اتصال لم أنسه.. في وداع محمد صالح البليهشي | عبدالمعطي البدراني
عبدالمعطي البدراني

هناك رجال لا يرحلون حين يغيبون، بل يبقى شيء منهم في ذاكرة كل من عرفهم، والأستاذ محمد صالح البليهشي -رحمه الله- كان واحداً من هؤلاء.
سكت عنه كثيرون أنه مربّ ومعلم وأديب ومؤرخ ترك للمكتبة السعودية عشرات المؤلفات عن المدينة المنورة وتاريخها، وسيذكرون سنوات عطائه في التعليم، وإدارته لثانوية الأنصار، وحضوره في المشهد الثقافي، لكن لكل واحد ممن عرفه قصة خاصة لا تكتب في كتب السيرة.
عرفته وأنا طالب في ثانوية الأنصار، لم يكن مديراً يكتفي بإدارة المدرسة، بل كان مربياً يراقب طلابه ويكتشف مواهبهم ويحرص على أن يدفعهم إلى الأمام. كنت أتولى إعداد الإذاعة المدرسية وتقديمها، وكان يتابعها باهتمام ويشجعني عليها. لم يكن يدرك أن كلمات التشجيع التي يقولها لطالب في مقتبل عمره كانت تصنع داخله ثقة امتدت معه في سنواته اللاحقة.
أما الموقف الذي بقي معي حتى اليوم، فيعود إلى آخر اختبار في السنة الأخيرة من الثانوية.
كنت قد اتخذت قراراً بإعادة السنة الدراسية لتحسين معدلي، ولهذا لم أدخل آخر اختبار. لم أخبر أحداً بقراري، ولم أتوقع أن يلتفت أحد إلى غياب طالب عن لجنة اختبار.
لكن هاتف المنزل رن.
كان المتصل الأستاذ محمد صالح البليهشي.
قال لي بكل هدوء: «يمديك تحضر ونختبرك حتى لو كنت وحدك».
ما زلت أذكر تلك الكلمات وكأنها قيلت بالأمس، لم يكن يتحدث بلسان مدير مدرسة، بل بلسان مربٍ يخشى أن تضيع فرصة على أحد طلابه.
شكرته على حرصه، ثم ذهبت إليه بعد ذلك وأخبرته أن غيابي لم يكن إهمالاً، وإنما كان قراراً اتخذته لإعادة السنة كاملة من أجل تحسين المعدل. استمع إلي بكل رحابة صدر، وقد أدى رسالته كما يمليها عليه ضميره قبل أن يمليها عليه منصبه.
ومنذ ذلك اليوم، كلما التقيته في مناسبة أو مجلس، بادرت إلى السلام عليه وأقبل رأسه وأشكره على ذلك الموقف. وربما لم يكن يعلم -رحمه الله- أن ذلك الاتصال بقي عالقاً في ذاكرتي كل هذه السنين، وأن حرصه في تلك اللحظة تجاوز حدود الواجب الوظيفي ليصنع أثراً لا يزول.
اليوم، وبعد رحيله، أدرك أكثر من أي وقت مضى أن أثر المعلم لا يقاس بعدد الطلاب الذين درسهم، ولا بعدد السنوات التي قضاها في التعليم، أثره الحقيقي هو ما يبقى في نفوس طلابه، وما يزرعه فيهم من ثقة، وما يتركه في ذاكرتهم من مواقف.
رحم الله الأستاذ محمد صالح البليهشي، ترك كتباً يقرأها الناس، وترك قبل ذلك سيرة طيبة يرويها طلابه ومحبوّه، وما أكثر ما تبقى المواقف حين تغيب الوجوه وتبقى الذكريات.
هناك رجال لا يرحلون حين يغيبون، بل يبقى شيء منهم في ذاكرة كل من عرفهم، والأستاذ محمد صالح البليهشي -رحمه الله- كان واحداً من هؤلاء.
سكت عنه كثيرون أنه مربّ ومعلم وأديب ومؤرخ ترك للمكتبة السعودية عشرات المؤلفات عن المدينة المنورة وتاريخها، وسيذكرون سنوات عطائه في التعليم، وإدارته لثانوية الأنصار، وحضوره في المشهد الثقافي، لكن لكل واحد ممن عرفه قصة خاصة لا تكتب في كتب السيرة.
عرفته وأنا طالب في ثانوية الأنصار، لم يكن مديراً يكتفي بإدارة المدرسة، بل كان مربياً يراقب طلابه ويكتشف مواهبهم ويحرص على أن يدفعهم إلى الأمام. كنت أتولى إعداد الإذاعة المدرسية وتقديمها، وكان يتابعها باهتمام ويشجعني عليها. لم يكن يدرك أن كلمات التشجيع التي يقولها لطالب في مقتبل عمره كانت تصنع داخله ثقة امتدت معه في سنواته اللاحقة.
أما الموقف الذي بقي معي حتى اليوم، فيعود إلى آخر اختبار في السنة الأخيرة من الثانوية.
كنت قد اتخذت قراراً بإعادة السنة الدراسية لتحسين معدلي، ولهذا لم أدخل آخر اختبار. لم أخبر أحداً بقراري، ولم أتوقع أن يلتفت أحد إلى غياب طالب عن لجنة اختبار.
لكن هاتف المنزل رن.
كان المتصل الأستاذ محمد صالح البليهشي.
قال لي بكل هدوء: «يمديك تحضر ونختبرك حتى لو كنت وحدك».
ما زلت أذكر تلك الكلمات وكأنها قيلت بالأمس، لم يكن يتحدث بلسان مدير مدرسة، بل بلسان مربٍ يخشى أن تضيع فرصة على أحد طلابه.
شكرته على حرصه، ثم ذهبت إليه بعد ذلك وأخبرته أن غيابي لم يكن إهمالاً، وإنما كان قراراً اتخذته لإعادة السنة كاملة من أجل تحسين المعدل. استمع إلي بكل رحابة صدر، وقد أدى رسالته كما يمليها عليه ضميره قبل أن يمليها عليه منصبه.
ومنذ ذلك اليوم، كلما التقيته في مناسبة أو مجلس، بادرت إلى السلام عليه وأقبل رأسه وأشكره على ذلك الموقف. وربما لم يكن يعلم -رحمه الله- أن ذلك الاتصال بقي عالقاً في ذاكرتي كل هذه السنين، وأن حرصه في تلك اللحظة تجاوز حدود الواجب الوظيفي ليصنع أثراً لا يزول.
اليوم، وبعد رحيله، أدرك أكثر من أي وقت مضى أن أثر المعلم لا يقاس بعدد الطلاب الذين درسهم، ولا بعدد السنوات التي قضاها في التعليم، أثره الحقيقي هو ما يبقى في نفوس طلابه، وما يزرعه فيهم من ثقة، وما يتركه في ذاكرتهم من مواقف.
رحم الله الأستاذ محمد صالح البليهشي، ترك كتباً يقرأها الناس، وترك قبل ذلك سيرة طيبة يرويها طلابه ومحبوّه، وما أكثر ما تبقى المواقف حين تغيب الوجوه وتبقى الذكريات.
