الشيخ سليمان بن عبد الله الطيار سيرة تقتدى

محمد بن صالح البليهشي

الشيخ سليمان بن عبد الله الطيار سيرة تقتدى وابنه اللواء.م / محمد بن سليمان نبل يُقتفى.
الشيخ سليمان بن عبد الله الطيار سيرة تقتدى وابنه اللواء.م / محمد بن سليمان نبل يُقتفى.

حديثنا عن هذا الرمز حديث مختلف فهو رمز في عدة ديار، ورمز في عدد من المهام، ورمز في حميد شيمه الشيخ سليمان بن عبد الله الطيار، الذي لا تسع الحديث عنه هذه المقالة، ولكن كما قالت العرب: ((ما لا يدرك كله لا يترك جله)). فهو - رحمه الله من أسرة كريمة النسب، عريقة الأصل، جليلة الحسب، تعرف بال الطيار من أهالي الزلفي

ولد ونشأ في أسرة مباركة، خرج منها الكثير من الأعلام قديما وحديثا، فمنهم العلماء، والقادة، والوجهاء، والشعراء، ممن كان لهم حضورهم البارز في ديارهم وغيرها، وكان ميلاد سليمان بن عبد الله الطيار عام ١٣٣٠هـ، في بلدة الشماسية بالقصيم، ولم تكن الشماسية مقر نشأته وإقامته الدائمة فوالده الشيخ عبد الله بن عقيل الطيار كان رجلاً كثير السفر والترحال، فعاش - رحمه الله - مع والديه في بلدة الشماسية التي رعته خير رعاية فنشأ على الآداب الحميدة.

وكان والده وأسلافه من آل الطيار ممن يقطنون قرية العقلة بمحافظة الزلفي. وهي قرية جميلة تحيط بها النفوذ من جميع الجهات، مع تخيلها الشامخ أصالة. والباسق جمالا، ودورها ذات الطابع التراثي النجدي الفريد، وقد أعيد تأهيلها مؤخرا بنمط تراثي غاية في الجمال والإتقان فأصبحت مقصدا للزوار والسياح القادمين إلى الزلفي.

وقد قضت الظروف أن يعيش حياته في الشماسية فحرص على التعلم منذ صغره، والتحق - كعامة أبناء جيله - بكتاب البلدة فحفظ شطرا من القرآن الكريم. ونقل من مبادئ العلوم المعتادة ان ذاك: كالقراءة، والكتابة، والحساب، وكانت نشأته وحيدا مع والديه سببا في غرس الهمة والجد في شخصيته المواجهة ظروف الحياة ومتغيراتها، ولم يطل مقامه في الشماسية فعاد إلى بني أبيه بقرية العقلة بالزلفي فزادت مكارم تربيته في أسرة محافظة على القيم والمبادئ. الإسلامية، والأصول والشيم العربية.

ولما كانت تلك الديار قليلة الموارد، شحيحة في مصادر العيش، قرر أن يرتحل في. طلب رزقه بعزيمة قوية وهمة متوقدة، كما اعتادت نفسه على ذلك، فكان بدء أمره أن يمم وجهته نحو مكة المكرمة - شرفها الله - وعمره آنذاك نحو ثمانية عشر عاما.. فالتحق حينها بهجانة العاصمة المقدسة مكة المكرمة شرفها الله. وشارك مع الأمير فيصل نائب الحجاز أنذاك في حرب اليمن ثم وفد على الملك عبد العزيز مراراً وحظي بعنايته وكرمه.

ثم انتقل مع الهجانة إلى ديار الشمال لبعض المهام العسكرية التي اقتضتها الحالة الأمنية فحلوا بالوجه أولا، ثم ضباء، وللثقة فيه تنوعت مهامه فعمل في . إمارة الوجه عام ١٣٥٣هـ، وكان من رجالاتها المبرزين، ثم انتقل للعمل في إمارة تبوك عام ١٣٥٧هـ : ثم التحق بقوات خفر السواحل عام ١٣٥٩هـ، ثم انتقل للعمل فيها بجدة عام ١٣٦٤هـ

