية والأدب والتراجم والتوثيق المؤسسي. ومن أشهر كتبه: «المدينة اليوم»، و«المدينة المنورة»، و«وادي الفرع: تاريخ وحضارة»، و«مدينة بدر التاريخية»، و«المدينة المنورة في عهد الملك عبدالعزيز آل سعود»، و«حروف في الرماد»، و«رسائل في حب الوطن»، و«محمد هاشم رشيد في عيون أدباء عصره»، و«ثانوية طيبة في خمسين عامًا»، إلى جانب أعماله في توثيق مسيرة نادي المدينة الأدبي والمؤسسات التعليمية والاجتماعية.

ويحتل كتابه «المدينة اليوم» مكانة خاصة في مشروعه؛ فقد سجّل فيه صورة واسعة للمدينة المنورة في مطلع القرن الخامس عشر الهجري، ووثّق جوانبها العمرانية والتعليمية والإدارية والصحية والاجتماعية، وكتب عن طرقها وأسواقها وأحيائها وعادات أهلها ومؤسساتها. وبذلك حفظ للأجيال صورة من المدينة التي عاصرها، قبل أن تغيّرها حركة الزمن والعمران.

أما كتابه «وادي الفرع: تاريخ وحضارة»، فهو شاهد على وفائه لمسقط رأسه؛ إذ جمع فيه تاريخ الوادي وجغرافيته، وطرق الحج التي مرّت به، وعيونه ومياهه ونخيله وقراه وتنظيماته المحلية، وحياة أهله الاجتماعية. كتب عن المكان بمحبة ابن ينتمي إليه، وبدقة باحث يدرك أن التفاصيل الصغيرة قد تكون أثمن ما يضيع من ذاكرة المجتمعات.

ومن أجلّ أعماله، وأدلّها على الوفاء، جمعُه تراث أستاذه، الأديب والتربوي عبدالعزيز الربيع، الذي تعلّم على يديه أصول الكتابة الأدبية والصحفية. وبعد وفاة أستاذه، بذل جهدًا كبيرًا في جمع مقالاته وآثاره وإعدادها للنشر، فأخرج منها سلسلة من الكتب، منها: «لمحات من حياة الربيع»، و«نظرات تربوية»، و«مناقشات ومناوشات»، و«كتب ومؤلفون»، و«شوقيات وشوكيات»، و«مقالات وتعليقات». وقد أنقذ بهذا العمل جانبًا مهمًا من تراث المدينة الثقافي من التفرق والضياع، فاستحق اللقب الذي كرّمه به محبوه: رجل الوفاء.

غير أن الكتب والمناصب لا تروي وحدها سيرة محمد صالح البليهشي. فقد كانت سيرته الحقيقية منقوشة على صفحات في قلوب الناس، وفي المواقف التي لا تسجلها الفهارس.

كان حضوره تشريفًا للمناسبات، وبعثًا للسرور في نفوس أهلها. لم يتأخر عن أفراح أقاربه وأصدقائه ومحبيه، ولم يغب عن أتراحهم. يشارك الناس أفراحهم بجاهه، وبوجهه البشوش، وكلمته الطيبة، ودعائه الصادق، ويقف إلى جوارهم في مصائبهم وقفة الرجال، مواسيًا، ومساندًا، ومخففًا عنهم ثقل الحزن. وكان يرى أن للقرابة والصداقة والجيرة حقوقًا لا تؤدى بالكلام، وإنما يؤديها الحضور الصادق والموقف الكريم.

وفي المواقف الصعبة كان ثابتًا لا يتلون، وفيًا لا يتخلى، حاضرًا حين يحتاج الناس إلى من يقف معهم. لم يكن ممن يعرفون أصحابهم في أوقات الرخاء، ثم يغيبون عند الشدة؛ فقد عُرف عنه أنه يثبت مع من حوله، وينصر المظلوم، ويسعى في الإصلاح، ويقدم ما يستطيع من العون دون منٍّ أو استعراض.

وكان شديد الرعاية لكلمته، يزنها بميزان العدل، ويتحرى فيها الصدق والإنصاف. لا يدفعه الحب إلى مجاوزة الحق، ولا تحمله الخصومة على الظلم. إذا شهد قال عدلًا، وإذا نصح أخلص، وإذا تدخل بين الناس قصد الإصلاح وجمع القلوب. وقد منحته هذه الخصال مكانةً في النفوس لا تمنحها المناصب ولا تصنعها الألقاب.

وكم من إنسان ساعده، وكم من طالب شجعه، وكم من صاحب حاجة سعى معه، وكم من أسرة وقف إلى جانبها في ظرف عسير. كان كريم النفس، سخيًا بوقته وجهده وعلاقاته، يفتح للآخرين أبواب الأمل، ويعينهم بما يستطيع، ويؤثر أن تبقى أعمال الخير بعيدة عن الأضواء. ومن هنا اتسعت دائرة محبيه؛ لأن الناس وجدوا فيه صدق المودة، ونبل المقصد، وحسن العشرة، وشهامة الرجل الذي تُلتمس عنده المواقف الكريمة فلا يخيب طالبها.

رحل محمد صالح البليهشي، وبقيت كتبه تحكي علمه، وبقي تلاميذه يحملون أثره، وبقيت المدينة المنورة ووادي الفرع شاهدين على جهده، وبقيت مواقفه الطيبة حاضرة في ذاكرة كل من عرفه. رحل الجسد، أما الذكر الحسن فلا يرحل، والأثر النافع يمتد بعد صاحبه، والدعوات الصادقة تظل تصعد إليه من قلوب أحبت فيه الصدق والوفاء والمروءة.

نسأل الله أن يرحم الأستاذ محمد صالح البليهشي رحمة واسعة، وأن يغفر له مغفرةً عظيمة من عنده، وأن يجزيه عن علمه وتعليمه وكتبه ومواقفه وأعماله الخيّرة خير الجزاء، وأن يجعل ما تركه من علم نافع وذكر حسن في موازين حسناته.

اللهم أكرم نزله، ووسّع مدخله، وأنر قبره، واجعله روضة من رياض الجنة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واجمعه بوالديه وأحبابه في جنات النعيم.

وأصدق التعازي والمواساة إلى أبنائه وبناته، وإلى معالي المهندس فهد البليهشي، والأستاذ قاسم البليهشي، وإلى أسرته وذويه وأقاربه ومحبيه وتلاميذه، وإلى الوسطين الثقافي والتربوي في المدينة المنورة.

رحمه الله رحمة واسعة، وربط على قلوب أهله ومحبيه، وألهمهم الصبر والسلوان.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.