وفي العام الذي يليه بدأت مرحلة جديدة من حياته دامت قرابة عشرين عاما حيث التحق بالعمل في إمارة أملج، وتنقل في مهامها الوظيفية، حتى تولى الإدارة. والإشراف على مكتب الإمارة بها، فكان يدير مهامه بمهارة، وثبات عمل، وجدارة. والتحق بالعمل في إمارة المدينة، في أواخر أيام أميرها الأمير عبد الرحمن بن عبد الله السديري، ثم عمل مع وكيل الإمارة الأستاذ فهد العبيكان، ثم عمل مع أميرها من بعده الأمير عبد المحسن بن عبد العزيز فنال ثقته، وكان مقربا إليه ومحبباً إلى نفسه فتولى عددا من المهام الوظيفية، منها: الإشراف على مكتب الشؤون الإدارية، ثم إشرافه وإدارته لشؤون البادية فكان قريبا من قبائل المنطقة، يحظى بالقبول عندها، وحصدت أيامه فيها بحسن سيرته، وحكمته، وعقله.

وساعده في ذلك معرفته الكبيرة، وإحاطته الواسعة بقبائل منطقة المدينة وبيوت مشيخاتها، وكذلك كان عارفا بقبائل منطقة تبوك، والوجه، وأملح، وينبع، يرجع إليه فيها عندما كان يعمل بها، مع ما حباه الله به من عقل، وحكمة، وحسن تدبير. وفي عام ١٣٩٥هـ ان لذلك الفارس الذي جاب الديار بهمة وعزيمة في خدمة وطنه أن يترجل فحصل على التقاعد، وهو في قمة نجاحاته وعطائه، وبقي في

مجتمع المدينة حاضرا بذكره الحسن. وطيب أثره ، أحبه الناس، واحترموه وحفظوا له قبره ومقامه.

وبقي قامة الوطن، وأيقونة العمل. سليمان بن عبد الله الطيار، إلى آخر يوم من حياته، في المدينة المنورة. موطن أجداده وأسلافه، التي أحبها وتعلق قلبه بها فهجر كل ما دونها. حتى أخذ الله وديعته فيها عام ١٤٢٣هـ... فوري الثرى في بقيع الغرقد بمدينة. رسول الله صلى عليه وسلم التي هاجر إليها حباً في نبيها وفيها ؟

فرحمه الله رحمة واسعة. وقد ترك رحمه الله ذرية طيبة مباركة. نهلت من معين تربيته، وسارت على نهجه في خدمة الدين والوطن والمجتمع.

منهم إبنه عبد الله بن سليمان، الذي تنقل في عدد من المهام الوظيفية والإدارية. فكان مديرا لإدارة الجنسية، ثم مديرا لإدارة الأحوال المدنية بالمدينة المنورة، ثم مديراً لإدارتها في محافظة جدة، فقام بما أنيط به من مسؤوليات جامعا بين الخبرة. الإدارية وحسن الأداء، وقد خلف عبد الله بن سليمان رحمه الله ذرية مباركة ، تقلد عدد منهم رتبا عسكرية وإدارية رفيعة، فامتد فيهم أثر البيت الكريم، وتواصلت عبرهم مسيرة الخدمة والبذل للوطن.

وكذلك ممن يعيش اليوم بيننا في المدينة المنورة من ذريته، وعرفه وأحبه أهلها. ابنه اللواء متقاعد / محمد بن سليمان الطيار الذي تنقل في عدد المهام والقيادات العسكرية، وتولى العديد من المسؤوليات بوزارة الحرس الوطني، على مدى سبعة وثلاثين عاما، في قطاعاتها العسكرية والأكاديمية، مع إسهامات ومشورات مباركة في المجال الصحي، فكان له فضائل جمة، ومحاسن عدة، ومن ذلك تشرفه بأن كان وجمع من زملائه ممن قدموا مشورة مباركة على القيادات العليا في وزارة الحرس الوطني بحاجة المدينة المنورة إلى إنشاء مستشفى للحرس الوطني بها فكان لهم في ذلك همة متوقدة بجمع وإعداد تقارير وشواهد متعددة تؤكد حسن طرحهم، وصدق مشورتهم، فكان الأمر كما ذكر، وحصل معه في طيبة الطيبة الخير، وفي صحتها وأهلها عظيم البر، فأكرمه الله فيها بأطيب الأثر، وفي نبيل

المهام بحسن الذكر.

وكان سعادة اللواء.م / محمد بن سليمان - كما تقدم - قد تقلد عددا من المهام والمسؤوليات والمناصب القيادية فمن ذلك - على سبيل الذكر لا الحصر . أنه تشرف بفضل عظيم، ومقام جليل دام عشر سنوات بالمشاركة في أعمال الحج وخدمة ضيوف الرحمن في المشاعر المقدسة فكان أنموذجا فريدا، وقيادياً مجيدا. في الإسهام وزملائه في خدمة الحاج، وتيسير المناسك لقاصدي البلد الحرام . وكل ناسك ترجمة لتوجيهات القيادة الرشيدة، وهذا العمل شرف لا يعادله شرف فإن شرف هذه الدولة المباركة، وعزها وفخارها هو في خدمة الحرمين الشريفين.

والحاج والمعتمر، وزائري مدينة خاتم النبيين.

كما تشرف بالعمل محاضرا في كلية الملك خالد العسكرية فتخرج على يديه المئات من القيادات العسكرية المتميزة عملا وعطاء، وترأس عدة أقسام تعليمية وإدارية، ومن أهم ذلك إشرافه على لجان القبول والتسجيل في الكلية، وقد دامت مدته فيها نحو خمسة عشر عاما فكان حفيا بالمتقدمين والدارسين، داعما لهم في الوصول إلى مبتغاهم في خدمة الدين والوطن، وقادة طموحه إلى دورة القيادة والأركان، التي قدم فيها بحوثاً مهمة نالت الإعجاب والتقدير مكتب رسالة بليغة العنوان والمبنى، جليلة المقاصد والمعنى بعنوان: الأمن الوطني بين الفكر والواقع. وكان ثمرة هذا البحث الماتع النافع، والرسالة البديعة المفيدة، أن حقق التفوق والتميز فتحصل على المركز الثاني في دفعته.

وقد ناقش في بحوثه مفهوم الأمن الوطني واقعا وفكرا، ومقوماته، والعوامل المؤثرة فيه داخليا وخارجيا، ودور القوة العسكرية في تحقيقه وصيانته، كما تناول الأمن الوطني السعودي، والعوامل المؤثرة في استتبابه، وارتباطاته الإقليمية والدولية، برؤية تجمع بين البعد الاستراتيجي والوعي الاجتماعي والفكري.

كما أبرز بأسلوب علمي رصين أثر القيم الاجتماعية في المجتمع السعودي: فجاء فيه عبارة راقية: (لا يساورنا أدنى شك في أن القيم الاجتماعية لكل شعب من الشعوب تلعب دورا مهما في تشكيل الرؤية العامة لأفراد ذلك المجتمع إلى أمن بلادهم، ونجد أن هذه القيم بالنسبة للمجتمع السعودي تعمل كضابط أمن داخلي يراقب تصرفاتهم، ويوجه سلوكهم، ويحد من نزواتهم....)، والحقيقة أن البحث سابق

في طرحه، بصير في تطلعه، ثاقب في رؤيته، وهو مما يستحق النشر والعناية. ثم كان آخر أعماله: خدمته في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم: فعين مساعدا لقائد لواء الملك فيصل الأمني برتبة لواء ركن فكان خير ختام لمسيرته العملية في مدينة خير الأنام حتى حصل على التقاعد وترجل ذلك الفارس عام

١٤٣٣هـ

وقد رزق الله اللواء.م / محمد بن سليمان الطيار، ذرية مباركة في المدينة والرياض والخبر، فما زالت آثاره من طيب الغرس مثمرة، ومن رسوخ أثره حاضرة، فمنهم من تولى مهام قيادية إدارية، وصحية وطبية، ومصرفية، ساروا على نهج اسلامهم جمعوا بين النبل والفضل في خدمة مجتمعهم

وفي الختام غفر الله لرمزنا، فقيد الوطن. وفقيد المدينة وأهلها وقبائلها، الراحل بسيرة الأخيار القامة سليمان بن عبدالله الطيار وبارك في ذريته المتميزة. بالأصالة والعقل والإخلاص والإتزان...

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.